الشمول المالي خطوة لتحقيق العدالة ومحاربة التهميش (1-2)

علي أحمد دقاش
في مقالين متتالين رصينين نشرت في “المحقق” ، التقطت الأستاذة هبة محمود صادق فريد القفاز لتعلق وتقود التجاوب مع قرار بنك السودان الذي قضى بتحويل وحدة التمويل الأصغر إلى إدارة عامة للشمول المالي، وهو بالطبع قرار لا ينبغي للمهتمين بالاقتصاد الاجتماعي والعدالة الاجتماعية أن يمروا عليه دون وقفة.
لقد كان القرار فرصة اقتنصتها هبة ، فسكبت علماً غزيراً ونشرت تجربة متراكمة مبنية علي الممارسة العملية.
هبة محمود خبير في صناعة السياسات العامة، أجرت دراسات عليا متقدمة حول صناعة السياسات العامة بمعهد السياسات العامة والإدارة بجامعة الملاي بماليزيا
Interational Institute of PuplicPolicy and Management (INPUMA)
وتبعت ذلك بإجراء تدريبات عملية في السودان لقيادات الخدمة المدنية حول صناعة السياسات العامة بالتعاون مع خبراء ماليزيين من جامعة الملايا ، أسست هبة وأدارت مشروع الاستخدام المنتج وتشغيل الخريجين الذى هدف إلى محاربة عطالة خريجي الجامعات والمعاهد العليا، عن طريق توسيع فرص العمل الحر وتكوين محفظة تمويل خاصة لتمويل الخريجين كان رائدها هو بنك الادخار للتنمية الاجتماعية، تحول مشروع الاستخدام المنتج وتشغيل الخريجين لاحقاً إلى صندوق لتشغيل الخريجين.
انتقلت هبة بعد ذلك لتعمل مديراً لوحدة التمويل الأصغر ببنك السودان مستفيدة من تجربتها المتراكمة في تأسيس وإدارة المشروعات الصغيرة من خلال مشروع تشغيل الخريجين وعضويتها في الشبكات الإقليمية للتمويل الأصغر .
تركت بصمات واضحة في وحدة التمويل الأصغر تمثلت في عدد من المنتجات المالية والتدريب على إدارة المشروعات ونشر ثقافة العمل الحر.
لذلك عندما تعلق هبة محمود علي السياسات الأخيرة لبنك السودان وقراره تحويل وحدة التمويل الأصغر إلى إدارة عامة للشمول المالي فإن تعليقها بلا أدني شك هو تعليق خبير وممارس ينبغي لبنك السودان أن يضعه في الإعتبار.
تأسيس الإدارة العامة للشمول المالي ببنك السودان تحول مهم وخطوة عملية في طريق طويل تقود إلى المشاركة ومحاربة التهميش وينبغي أن يصاحب ذلك زخم كبير وتجاوب من المهتمين بالاقتصاد الاجتماعي.
أقترح لبنك السودان تنظيم ورشة مختصة تطرح فيها قضايا تطوير الشمول المالي وإقتراح السياسات الكلية التي تساعد علي نجاحه.
وأشير هنا كذلك، أنه تزامن مع مقالات هبة محمود فريد حوار حول إستعادة التوازن النقدي أجرته الصحفية ناهد أوشي مع الخبير المصرفي والخبير في التمويل الأصغر وقضايا الشمول المالي الأستاذ نعمان يوسف محمد، نشر في صحفية أصداء سودانية الصادرة الاثنين 24 نوفمبر 2025، وهو ما يؤكد وجود حركة وعي متنامية حول الاقتصاد المجتمعي يجب أن يستغلها بنك السودان في الترويج لقضية الشمول المالي.
الشمول المالي قضية مرتبطة بالاقتصاد الاجتماعي والعدالة الاجتماعية ومحاربة التهميش والاقصاء، وهي قضايا دندنت حولها جميع الأديان السماوية والنظم السياسية الحديثة المهتمة بقضايا التنمية المستدامة والعدالة الاحتماعية.
أعظم الثورات في القرون الماضية مثل الثورة الفرنسية التي ألغت نظام الإقطاع وامتيازات الطبقة الارستقراطية، كانت قضية العدالة الاجتماعية من أهم مطالبها، وتبع الثورة الفرنسية في ذلك و بعد أكثر من قرن الثورة الشيوعية التي اسقطت دولة القياصرة لتؤسس دولة البروتاريا (فشلت فيما بعد) .
قضية العقد الاجتماعي التي نظر لها فلاسفة كبار مثل الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو تأتي كذلك في نفس الاتجاه.
في الإسلام هناك قاعدة هامة لتحقيق العدالة الاجتماعية هي كسر إحتكار رأس المال وتوسيع تداوله وزيادة المستفيدين منه وبالتالي زيادة القاعدة الكلية للإنتاج وتحقيق الوفرة ، وذلك وفق قاعدة قرآنية مهمة هي :
{ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ} :
معروف في النظام الإسلامي :
1/ المال مال الله
{وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ} النور 33
2/ الانسان مستخلف في المال. {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} الحديد7
3/إنفاق المال وتداوله واجب وكنزه حرام
{ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} التوبة 34
{لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} العمران 92
4/احتكار المال وقصره علي طبقة معينة حرام
{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ} الحشر الاية ٧
5/ وضع ضوابط للتداول أمر مشروع :
{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} النساء 5
إبتكر النظام الإسلامي وسائل مختلفة لتفتيت رأس المال وتوزيعه ليشمل الفقراء والمساكين مثل الحض علي الانفاق ، الزكاة ، الوقف ، الصدقة ، الميراث . بل جعل الإسلام في مال الميراث وهو مال ذو إنصبة محددة جعل فيه مجال لإعطاء من يحضر القسمة من ذوي القربى واليتامي والمساكين :
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا } النساء ٨.
في تعليقنا علي المقال الأول للأستاذة هبة محمود حول الشمول المالي قلنا إن البنوك هي في الأصل خزانة كبيرة للمحافظة علي الأموال وتنظيم تداولها بين الناس ولكنها إنحرفت عن مهمتها بدعوى المحافظة علي رأس المال فتحولت من خازن ومنظم لحركة المال إلى ساجن ومقيد لحركتة وذلك بابتكار ما يسمى الضمانات القوية لإعطاء التمويل مثل رهن الأصول والمقتنيات الثمينة، وهي ضمانات في العادة غير ميسرة للفقراء ، يجب علي البنك الموازنة بين ضوابط الحفاظ علي المال وعدم تبديده بواسطة السفهاء وفق مبدأ لا تعطوا السفهاء أموالكم.
(يتبع 2 -2)



