
مهندس طارق حمزة زين العابدين
اليوم لم يكن ما فعله المنتخب المصري مجرد مباراة في كرة القدم، بل كان استدعاءً حيًّا لتاريخ أمة كلما ظن العالم أنها انحنت، عادت ووقفت من جديد أكثر شموخًا وصلابة.
مصر التي كسرت جيوشًا، وصنعت ثورات، وعلّمت الدنيا معنى الدولة والحضارة، خرجت أمس لتقول للعالم: انتصاراتي ليست صفحات في الكتب، بل روح متجددة تسري في عروق أحفادها على المستطيل الأخضر كما سرت يومًا على ضفاف النيل وفي ساحات المعارك.
اليوم أثبت المصريون أنهم أهل للمجد حقًا، وأنهم لم يرثوا من تاريخهم التليد مجرد حكايات، بل ورثوا جرأة القلب وقوة العزيمة وكرامة الموقف.
خرج أحفاد الفراعنة والفتوحات والأمجاد الحديثة ليقدّموا ملحمة كروية تحوّلت إلى رسالة سياسية وإنسانية لأفريقيا والعرب والعالم: نحن هنا، لسنا مجرد متفرجين على بطولات الآخرين، نحن صُنّاع البطولات.
وسُئلتُ عن مصرَ الهرمْ
مصرَ المهابةِ والقيادةِ والهِممْ
مصرَ الصبوحةِ مثلَ طفلٍ يبتسمْ
مصرَ الطليقةِ مثلَ سَيلٍ يَحتدِمْ
مصرَ الأنيقةِ والرقيقةِ والمليئةِ بالنِّعَمْ
اليوم أبكت مصر ومنتخبها خصمها قبل أن تبكي جماهيرها؛
أبكاهم حسام حسن بجرأته وانفجار حماسه وقراءته للمباراة كقائد معركة يعرف متى يهاجم ومتى يضغط ومتى يزرع الأمل في عيون لاعبيه.
وأبكاهم محمد صلاح، هذا الفرعون المعاصر، بلمساته وقيادته وحضوره الذهني، لاعبًا لا يمثل ناديًا أو رقمًا، بل وجها من وجوه مصر والعرب وأفريقيا.
ثم جاء ذلك الشاب الأسمر الصاعد بقوة، هيثم حسن، ليثبت أن هذه الأمة لا تنضب، وأن الأجيال الجديدة قادرة على كتابة فصول جديدة من المجد لا تقل عن أساطير الأمس إن لم تفقها.
نعم، في لحظة من لحظات المباراة كانت مصر متقدمة بهدفين نظيفين، تُمسك برقبة الحلم وتخنق غرور بطل العالم، وتجعل ميسي نفسه يبحث عن مخرج من حصار قلوب لا تعرف الخوف.
نعم، انتهت المباراة بثلاثة أهداف للأرجنتين مقابل هدفين لمصر، لكن لوحة النتائج لا تقيس حجم الرجولة، ولا تسجل من انتصر في وعي الملايين، ولا تكتب دائمًا اسم من ربح في النهاية… بل تسجل أحيانًا فقط من انتصر في الكرامة، في الأداء، في معناها الأوسع.
لو كانت نتيجة المباراة تُقاس بحب الأوطان، وبعرق اللاعبين، وبالقتال حتى آخر نفس، وبالإيمان الذي لا يهتز أمام أسماء المنتخبات ولا نجومها، لكانت مصر هي الفائزة بلا منازع.
ولو كانت تُقاس بما تركه الأداء في ذاكرة العالم، لكتب المعلقون والمحللون قبل المتحمسين: مصر انتصرت، حتى وإن خرجت من المنافسة.
قبل يومين، كتب منتخب الرأس الأخضر ملحمة إفريقية أمام الأرجنتين، وعاد إلى بلاده مرفوع الرأس، يحمل راية قارةٍ ترفض أن تُختزل في الفقر والصراعات، بل تصر على أن تُرى في عيون لاعبيها وإبداعات شبابها.
واليوم جاءت مصر، هذا العملاق الإفريقي والعربي، لتُكمل السردية، ولتقول للأرجنتين وللعالم: هذه ليست مصادفة، هذه صحوة قارة، وهذه عودة روح.
من الرأس الأخضر إلى مصر، ومن مصر إلى المغرب غدًا بإذن الله، أفريقيا ترسم بقدمي لاعبيها ودموع جماهيرها خريطة جديدة للاحترام والرهبة في الملاعب العالمية.
مصر اليوم حبست أنفاس الأرجنتين، بل أنفاس العالم، وأثبتت أن قوة الأوطان لا تقاس بعدد الدبابات ولا بحجم الناتج القومي، بل تُقاس بما يقدمه أبناؤها حين يرتدون قميصها ويدخلون الملعب وهم يحملون في صدورهم تاريخ أمة بأكملها.
هذه ليست مجرد مباراة، هذه فصل جديد في كتاب طويل من الانتصارات الرمزية التي حققتها مصر باسم العرب وباسم أفريقيا: من ميادين السياسة، إلى جبهات الحرب، إلى منصات الفن والثقافة، واليوم إلى ملاعب كرة القدم.
لهذا، فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهؤلاء الأبطال هو أن نستقبلهم كما يُستقبل الفاتحون لا الخارجون من بطولة.
نعم، هم غادروا المنافسة اليوم، لكنهم دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، ودخلوا عقول وقلوب الملايين حول العالم، وأضافوا إلى قصص وسرديات الأمة المصرية عبر تاريخها سردية جديدة، قصة نجاح وعزة سيتناقلها الناس طويلًا، وستحكيها الأجيال القادمة كما حكت من قبل عن انتصارات مصر في ساحات أخرى.
يجب أن يعود هؤلاء اللاعبون وجهازهم الفني والإداري إلى القاهرة على بساط من الفخر لا على بساط من العتب، وأن تخرج الجماهير في الشوارع لاستقبالهم، وأن يشعروا أنهم لم يُقصوا من بطولة، بل ربحوا معركة احترام العالم لمصر وأفريقيا والعرب.
نعم، نستقبلهم مرددين قول الله تعالى:
“ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ”
فهم يدخلونها اليوم آمنين مُكرَّمين، وقد رفعوا راية وطنهم، وأضافوا إلى اسم مصر صفحة جديدة من صفحات المجد التي لا تنتهي.



