اقتصادية

التعاون المصري في إعادة اعمار السودان… آمال وتطلعات

القاهرة- صباح موسى – نازك شمام
بنبرة تجمع بين التفاؤل والتشاؤم وقفت المذيعة السودانية ، رشا الرشيد، على منصة القاعة الكبرى لمركز المنارة للمؤتمرات الدولية بضاحية مدينة نصر بالعاصمة المصرية القاهرة ، صباح أمس الأحد ، وهي تقول ” نلتقي اليوم والسودان يمر بمرحلة دقيقه من تاريخه بعد أكثر من عامين ونصف من النزاعات والتحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، بعد حرب فُرضت على بلادنا ودمرت كل شيء، نجتمع اليوم لنتفاكر معا كيف نبني ونعيد إعمار السودان من جديد، وفي أذهاننا أن السودان لا يحتاج لمجرد إعمار وتأهيل للبنى التحتية، أو بناء خرساني لشكل حضاري، بل يحتاج أيضا لإعادة بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد الوطني والثقة المجتمعية، ونسعى معا لوضع أسس واقعية قابلة للتنفيذ في بلد دمرته الحرب”.
ولتعزيز ما قالته الرشيد بالرؤية البصرية قامت اللجنة التنظيمية للورشة التحضيرية الثانية للملتقى المصري السوداني الثاني لرجال الأعمال والتي خصصت لبحث الآليات التنفيذية لإعادة إعمار السودان بعرض فيلم وثائقي للدمار الذي أصاب الخرطوم جراء الحرب، قابله الحاضرون بالدموع وهمهمات (لاحول ولا قوة إلا بالله) و(حسبي الله ونعم الوكيل)، الفيلم عر ض المباني الرئيسية في الخرطوم وقد أصابها الدمار الشامل وحل عليها الخراب في مشاهد غلب عليها الأسى والحزن.
لذا فان المشاركون في الورشة لم يتسلل الملل الى قلوبهم وهم يجلسون لأكثر من سبع ساعات لإدارة المناقشات لتحويل قضية إعمار السودان لواقع حقيقي يتم تنفيذه على الأرض بمساعدة مصر التي مدت يدها للسودان لكي تكون اليد التي تعبر بالدولة الجارة الى ضفاف التنمية والاعمار.
خسائر اقتصادية
وفي ورقته التي جاءت تحت عنوان ( إعادة إعمار السودان ، الرؤية الوطنية ، الاليات التنفيذية وفرص الشراكة الإقليمية) يرى مدير تطوير الأعمال للهيئة الاستشارية في جامعة الخرطوم، هشام الشاذلي، ، إن الحرب بالسودان أدت الى توقف شبه كامل للنشاط الاقتصادي.
وكشف أن إجمالي الخسائر الاقتصادية والبنية التحتية تتراوح بين 200 إلى 700 مليار دولار. كما تدهور سعر صرف العملة بشكل حاد، حيث وصل إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في السوق الموازي، بعد أن كان 570 جنيهاً.
وأكد على التراجع في حركة التجارة، حيث انخفض إجمالي التجارة الخارجية للسودان بنسبة 48% بعد الحرب، ليبلغ 8.04 مليار دولار مقارنة بـ 15.45 مليار دولار قبلها. ويواجه الاقتصاد تحديات ضخمة، مع تقديرات بأن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب قد تتطلب من 3 إلى 7 سنوات.
ويري شاذلي في ورقته إن عملية الإعمار تتجاوز إعادة بناء المباني لتشمل إعادة بناء الإنسان والنظام والمؤسسات في شتى المجالات (الاقتصاد، السياسة، المجتمع، العمران، البيئة.
وطالب بإنشاء هيئة لإعادة الاعمار على أن تتبع مباشرة لرئيس الوزراء، وتتولى مهام التخطيط والتنسيق والإشراف، وإدارة منصة تنسيق وطنية موحدة مع كافة الجهات المحلية والدولية. بالإضافة الى تكوين صندوق الوطني لإعادة الإعمار والتنمية يعد الذراع المالي للمفوضية، وهو صندوق استثماري مملوك للدولة، برأس مال مرخص مبدئي يبلغ 1 مليار دولار.
خارطة طريق
وقال شاذلي إنه من الأهمية بمكان وجود خارطة طريق إعادة الإعمار على ثلاث مراحل أساسية حتى عام 2035 تشمل مرحلة التعافي المبكر حتى العام 2027ويتم فيها صلاح الخدمات الحيوية وتوفير الخدمات الإنسانية الطارئة والفترة الانتقالية من (2027–2029) تخصص لتأسيس المؤسسات والقوانين وتحريك الاقتصاد عبر الاستثمارات المباشرة والفترة الأخيرة تكون للاستدامة والتنمية (2029–2035) عبر إطلاق المشروعات الاستراتيجية الكبرى وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وأكد أن التكامل السوداني–المصري هو ركيزة أساسية في عملية الإعمار من خلال “الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمارات المتعددة”.
وبحسب شاذلي فان التكلفة الإجمالية المطلوبة للإعمار تقدر بين 200 إلى 250 مليار دولار وتعتمد خطة التمويل على مزيج من ميزانية الدولة، الصناديق العربية والإسلامية، شراكات القطاع الخاص، والتمويل الخارجي بنظام BOT.
تبادل سلعي
وأكد د. محمد علي إبراهيم ، استاذ الاقتصاد والعميد الاسبق والمؤسس لكلية النقل الدولب واللوجستيات، في ورقته التي جاءت بعنوان ( الربط اللوجستي بين مصر والسودان، شرايين التجارة بين البلدين) أن اهم الصادرات المصرية للسودان الدقيق ومشتقاته وتمثل 40% من الصادرات المصرية (600 ألف طن/سنة)، سكر خام (منتجات السكر)، حلويات وسلع غذائية معبأة، مواد تعبئة وتغليف ،أسمنت ومواد بناء، ألات ومعدات خفيف ومستلزمات طبية فيما تضم اهم الصادرات السودانية الى مصرا للحوم حية وتمثل 35% من صادر السودان لمصر ،حبوب (سمسم ، فول سوادني ، ذرة)، قطن وألياف قطنية، معادن نفيسة والصمغ.
وكشف إبراهيم عن حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان في مستوى مليار دولار تقريبًا سنويًا، ويصل الى 1.4 مليار دولار صادرات وواردات لافتا الى تراجع التبادل التجاري بعد الحرب اعتبارا من عام 2023 حيث كان الميزان التجاري بين مصر والسودان قبل الحرب قد وصل الى 55 % لصالح مصر و45 % لصالح السودان وبالمقارنة مع 2023 تأثرت صادرات السودان إلى مصر ليصبح الميزان التجاري تقريبا 70 % لصالح مصر و30 % للسودان.
مشاكل وعقبات
وعن المشاكل التي تواجه عملية نقل البضائع البرية بين مصر والسودان في المعابر أوضح إبراهيم أنها تشمل البيروقراطية وطول دورة المستندات وكثرة الجهات الرقابية (جمارك، شرطة، حجر زراعي/بيطري، أمن، ) بالإضافة الى ضعف التنسيق بين الجهات المختلفة كل جهة تعمل بشكل منفصل مما يؤدي إلى تأخير الإفراج عن البضائع وعدم توحيد الأنظمة والإجراءات اختلاف اللوائح بين الدول المتجاورة يعطل مرور البضائع ويزيد التكلفة بجانب عدم انتظام عمل الجمارك في الجانب السوداني بنسب معدل سريان البضاعة وضعف مستوي الخدمات علي طول سلسلة الامداد وعلي المنافذ.
وأشار الى وجود مشكلات اللوجستية وفنية تشمل تكدس الشاحنات بسبب ضعف الطاقة الاستيعابية للمنافذ. وقلة الساحات والمخازن لانتظار أو تفريغ الشحنات بالإضافة إلى ضعف أنظمة الفحص والتفتيش (يدوي أكثر من آلي)، مما يزيد الوقت ويضاعف الأخطاء.
غياب البنية التكنولوجية مثل الأنظمة الإلكترونية الموحدة لتسجيل وتتبع البضائع والمشكلات الأمنية التي تضم التهريب (مخدرات، بضائع ممنوعة، سلع مدعومة)، مما يفرض إجراءات أمنية مشددة تطيل زمن العبور والمخاطر الحدودية مثل وجود مناطق غير مستقرة أو نزاعات مسلحة تؤثر على سلامة النقل وضعف المراقبة بالكاميرات أو الأنظمة الذكية، ما يزيد من الاعتماد على التفتيش اليدوي.
ولحل هذه العقبات اقترح إبراهيم طوير البنية التحتية توسيع وصيانة الطرق الرئيسية (طريق أسوان – وادي حلفا – الخرطوم) لتتحمل الشاحنات الثقيلة وإنشاء محطات لوجستية حدودية مجهزة بمستودعات تبريد، موازين، ومراكز صيانة ودراسة إنشاء خط سكة حديد يربط مصر بالسودان على المدى المتوسط لتقليل التكلفة وزيادة الكفاءة وتحسين الإجراءات الجمركية والرقابية بجانب اعتماد النظام الجمركي الإلكتروني الموحد بين البلدين لتقليل زمن الانتظار وتفعيل اتفاقية النقل العابر (الترانزيت) لتسهيل مرور الشاحنات دون تعطيل.
توصيات وحلول
وخلصت توصيات الورقة الى تسهيل حركة البضائع في الوقت والزمن الذي تحدده لها المعبر السوداني بما لا يسمح بحدوث تكدس عبر المعبر ضمن منظومه يكون الطرفين المصري والسوداني (جمارك وهيئات أخرى طرف فيها) ويمكن ان ترعاها الشركة المصرية السودانية باعتبارها شريك أساسي في أعمال التجارة بين مصر والسودان واعتماد هيئه المواصفات والمقاييس السودانية لمعامل أو جهات اختبار تديرها او تشرف عليها وتكون جهة رقابية على اعمال الفحص والتفتيش بما يضمن سرعه الإجراءات.
التوسع في انشاء بوند للشركات والجهات الكبيرة والتوسع في الافراج تحت التحفظ وانهاء الإجراءات والبضاعة لدى العميل.
تطوير مناطق المحايد في كل المعابر وتطوير حظائر تخزين للبضائع في الجانب السوداني. بجانب دراسة منطقه تجاره حره لوجستية في ارقين (الدراسة جاهزة).
فرص استثمارية
وكشف د. مصطفى محمد صابر في ورقته ” الفرص الاستثمارية في مجالي النقل البحري والنهري لدعم التعاون المصري – السوداني والمساهمة في إعادة إعمار السودان) عن وجود فرص استثمارية تشمل إنشاء أو تحديث الموانئ النهرية على خط وادي حلفا – أسوان (يتم حاليا تطوير مينائي وادي حلفا والسد العالي بأسوان” – دنقلا – الخرطوم واستثمار مشترك في أسطول النقل النهري (بارجات، قاطرات، وحدات شحن مبرد) بالإضافة إلى نشاء مناطق لوجستية حدودية (في أبو سمبل من الجانب المصري وحلفا من السوداني كما يتم حاليا دراسة انشاء منطقة لوجستية في أبو سمبل) لتكون مراكز تجميع وتخزين وتوزيع ومشاريع الصناعات التحويلية والتكميلية موجه للسوقين المحليين وللتصدير شرقًا وغربًا وتعتمد هذه الصناعات على المنتجات التي يمكن أن تتوفر في هذه المنطقة مثل المجازر الآلية ومصنعات اللحوم ومعاصر الزيوت والفواكه وأيضا تجميع الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية والصناعات الغذائية المختلفة وتطوير خطوط شحن نهري منتظمة لنقل البضائع الزراعية والسلع الصناعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى