نحو سودان جديد: رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج (5)

نعمان يوسف محمد **
قبل أن نطلب الاستثمار.. ماذا ينبغي أن نبني أولاً؟. فكل حديث عن جذب الاستثمار في السودان بعد الحرب سيكون حديثاً ناقصاً إذا لم يسبقه سؤال أكثر أهمية: هل أعددنا الدولة لاستقبال الاستثمار؟
فالاستثمار لا ينتقل إلى الدول لأن مواردها وفيرة، وإنما لأن مؤسساتها جديرة بالثقة. وقد ينجح بلد محدود الموارد في استقطاب مليارات الدولارات إذا امتلك مؤسسات قوية وقواعد مستقرة، بينما تعجز دولة غنية بالثروات عن جذب رأس المال إذا غابت سيادة القانون، واضطربت السياسات، وتعددت مراكز القرار.
إن معركة السودان في مرحلة ما بعد الحرب لن تُحسم في مؤتمرات المانحين، ولا في الحملات الترويجية، وإنما ستُحسم داخل مؤسسات الدولة نفسها. فقبل أن نطلب من العالم أن يستثمر في السودان، علينا أن نبني دولة يطمئن العالم إلى الاستثمار فيها.
أين تكمن المشكلة؟
لم تكن الموارد الطبيعية يوماً هي المشكلة الحقيقية في السودان. فالأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والموارد المعدنية، والموقع الجغرافي، كلها عناصر تؤهله ليكون أحد أكبر الاقتصادات الإنتاجية في المنطقة. لكن هذه المزايا ظلت عاجزة عن إنتاج تنمية مستدامة، لأن البيئة المؤسسية لم تستطع تحويل الإمكانات إلى قيمة اقتصادية، ولا الفرص إلى استثمارات، ولا الخطط إلى نتائج.
لقد أثبتت التجارب أن ضعف المؤسسات أكثر كلفة من نقص الموارد، وأن غياب الحوكمة يبدد المزايا التنافسية مهما بلغت وفرتها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس اكتشاف موارد جديدة، وإنما بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد التي يمتلكها بالفعل.
لماذا أصبحت الحوكمة أولوية بعد الحرب؟
ستشهد مرحلة التعافي تدفقاً متوقعاً للمنح، والقروض، والاستثمارات، وبرامج إعادة الإعمار. غير أن نجاح هذه الفرصة التاريخية لن يتوقف على حجم الأموال، بل على قدرة الدولة على إدارتها بكفاءة وشفافية وعدالة.
فالدول الخارجة من النزاعات لا تُقاس بقدرتها على جذب التمويل، وإنما بقدرتها على تحويل التمويل إلى مشروعات منتجة، وخدمات أفضل، وفرص عمل، ونمو اقتصادي مستدام. وهذا لا يتحقق إلا عندما تكون مؤسسات الدولة قادرة على اتخاذ القرار بكفاءة، وتنفيذه بفاعلية، ومحاسبة المقصرين، وحماية المال العام.
ولهذا فإن الحوكمة ليست مشروعاً إدارياً يضاف إلى برامج الإصلاح، بل هي المنصة التي ستقف عليها جميع برامج إعادة الإعمار.
من هنا يبدأ الإصلاح؛
إذا أرادت الحكومة أن تجعل الحوكمة نقطة الانطلاق نحو اقتصاد منتج، فإن الإصلاح يجب أن يبدأ بإعادة تعريف دور الدولة. فالدولة ليست مستثمراً ينافس القطاع الخاص، وليست تاجراً يدير الأسواق، وإنما هي الجهة التي تضع القواعد، وتحمي المنافسة، وتضمن العدالة، وتوفر البيئة التي تسمح للإنتاج والاستثمار بالنمو. وكلما اتسعت مساحة الدولة في ممارسة النشاط الاقتصادي، ضاقت مساحة المبادرة والاستثمار والابتكار.
ويأتي بعد ذلك إصلاح المنظومة التشريعية، ليس بإصدار المزيد من القوانين، وإنما بمراجعة القوانين القائمة، وإزالة التعارض بينها، وتوحيد المرجعيات المنظمة للاستثمار والأعمال. فلا يمكن مطالبة المستثمر بسرعة اتخاذ القرار، بينما تستغرق الدولة أشهراً في منحه الموافقات، أو تتعدد أمامه الجهات ذات الاختصاص، أو تتضارب التفسيرات والإجراءات.
وبالتوازي مع ذلك، ينبغي أن تتحول النافذة الموحدة للاستثمار من شعار متداول إلى واقع مؤسسي، بحيث تصبح جميع إجراءات تأسيس المشروعات، والحصول على التراخيص، وتخصيص الأراضي، والتسجيل، والربط مع الجهات الحكومية، جزءاً من منظومة واحدة تعمل وفق مدد زمنية محددة وملزمة. فكل يوم يختصر من دورة الإجراءات هو تكلفة أقل على المستثمر، ورسالة ثقة بأن الدولة تحترم الوقت كما تحترم رأس المال.
ولن يكتمل هذا الإصلاح ما لم تُعتمد الرقمنة باعتبارها سياسة دولة، لا مشروعاً تقنياً. فالحكومة التي تقدم خدماتها إلكترونياً لا تحقق السرعة فحسب، بل تعزز الشفافية، وتحد من التقديرات الشخصية، وتغلق كثيراً من منافذ الفساد، وتوفر قاعدة بيانات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار ورسم السياسات. وفي الاقتصاد الحديث، أصبحت البيانات مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، وأصبحت كفاءة الإدارة الرقمية أحد المعايير التي يقيس بها المستثمر جاهزية الدول لاستقبال استثماراته.
خلال أول عامين .. هذه هي الأولويات:
لكن الإصلاح المؤسسي لا يكتمل بإصلاح القوانين والإجراءات وحدها، بل يحتاج إلى قرارات تنفيذية واضحة تُنفذ منذ اليوم الأول. وأولى هذه القرارات أن تعتمد الحكومة برنامجاً وطنياً للحوكمة، تلتزم به جميع مؤسسات الدولة، ويحدد معايير موحدة للشفافية، والإفصاح، وإدارة المخاطر، ومنع تضارب المصالح، وقياس الأداء، بحيث تصبح الحوكمة ممارسة يومية لا شعاراً إدارياً.
ويلي ذلك إطلاق مراجعة شاملة لهياكل وأدوار الأجهزة الحكومية، لإزالة الازدواجية، ودمج الوحدات المتشابهة، وإلغاء الاختصاصات المتقاطعة، لأن المستثمر لا يعنيه عدد المؤسسات التي يتعامل معها، بل يعنيه أن يجد مؤسسة واحدة تتحمل المسؤولية وتملك صلاحية اتخاذ القرار.
وبالتوازي مع ذلك، ينبغي إلزام جميع الوزارات والهيئات الاقتصادية بإعداد ونشر مؤشرات أداء دورية تقيس ما تحقق من نتائج، لا ما عُقد من اجتماعات أو ما أُصدر من قرارات. فالحكومات الناجحة تُدار بالأهداف، وتُقاس بالإنجاز، وتُحاسب على النتائج. وما لا يخضع للقياس، يصعب تطويره، وما لا يُعلن للرأي العام، يصعب مساءلة القائمين عليه.
كما يتعين أن تتبنى الحكومة برنامجاً وطنياً لإعادة بناء الخدمة المدنية، يعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة والجدارة، ويستثمر في تدريب القيادات والكوادر، ويربط التعيين والترقي والحوافز بالأداء والإنتاجية. فالإصلاح المؤسسي يبدأ بالإنسان قبل اللوائح، لأن أفضل القوانين قد تفشل إذا أدارتها مؤسسات ضعيفة، بينما تستطيع الكفاءات أن تحقق نتائج كبيرة حتى في ظل موارد محدودة.
وأخيراً، ينبغي أن يُنظر إلى الحوار المنتظم مع القطاع الخاص باعتباره جزءاً من منظومة الحوكمة، لا نشاطاً بروتوكولياً. فالسياسات الاقتصادية الأكثر نجاحاً هي تلك التي تُصاغ بالشراكة مع من سيتأثرون بها، وتُراجع بصورة دورية في ضوء نتائج التطبيق. فالثقة بين الدولة والقطاع الخاص لا تُبنى بالمؤتمرات، وإنما بالحوار المؤسسي المستمر، والالتزام المتبادل، والقدرة على معالجة التحديات قبل أن تتحول إلى أزمات.
ماذا سيكسب السودان إذا نجحنا؟
إذا مضى السودان في هذا المسار، فلن يكون أول ما سيكسبه هو تدفق الاستثمارات، بل استعادة الثقة. والثقة هي رأس المال الذي تُبنى عليه كل التحولات الاقتصادية الكبرى. فعندما تصبح القواعد واضحة، والإجراءات مستقرة، والمؤسسات كفؤة، والقانون نافذاً على الجميع، سيتغير تصور المستثمر عن السودان من دولة عالية المخاطر إلى دولة واعدة بالفرص.
وسينعكس ذلك مباشرة على تكلفة ممارسة الأعمال، فتتراجع مدد وإجراءات تأسيس المشروعات، وتنخفض تكلفة التمويل والتأمين، وتتوسع الاستثمارات المحلية قبل الأجنبية، لأن المستثمر الوطني هو أول من يختبر جودة بيئة الأعمال. كما ستزداد قدرة الدولة على استقطاب التمويل التنموي النوعي، وستتحسن كفاءة الإنفاق العام، ويتراجع الهدر، وتتعزز تنافسية الاقتصاد، ويصبح النمو قائماً على الإنتاج والتصدير، لا على الموارد الخام أو الإنفاق الحكومي.
أما الأثر الأهم، فهو أن الحوكمة ستعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. فعندما يثق المواطن في عدالة المؤسسات وشفافية الإجراءات، ويطمئن المستثمر إلى استقرار البيئة التنظيمية، ويجد المانح شريكاً مؤسسياً قادراً على إدارة موارده بكفاءة، تتحول إعادة الإعمار من برنامج إنفاق مؤقت إلى مشروع وطني لبناء دولة حديثة واقتصاد قادر على الاستمرار. وعندها لن تكون الحوكمة مجرد وسيلة لتحسين الإدارة، بل ستكون الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، والثقة هي التي تُطلق الاستثمار، والاستثمار هو الذي يصنع التنمية المستدامة.
الخلاصة.. الدولة التي نريد:
لن ينجح السودان في كسب معركة التعافي إذا تعامل مع إعادة الإعمار بوصفها مشروعاً لتشييد ما هدمته الحرب، لأن الحروب لا تدمر المباني وحدها، بل تكشف أيضاً هشاشة المؤسسات. وإذا أعدنا بناء المدن دون أن نعيد بناء الدولة، فإننا سنكون قد أجلنا الأزمة ولم نعالج أسبابها.
ولهذا فإن أول مشروع سيادي في مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا يكون طريقاً، أو جسراً، أو محطة كهرباء، بل مشروعاً وطنياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، والتحول الرقمي. فهذه ليست مبادئ نظرية، وإنما أدوات إنتاج اقتصادي، وركائز لجذب الاستثمار، وضمانات لاستدامة التنمية.
إن التاريخ الاقتصادي للأمم يكاد يجمع على حقيقة واحدة: الدول لا تسبق غيرها بما تملك من موارد، بل بما تحسن إدارته من موارد. والسودان لا تنقصه الفرص، ولا يعوزه التمويل بقدر ما يحتاج إلى دولة تمتلك وضوح الرؤية، وصلابة المؤسسات، وثبات القواعد. فعندما تصبح الحوكمة ثقافةً تُمارس قبل أن تكون قانوناً يُطبَّق، ستتحول الثقة إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف، والوظائف إلى استقرار، والاستقرار إلى نهضة وطنية مستدامة.
فالطريق إلى الاستثمار لا يبدأ من الترويج للفرص.. بل من بناء الدولة التي تحمي تلك الفرص.
والمستقبل لا يُورث.. بل يُبنى.
** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي



