تبادل الأسرى في القانون الدولي (1-2)

د. إيناس محمد أحمد
لم يضع العالم قديماً قواعد محددة واضحة أو متفق عليها لتبادل الأسرى ، إنما كانت تتم وفق أعراف كل أمة أو شعب وحسب معتقدات وقيم ومبادئ ونظم الحرب عند تلك الشعوب، لكن المتفق عليه أن الطرف المنتصر هو الذي يضع الشروط لتبادل الأسرى ويحدد قيمة الفدية مقابل كل أسير حسب وضع الأسير الاجتماعي أو رتبته العسكرية ، وعلى سبيل المثال فقد كانت قيمة الرجل أعلى من المرأة ، وقيمة المقاتل أعلى من المواطن العادي ، وزعيم القبيلة أو أحد أعيانها أعلى قيمة في الفدية من الشخص العادي ، والطفل أقل من المرأة وهكذا.
و مع تطور الحياة وظهور شكل الدولة وتكوين الجيوش المنظمة وكثرة المعارك ظهرت العديد من الأعراف العسكرية و منها ظهرت طرق تبادل الأسرى ، وكان ذلك عرف عسكري ثابت يُستخدم في نهايات الحروب بين الدول قديماً ، ثم تطورت عملية تبادل الأسرى لتتم عبر اتفاقيات صلح مؤقتة أو عبر هدن مؤقتة وقت النزاع أو بعد انتهائه .
في القرن الثامن عشر كان مصطلح (Cartels) يشير إلى الاتفاقيات الرسمية التي تعقد بين الدول المتحاربة لتنظم معاملة وتبادل الأسرى ، حيث تم عقد اتفاقية عام 1780م لتبادل الأسرى رجلاً برجل ورتبة برتبة مع إعادة الأسرى المرضى أو العاجزين عن القتال أو المصابين إلى بلدانهم دون انتظار تبادل وذلك لتقليل الصرف على رعايتهم وحمايتهم ، وترد الدولة الخصم بنفس الطريقة في رد الأسرى.
ثم جاءت الفترة من (1899 _ 1907) م وفيها ظهرت أولى الاتفاقيات الدولية لإطلاق سراح الأسرى أو مبادلتهم بعد نهاية الحرب ، وكانت إشارة قوية لتشجيع الدول المتحاربة لعقد اتفاقيات لتبادل الأسرى أثناء أو بعد انتهاء الحرب ، مع ملاحظة أننا حتى الآن ، أمام اتفاقيات ثنائية مؤقتة لتبادل الأسرى وهو أيضاً عرف يمكن أن تطبقه أو لا تطبقه الدول !!
إلى أن ظهر أول تقنين دولي معني و مخصص لأسرى الحرب وكيفية معاملتهم وطرق إعادتهم لأوطانهم، و تجلى ذلك في اتفاقية جنيف التي أُبرمت في 27 يوليو 1929م ، والتي وضعت أسساً واضحة لإطلاق سراح الأسرى وشكلت علامة فارقة في سجل القانون الدولي الإنساني، حيث نصت على تكوين لجان مشتركة من ممثلي الدول المتحاربة للبحث عن الأسرى وتسليمهم لذويهم بعد توقيع اتفاقيات السلام أو بعد انتهاء الحرب ، وأقرت مبادئ دولية لحماية الأسرى وحفظ كرامتهم فنصت على مبدأ ضرورة المعاملة الإنسانية وحظر كافة أشكال العنف أو التعذيب البدني أو النفسي عليهم؛ وسمحت الاتفاقية للأسرى بمراسلة ذويهم وتلقي الرسائل منهم دون تدخل الدولة التي تأسرهم، و وضعت مبدأ عدم جواز الانتقام من الأسرى أو الثأر منهم .
وبهذة المبادئ مهدت الاتفاقية لفقهاء القانون الدولي الطريق لوضع اتفاقية شاملة تضم كل المبادئ والاعراف العسكرية التي انتهجها العالم وتطورت بتطور الحروب والأوضاع الإنسانية وتطور آليات القانون الدولي وكذلك ظهور المنظمات الدولية التي كان لها الفضل في تقنين الاتفاقيات ووضع البصمة الإنسانية لعمليات تبادل الأسرى وأهمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي دائماً ما تتدخل باعتبارها الطرف المحايد للتوسط أو تسهيل عملية تبادل الأسرى وضمان سلامتهم إلى أن يعودوا إلى أوطانهم أو ذويهم، وكونت في هذا المجال تجربة كبيرة امتدت لعقود طويلة.
كل ما ذكر مهد الطريق لإبرام اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م ، لتشكل الإطار القانوني المعمول به حتى اليوم في مجال تبادل الأسرى، وكذلك برتوكول 1977م الملحق باتفاقيات جنيف والذي يعزز الحماية القانونية للأسرى وتسهيل مهام اللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذه العمليات.
عالمياً كانت هناك أحداث فارقة أثرت تأثيراً قوياً على اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م ، أهمها ما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث قسمت شبه الجزيرة الكورية – التي كانت مستعمرة يابانية – لجزئين هما كوريا الشمالية والتي انحازت إلى الإتحاد السوفيتي والصين ، وكوريا الجنوبية التي اصطفت لجانب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين.
في 25 يونيو 1950م اندلعت حرب أهلية عنيفة بين الكوريتين نتج عنها آلاف القتلى والمصابين من العسكريين وخلفت مذابح قاسية وسط المدنيين من الطرفين ، و آلاف آلاف الأسرى؛ وقد تم توثيقها بالصور والمستندات إلا أنه لم يتم محاكمة أي مسؤول عنها حتى اليوم (ولم توقع معاهدة سلام بين الكوريتين) ، و عليه تسبب النزاع في أسر العديد من العسكريين والمدنيين من الطرفين – أعداد هائلة – كشفت عنها سجلات كلا الطرفين المتحاربين ، ونتيجة للضغط الشعبي الجماهيري الداخلي في كلا الدولتين ودعوة المجتمع الدولي إلى وقف الحرب ، أدى ذلك إلى ضرورة إيجاد منصة دبلوماسية دولية أممية للحوار بين الأطراف المتحاربة لوقف الحرب أولاً ، ثم السعي مباشرة إلى تبادل الأسرى ، وبالفعل قامت بذلك مجموعة من الدول المحايدة التي تبنت وضع هدنة مؤقتة لتبادل الأسرى.
بالفعل بدأت أولى عمليات تبادل الأسرى بين الكوريتين في أبريل 1951م ، وبعد نجاح العملية الأولى توالت العديد من عمليات تبادل الأسرى بين الطرفين والتي استمرت حتي سبتمبر 1953م ، وكانت هذه أكبر عملية تبادل للأسرى في التاريخ ،حيث سلمت القوات الأممية خلالها 75823 أسير حرب ، منهم 70183 أسير من كوريا الشمالية و 12773 أسير من جنسيات مختلفة من بينهم 3597 أسير أميركي و7862 أسير من كوريا الجنوبية ، هذه العملية تعد أكبر عملية تبادل أسرى على مستوى العالم وشكلت مرجعية لكيفية التطبيق العملي علي أرض الواقع للدول والمنظمات.
ننتقل إلى مرحلة اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 12 أغسطس 1949م والتي تتضمن 143مادة والتي جاءت بعد مراجعة اتفاقية حماية الأسرى بتاريخ 27 يوليو 1929م وتتضمن 97 مادة ، ثم جاء البرتوكول اللاحق لعام 1977م ، وتكمن أهمية اتفاقية معاملة الأسرى 1949م في أنها تضمنت النقاط الاتية :
1/ نصت على الالتزام الصارم بمعاملة الأسير معاملة إنسانية وحفظ كرامته ومنع الإكراه أو التعذيب أو الترهيب للأسرى.
2/ وضعت معايير لأماكن الاحتجاز بأن تتوفر فيها الشروط الصحية والحماية من برد الشتاء وحرارة الصيف وتوفير الغذاء الكافي والملابس المناسبة ومراعاة ديانة الأسير ومعتقداته الدينية والسماح له بأداء شعائره الدينية .
3/ الرعاية الصحية بتوفير الفحوصات الطبية وتوفير العلاج اللازم للأسرى .
4/ الحقوق القانونية بحيث يلتزم الأسير بالادلاء باسمه ورتبته وتاريخ ميلاده ورقمه العسكري فقط، ولا يضغط عليه لاتنزاع معلومات عن طبيعه عمله أو مشاركته أو عن زملائه أو أي معلومات أخرى.
وتفيد المعلومات الواردة في البند 4 أعلاه في تسجيل اسم الأسير ورتبته في كشوفات الأسرى وتسليمها للصليب الأحمر حين تحين عمليات تبادل الأسرى .
الملاحظ أن الاتفاقية تهدف في جوهرها إلى اعتبار الأسر إجراء عسكرياً احترازياً مؤقتاً لحفظ حياة الجنود ومنع الانتقام منهم أو قتلهم وأن على الدول حمايتهم وتقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم إلى أن يتم مبادلتهم فيما بعد.
وهناك نقطة جوهرية في الاتفاقية حيث نصت في المادة 41 على نشر الاتفاقية في معسكرات أسرى الحرب وبلغة يفهمها الأسرى والسلطات التي تحتجزهم ، ولا يعتد بعدم المعرفة أو الجهل بالاتفاقية من قبل الدولة أو الجهة التي تحتجز الأسرى.
نواصل ،،،،،



