رأي

حكومة الدعم السريع الموازية: محاولة شرعنة الفوضى أم مقدّمة لتقسيم الوطن؟

مهند عوض محمود 

في نهاية يوليو 2025، أعلنت ما تُعرف بـ”قوات الدعم السريع”، وهي ميليشيا متمردة متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية واسعة النطاق، عن تشكيل ما سمّته “حكومة السلام والوحدة” من مدينة نيالا غربي السودان، في مشهد عبثي يحاول فرض واقع سياسي على أنقاض الخراب الذي خلّفته هذه القوة في عدد من ولايات السودان، على رأسها العاصمة الخرطوم، إلى جانب دارفور، وجنوب كردفان، والجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض.

الإعلان حمل أسماءً ذات صبغة مدنية، يتصدرهم محمد حسن التعايشي في منصب رئيس الوزراء، وعبد العزيز الحلو نائبًا لرئيس مجلس رئاسي يرأسه محمد حمدان دقلو، المتهم بارتكاب انتهاكات إنسانية مروعة بحق المدنيين، أبرزها التطهير العرقي في غرب دارفور، والاغتصاب الجماعي، ونهب البنوك والمؤسسات، وتدمير البنية التحتية في العاصمة السودانية.

الميليشيا، التي فقدت أي مشروعية سياسية أو أخلاقية بعد سلسلة الجرائم الموثقة محليًا ودوليًا، تحاول عبر هذا التكوين الجديد أن تعيد إنتاج نفسها بوجه مدني مخاتل، مستغلة الفوضى السياسية والانقسام المجتمعي والتعب المحلي والدولي من طول أمد الحرب. لقد أُريد لهذا التشكيل أن يُقدّم بوصفه “فرصة جديدة للسلام”، وهو في حقيقته محاولة مكشوفة لفرض واقع انقلابي داخل الدولة، عبر هيكل سياسي مشوّه، لا يستند إلى سند شعبي ولا مرجعية قانونية، ولا حتى إلى أرضية إدارية مستقرة تُمكّنه من إدارة أقلية محلية، فضلاً عن تمثيل دولة متعددة الأقاليم والمكونات.

الإعلان عن الحكومة الموازية بدا كأنه محاولة استباقية لإرباك هذا المسار الذي كانت قد بدأته الرباعيةالدولية، أو على الأقل لتعديل شروط التفاوض وفرض معادلة سياسية جديدة، يتقدم فيها الدعم السريع من موقع “السلطة الفعلية” في بعض المناطق، لا كمجرد طرف متمرد.

وقد تفسَّر هذه الخطوة أيضًا على أنها رد فعل على إدراك الميليشيا بأنها تواجه فقدانًا تدريجيًا للغطاء الدولي، لا سيما بعد توثيق الجرائم الميدانية بشكل منهجي من قبل منظمات حقوق الإنسان، وهو ما يجعل من إعلان الحكومة أداة ضغط أخيرة في مواجهة مساعٍ دولية لعزلها سياسيًا.

ورغم ذلك، فإن موقف الرباعية حتى الآن يبدو منسجمًا في رفضه لهذا التوجه، ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة. فإما أن تذهب الرباعية إلى إجراءات أكثر صرامة لعزل الميليشيا سياسيًا واقتصاديًا، عبر عقوبات موجهة أو مذكرات توقيف دولية أو تضييق على داعميها؛ أو أن تُدفع الأطراف إلى مفاوضات تُفرض فيها تسوية غير متوازنة تعيد إنتاج الأزمة. وفي كلا الحالتين، فإن غياب الجبهة الداخلية الموحدة والبرنامج الوطني الواضح من جانب الحكومة الشرعية، قد يُضعف الموقف التفاوضي ويمنح المليشيا فرصة لالتقاط أنفاسها.

وهنا تبرز أهمية إصلاح البنية السياسية في الخرطوم، ليس فقط لتحسين الأداء الإداري، بل لإعادة صياغة العقد الوطني على أسس جديدة تتجاوز الاستقطاب الحاد الذي لازم الفترات الانتقالية السابقة. من الأفضل أن يُبادر القادة المدنيون والعسكريون إلى فتح حوار داخلي واسع، يستوعب القوى الحزبية والنقابات والطرق الصوفية والإدارات الأهلية وشخصيات وطنية مستقلة، بهدف إنتاج مظلة سياسية عريضة تعبّر عن السودانيين جميعًا لا عن تيار دون آخر.

هذا الاستيعاب الشامل، إذا ما تم بطريقة صادقة وعادلة، يمكن أن يُعيد الثقة في الحكومة، ويُعزز الجبهة الداخلية، ويمنع تغلغل الخطابات الانفصالية أو الشعارات الزائفة التي ترفعها المليشيا لاستغلال مشاعر الهامش.

كما أن الإصلاح السياسي وحده لا يكفي دون برنامج حشد وطني فعّال، يُركّز على تعريف المواطنين بأهمية معركة استعادة الدولة، ويربط بين الأداء الحكومي والمصالح اليومية للناس. فكلما شعر المواطن في القضارف أو النيل الأزرق أو سنار أن الحكومة التي يتبع لها تنظر إليه كأولوية، كلما تقلصت المساحات التي قد تحاول المليشيا أن تملأها بالخطاب الشعبوي أو الخدمات الشكلية.

و من الأجدى أن تتم هذه المقاربة بروح وطنية، تتسامى فوق الانتماءات الضيقة، وتفتح المجال للكفاءات لا للولاءات، وأن يُدرك الجميع أن مواجهة خطر تقسيم السودان لا تتم بالسلاح وحده، بل تبدأ ببناء مشروع جامع وعادل.

وكان من الأجدى أن تقابل الحكومة إعلان “حكومة نيالا” بإجراءات سياسية واضحة، تتجاوز حدود التنديد، نحو عمل متكامل ومبادرات فاعلة على عدة محاور. أول هذه المحاور يتمثل في تنشيط التحرك الدبلوماسي، وهو لا ينبغي أن يقتصر على مخاطبة المنابر الدولية الكبرى، بل من الأفضل أن يُمنح حيزًا واسعًا للتواصل المباشر والمنسّق مع دول الجوار. فهذه الدول، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المتداخلة، تملك تأثيرًا بالغًا في مسار الأزمة السودانية، سواء عبر مواقفها السياسية أو من خلال ضبط حدودها ومنع تسرب الدعم اللوجستي للمليشيا المتمردة، أو حتى من خلال دورها في تشكيل الرأي العام الإقليمي. توثيق العلاقات مع هذه الدول، وتقديم رؤية واضحة لمستقبل الاستقرار المشترك، يمكن أن يُسهم في خلق جدار سياسي يمنع أي محاولات لتدوير شرعية بديلة في الإقليم.

من الأفضل أن تُطرح في هذا السياق ملفات متقدمة تتجاوز الأبعاد الأمنية، لتلامس اهتمامات هذه الدول بشكل مباشر، مثل التعاون التجاري، وتنظيم الهجرة، وتأمين سلاسل الإمداد، وتسهيل الربط الكهربائي والبري، وتطوير آليات الإنذار المبكر للأزمات العابرة للحدود. فكلما شعرت دول الجوار بأن استقرار السودان يصب في مصلحة أمنها ونموها، كلما أصبحت أكثر التزامًا بدعم الحكومة الشرعية والتضييق على أي أجسام موازية تسعى لخلق وقائع بديلة في المناطق الحدودية.

كذلك من المفيد أن تستثمر الحكومة في المعركة الإعلامية بحرفية، لا بإكثار التصريحات، بل بإنتاج رواية مقنعة ومسنودة بالأرقام والشهادات، توضح للعالم أن ما يُطرح كـ”حكومة وحدة” هو في الحقيقة واجهة ملوثة بدماء الأبرياء، تتزين بعبارات السلام لتُخفي تحتها مشروع حرب دائم. الرواية الأخلاقية والسياسية للسودان يجب أن تُروى كما حدثت، وأن تُوثق كما وقعت، حتى لا تختلط الوقائع بالمزاعم، ولا المجرم بالضحية.

المستقبل القريب قد يحمل عدة سيناريوهات: فإما أن تنجح المليشيا في فرض هذا الجسم الهجين كأمر واقع ضمن مفاوضات لاحقة، أو أن يتعرض التحالف الجديد لتصدعات داخلية بسبب تضارب المصالح بين مكوناته، أو أن تتسارع الانهيارات الميدانية لقواته، مما يُفقد الحكومة المعلنة غطاءها العسكري ويُسقطها تلقائيًا. في جميع هذه الاحتمالات، تظل مسؤولية الحكومة الرسمية قائمة في المبادرة لا في الانتظار، وفي صياغة معادلة وطنية تجمع بين الأمن والتنمية، وبين السيادة والواقعية، وبين الحزم والانفتاح، حتى لا تجد نفسها فجأة أمام مشهد تتقاسمه الميليشيات، ويتوزع فيه القرار بين العواصم والساحات، وتضيع فيه فكرة الدولة كما عرفها السودانيون في أحلك لحظاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى