رأي

السودان ومصر… شراكة المصير ودبلوماسية الماء والتنمية

د. عمار أبكر عبد الله **

في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها السودان … وما يواجهه شعبه من تحديات إنسانية وتنموية وأمنية غير مسبوقة، تبرز المواقف الصادقة والداعمة من الدول الشقيقة باعتبارها سنداً حقيقياً يعكس عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين الشعوب.

وفي هذا السياق، تواصل جمهورية مصر العربية تقديم نموذج متقدم في التعاون الإقليمي والعمل التنموي، خاصة في محيط حوض النيل، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وجهود الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري المصري، الذي يقود ملف التعاون المائي الإقليمي برؤية فنية ودبلوماسية متوازنة تعكس مكانة مصر ودورها المحوري في دعم قضايا التنمية والاستقرار في القارة الإفريقية.

وبعد مطالعتنا لما نُشر عبر صفحات مجلس الوزراء المصري، وما قاله المتحدث الرسمي لوزارة الموارد المائية والري، وقطاع مياه النيل بجمهورية مصر العربية بتاريخ الاثنين الموافق 11 مايو 2026، يتضح حجم الجهد المصري الكبير في دعم دول حوض النيل الجنوبي، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، وإنما من خلال مشروعات تنموية حقيقية ومستدامة تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

لقد أكدت مصر مجدداً التزامها الراسخ بدعم جهود التنمية في دول حوض النيل، عبر إطلاق آلية تمويلية بقيمة 100 مليون دولار – بتوجيهات مباشرة من الرئيس السيسي – لتمويل الدراسات والمشروعات التنموية، إلى جانب تنفيذ مشروعات تجاوزت قيمتها 115 مليون دولار شملت إنشاء الآبار الجوفية، والخزانات الأرضية، ومراكز التنبؤ بالفيضانات، وتطوير نظم إدارة المياه، وتبادل الخبرات الفنية، وبناء القدرات والتدريب، في تجسيد واضح لدبلوماسية التنمية والتعاون الإقليمي المسؤول.

وفي خضم هذه الجهود، يبقى السودان – بما يمتلكه من موقع استراتيجي وإمكانات مائية وزراعية وبشرية كبيرة – في أمسّ الحاجة إلى تعزيز مسارات التعاون والدعم الإقليمي والدولي، خاصة في قطاع المياه والخدمات الأساسية الذي تأثر بصورة كبيرة جراء الأزمة الحالية.

وفي هذا الجانب، يمكن أن يضطلع التعاون السوداني المصري بدور محوري في دعم جهود استعادة خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، باعتبارها من أكثر القطاعات ارتباطاً بصحة المواطنين واستقرار المجتمعات وعودة الحياة الطبيعية إلى المدن والقرى المتأثرة.

فالسودان اليوم يحتاج بصورة عاجلة إلى إعادة تأهيل وتشغيل محطات مياه الشرب، وصيانة شبكات الإمداد المائي، وتوفير وحدات المعالجة، وإعادة تشغيل محطات الضخ، إلى جانب التوسع في حفر الآبار الجوفية، خاصة في المناطق التي تأثرت فيها مصادر المياه التقليدية أو خرجت فيها المحطات عن الخدمة.

كما أن قطاع الصرف الصحي يمثل تحدياً كبيراً يتطلب دعماً فنياً وهندسياً عاجلاً، من خلال إعادة تأهيل شبكات الصرف، ومحطات المعالجة، وتحسين أنظمة التخلص الآمن من المياه العادمة، بما يحد من المخاطر البيئية والصحية وانتشار الأمراض.

وفي هذا الإطار، تمتلك مصر خبرات كبيرة ومتراكمة في تنفيذ مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، وإدارة وتشغيل محطات المياه، وحفر الآبار، واستخدام الطاقة الشمسية في تشغيلها، إلى جانب امتلاكها مؤسسات فنية وهندسية وشركات وطنية ذات خبرة واسعة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والخدمات الأساسية على المستويين المحلي والإقليمي.

كما أن التجربة المصرية في تنفيذ مشروعات المياه داخل دول حوض النيل – كما ظهر في يوغندا ورواندا ودول أخرى – تقدم نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة منه في السودان، سواء عبر الدعم الفني، أو التدريب وبناء القدرات، أو تنفيذ مشروعات عاجلة ومستدامة تسهم في تحسين وصول المواطنين إلى مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي.

إن استعادة خدمات المياه والصرف الصحي في السودان لا تمثل فقط استجابة إنسانية عاجلة، بل تُعد مدخلاً رئيسياً للاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار، لما لهذه الخدمات من ارتباط مباشر بالصحة العامة، والتعليم، والاستقرار المجتمعي، وعودة النازحين، وتحريك النشاط الاقتصادي والزراعي.

ومن هنا، فإن الوقوف مع السودان في هذه المرحلة يتطلب تضافر الجهود العربية والإفريقية والدولية، والاستفادة من الخبرات والإمكانات المتوفرة لدى الدول الشقيقة، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية، بما يعزز فرص التعافي والاستقرار ويعيد الأمل للمواطن السوداني في مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.

حفظ الله السودان وشعبه، وحفظ مصر وشعبها، وأدام بين البلدين روابط الأخوة والتاريخ والمصير المشترك.

** مختص في الإدارة المتكاملة للموارد المائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى