

محمد الشيخ حسين
حكاياتُ البشر كثيرةٌ ومعقدة.
وقد تبدو حياتنا شطرٍ من قصص وأشعار وحكايات تبث فينا الصمود وتشعرنا بمرارة الفقد ولوعة الحرمان. هذا ما رسخ في ذهني حين شاركت في تلك الجلسة التي تنساب تفاصيلها هنا.
(1)
كانت قاعة منظمة إسناد في مدينة نصر شرقي القاهرة تضج بالحياة والحيوية حين خصصت وقتا للثقافة، يأتي مرة في الشهر في إطار عمل مبادرة إسناد لدعم السودانيين المتأثرين بالحرب. وفي جلسة المنتدى الثقافي لشهر أبريل احتفت بكتاب جديد بعنوان (من المسافة صفر .. مشاهد حية من أهوال حرب 2023م) لمؤلفته د. سلوى حسن صديق.
(2)
ترأس جلسة المنتدى الاستاذ صلاح عمر الشيخ ببطاقة ثلاثية الأبعاد فهو رئيس اللجنة الاعلامية في مبادرة إسناد في البعد الأول. وفي البعد الثاني الأمين العام لاتحاد الصحافيين السودانيين. وببعده الثالث كصحافي مخضرم وعريق من (سنة حفرو البحر).
(3)
تجاوزت الجلسة فكرة تدشين كتاب لتصبح دعوة قوية لتوثيق الجرائم الفظيعة التي عاشها شعب السودان جراء الحرب.
وهنا تؤكد الاستاذة أميرة الفاضل رئيس مجلس إدارة جمعية إسناد ، والأمين العام لمبادرة اسناد السودانيين، هذه المعاني وتقول (نحن في إسناد نؤمن أن الثقافة هي الجسر الذي يربطنا بجذورنا).
وتضيف أن (الكتابة هي السلاح الأقوى لتوثيق ما مر به الشعب السوداني من مآسي الحرب التي لم تترك باباً سودانياً إلا وطرقته بصور مختلفة).
(3)
حين يكون القتل أسهل من إلقاء التحية، تلك خلاصة كتاب من المسافة صفر. وموضوع الكتاب أن الدكتورة سلوى حسن صديق الأستاذة الجامعية والصحافية والكاتبة والموثقة جمعت كل خبراتها وتجاربها وقدمت عدة قصص واقعية عكست جوانب مظلمة من حرب السودان.
وهذه القصص تحتاج إلى فنان بصري يمتلك شغفاً بتحويل المآسي الإنسانية إلى قصص سينمايية ملهمة.
(4)
الاستطراد السابق مبعثه أن الجهد الذي بذلته الدكتورة سلوى حسن صديق في جمع وتوثيق 31 قصة من انتهاكات صارخة وقعت أثناء العام الأول من الحرب الخبيثة ونشرتها في
مقالات تحت عنوان (من المسافة صفر). ثم جمعتها في كتاب من 62 صفحة من القطع المتوسط. وحملت هذه القصص عناوين جاذبة. وجاءت في ثلاثة أحجام، قصة في صفحة واحدة، وأخرى في صفحة ونصف وثالثة في صفحتين. وهنا تبدو المؤلفة مثل من يقسم في تركة على الشيوع حسب النصيب السردي لكل قصة.
وهناك قيمة مضافة للكتاب يكتشف فيها القاريء تأثير تجربة الحياة تحت أصوات الرصاص في قصص (يوم الزينة) و (بلاغ ضد مجهول) و (عود على بدء).
(5)
إجمالا تحمل قصص الكتاب:
– تجربة الحياة تحت القصف والتدوين.
– تصور مشاعر الخوف، والتهجير، والمعاناة في ظل القتل المجاني.
– تصوير مشاهد حقيقية من حياة المواطن اليومية خلال الحرب والنهب والسلب والاغتصاب.
– تسليط الضوء على (الحرائر) والشهداء، والجرائم ضد الإنسانية وتجارب التهجير القسري.
(6)
تأتي هذه القصص في إطار يحكي كيف أن الحياة في الخرطوم تحولت إلى جنون، حيث يصارع السكان مجهولاً لا يمكن التعايش معه ولا يعرفون كيف يتعايشون مع خطر أن يكون القتل أسهل من إلقاء التحية.
(7)
خير دليل على الدقة بين صفحات الكتاب وصف كاتب فاتحة الكتاب الاستاذ الدكتور عثمان أبوزيد قوله (ان المؤلفة غمست قلمها في المعاناة الصادمة للشعب السوداني في أثناء هذه الحرب من قتل وسلب ونهب واغتصاب لتضيء زوايا مظلمة من الأهوال تزعزت منها الابدان وتضعضعت منها الاركان).
(8)
عند العودة إلى أجواء حفل التدشين تلحظ أولا أن قاعة منظمة إسناد أنيقة جدا وتكسوها لمسات وقار علها جاءتها من نبل المهمة التي تؤديها مبادرة إسناد لدعم المتاثرين بالحرب.
وتلحظ ثانياً أن الحضور النوعي يمثل أطيافا مختلفة من المجتمعين السوداني والمصري.
وتلحظ ثالثا أن مداخلات الحضور أضافت بعداً آخر ومعني أكبر لهذا المنتدى.
(9)
إجمالا تلحظ أن منظمة إسناد تعتبر أن الثقافة هي الجسر الذي يربطنا بجذورنا. وهذا ما تؤكد (الأميرة أقوالها وأفعالها) الاستاذة أميرة الفاضل أن
(الكتابة هي السلاح الأقوى لتوثيق ما مر به الشعب السوداني من مآسي الحرب التي لم تترك باباً سودانياً إلا وطرقته بصور مختلفة).
(10)
حصاد القول عند مبادرة إسناد يتعين علينا أن نرى في الكتابة مقاومةً للزمن، حين نحاول بها تثبيت لحظةٍ أو شعورٍ نخشى عليه من سطوة الدهر.
إلا أن الكتابة ذاتها تخضع لأثر الزمن. فمع كل كلمةٍ تخطها أناملنا، نصارع تاريخ هذه الكلمة في معجم المتحدثين. وحين نضع نقاطنا على الأسطر، فإننا لا نثبت خطاباً أبدياً حتى لو حلمنا بهذا، بل ندع جغرافيا رسومنا ترسم التاريخ.
حفظ الله منظمة إسناد المصرية المنشأ والتأسيس والسودانية الهوى والتنفيذ. وهذه قصة لم تكتب بعد.



