كامل إدريس vs عبد الله حمدوك (ود ميتو)

مهند عوض محمود
في سابقة لا مثيل لها في تاريخ السودان الحديث، نعيش اليوم مفارقة صارخة تُدرّس في كتب الفشل والنجاح، وتُعرض في مسرحيات الكوميديا السوداء: رئيس وزراء يُدير بلداً ممزقاً بالحرب، محاصراً، منكوباً، ويصنع التلاحم… وآخر أدار بلداً آمناً، مستقراً، مدعوماً دولياً، ثم خرج منه كما دخل… لا حس ولا خبر، غير فيديوهات “النيولوك” على الميديا!
بورتسودان، المدينة الساحلية التي اتخذها د. كامل إدريس مقرًا لإقامته، لم تبقَ مدينةً على الهامش في المشهد التنفيذي، بل تحوّلت إلى نقطة انطلاق لحكومة ميدانية حقيقية. لم يتقوقع الرجل في مكتبه، ولم ينتظر التقارير تأتيه على طبق من الورق. بل نزل إلى الأسواق، صافح المواطنين، سمع شكواهم، وجلس بينهم دون بهرجة أو استعراض. وبدلًا من طاولات الاجتماعات الثقيلة، اختار أن يبدأ من الأرض، حيث نبض الناس.
ومن بورتسودان، انطلق إلى الخرطوم، حيث تفقد الجسور المنهارة، زار المستشفيات المدمرة، وقف بنفسه على آثار القصف والدمار، ولم يكتفِ بالتنديد أو التصريحات. لم يكن يسأل “ما الذي حدث؟”، بل كان يطرح السؤال الأهم: “كيف نعيد البناء؟”. واليوم، يستعد لزيارة مشروع الجزيرة، في وقت يتهرب فيه كثيرون من مجرد الاقتراب من الحقول والمزارع، وكأن الزراعة ترف سياسي. لكنه يرى أن الزراعة قرار سيادي، لا ملف تنموي مؤجل.
كل ما سبق جرى في زمن الحرب، لا في زمن الاستقرار. في ظرف دولي خانق، بلا دعم خارجي، في ظل حصار اقتصادي، وواقع أمني متدهور. ومع ذلك، فإن الرجل لم يتردد، ولم يطلب تأجيلًا، ولم يتحدث عن “صعوبات المرحلة”، بل بدأ ببساطة… لأن الناس لا ينتظرون الأعذار، بل الأفعال.
وفي الجانب الآخر من المسرح، يظهر عبد الله حمدوك، حامل شعار “سنعبر وسننتصر”. عبارةٌ باتت مضربًا للمثل في الغموض السياسي. لا أحد يدري حتى اليوم: عبرنا إلى أين؟ وانتصرنا على من؟ هل كنا نخوض حربًا أم نلعب شطرنجًا؟ وهل كان المقصود هو العبور إلى الإصلاح؟ أم إلى الضياع؟ وهل الانتصار كان على الفساد؟ أم على ما تبقّى من أمل؟
في عهد حمدوك، كانت البلاد تتنفس استقرارًا، وتتلقى دعمًا دوليًا لم تعرفه من قبل. ومع ذلك، بدلاً من بناء قاعدة للنهضة، انشغل الرجل بمراسلات المنظمات، وزيارات المؤتمرات، والتقاط الصور التذكارية. حتى حين حان وقت سداد تعويضات لأمريكا، قرر أن يشتري الدولار من السوق الأسود، منافسًا بذلك المواطن المغلوب على أمره، في مشهد عبثي لا يحدث إلا في جمهوريات الموز. الأسوأ أن تلك التعويضات لم تكن عن جريمة مؤكدة، بل عن اتهامات لم يُدان بها السودان رسميًا، بل وُقّعت كترضية سياسية لمغادرة “قائمة الإرهاب” بطريقة مهينة.
لم يُعرف عن حمدوك زيارة مستشفى، ولا مدرسة، ولا مصنع. لم يزر معسكر نازحين، ولم يقف على أوضاع المواطنين في أطراف العاصمة، ولا في الأقاليم. عدا زيارة يتيمة إلى دارفور، وظل حبيس الخرطوم ومحيطها، وعندما خرج منها، خرج من الذاكرة.
وها هو حمدوك، الذي قدّم استقالته بيده، يعود متسللاً إلى المشهد السياسي من بوابات خلفية فاقدة للشرعية، بعد أن أدار ظهره للشعب في لحظة حرجة، واختتم رحلته بعبارة “بضاعتكم ردّت إليكم”، في استهزاء كامل بشعب كان قد علّق عليه كل أمل، وانتظر منه عبورًا حقيقيًا وانتصارًا صادقًا. فما الذي أعاده اليوم؟ وهل يظن أن الذاكرة السودانية قصيرة بما يكفي لتنسى من باعها في أول اختبار؟
يعود اليوم يطوف حول السودان، محاولاً الولوج إليه من باب “النسوان”، عبر أجندات سياسية بائسة، يختبئ خلفها مَن لم يجدوا منفذًا للعودة إلا في ظل مليشيا مغتصبة إرهابية لا تملك من أمر السودان شيئًا سوى الرعب.
فلمن يريد أن يضحك حمدوك وزمرته؟ ولمن يتوجّه بخطاباته إلى الأمم المتحدة؟ بأي تفويض؟ وبأي صوت شعبي؟ هل يعتقد أن للشعب ذاكرة سمكية مثل مستشاريه؟
يخاطب المنظمات وكأنه يملك “Power of the people”، بينما الشعب نفسه لم يعُد يرى فيه سوى صورة باهتة لرجل فقد لحظة التاريخ، ثم عاد يريد اغتصابها مجددًا تحت رايات “التسوية”.
ذكّرني هذا الحال بأحد مجاذيب مدن النيل الأبيض، يُعرف بـ(ود ميتو)، كان يتخيل أنه ضابط في الجيش، فيقوم فجرًا، يصطف مع نفسه، يؤدي التحية، يرفع التمام، ثم يصرف نفسه بنفسه. طابوره اليومي صار مشهدًا مألوفًا، يحضره الأطفال للضحك.
واليوم، حمدوك هو “ود ميتو السودان الجديد”: يؤلف الخطابات، يرسلها بنفسه، ينتظر ردًا لا يأتي، ويجلس محاطًا بمن يصفقون له وهم ينتظرون – كما انتظرنا من قبل – أن “نعبر”.
لكن الحقيقة أن القطار قد فات، والشعب قد وعى، و”العبور” الذي يتحدث عنه حمدوك لن يكون إلا عبوره هو… إلى خارج الذاكرة.



