رأي

حين تصبح الدعاية السياسية فجورًا في الخصومة!

 

مهند عوض محمود

في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وصار التمرد يُسوّق على أنه “سعيٌ للسلام”، وأصبحت المليشيا شريكًا سياسيًا بفضل أدوات تجميلٍ خارجية، تخرج علينا بين الفينة والأخرى كتابات مأزومة تحاول إعادة إنتاج الوهم بلغة الثوار، وتقديم التواطؤ في ثوب المبادرة.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم، ليس فقط الرصاص والانفلات الأمني، بل هذا الطابور السياسي الناعم الذي يشتغل على إعادة تعريف العدو والصديق، ويُبيّض جرائم الحرب تحت مسمى “التمثيل المدني”، ويطلب الشرعية من الخارج في مشهد يعكس قطيعة كاملة مع مفاهيم السيادة الوطنية وإرادة الداخل.

ولعل ما جرى مؤخرًا من زيارة وفد “صمود” إلى جنوب أفريقيا، وما تبعها من محاولات إعلامية لتصوير اللقاء مع الرئيس سيريل رامافوزا كـ”انتصار دبلوماسي”، يطرح أسئلة جوهرية حول معنى الشرعية، وحدود العمل السياسي الشريف، ومتى يتحوّل الدفاع عن المدنيين إلى غطاء لتحالف مع مليشيا إجرامية.

الشرعية، في أعمق معانيها، لا تُمنح من الخارج، ولا تُنتزع بالمصافحات الرئاسية ولا بحفاوة اللقاءات البروتوكولية. الشرعية تُستمد من الداخل، من إرادة الناس، من تفويضٍ شعبي، من حضور أخلاقي وسياسي حقيقي في قلب المشهد الوطني، لا من ردهات الفنادق، ولا من صورٍ ملوّنة تُوزع على منصات التواصل لتوهم الجماهير بأن “العالم يعترف بنا”.

كم من وفد معارض زار دولًا كبرى، ووقف أمام رؤسائها، دون أن يكون ذلك بحثاً عن شرعية أو طعناً في مؤسسات الدولة، بل أحيانًا كان اعترافًا ضمنيًا بقوة محتملة، أو استشرافًا لحالة مستقبلية. ولعل في التجربة السودانية نفسها من الأمثلة ما يكفي لدحض وهم البحث عن شرعية.

ففي عام 1986، زار وفد من الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي، دولة الصين، رغم أن الجبهة كانت حينها في المعارضة. لم تكن تحمل أي شرعية دستورية، لكنها كانت تملك تنظيمًا فاعلًا ورؤية سياسية، ورأت بكين — كدولة براغماتية — أنها قوة مرشحة للصعود، ففتحت قنوات اتصال مبكرة. وفعلاً، حين وصلت الإنقاذ للسلطة، كانت الصين من أول الداعمين، ودخلت أفريقيا من بوابة الخرطوم.

وسبق أن استقبل السودان المعارضة الإريترية بقيادة أسياس أفورقي (جبهة التحرير الإريترية)، والمعارضة الإثيوبية بقيادة ملس زيناوي (الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية)، والمعارضة التشادية بقيادة إدريس ديبي (حركة الإنقاذ الوطنية). كلها قوى معارضة، لكنها نالت الدعم السياسي من الخرطوم، واستولت لاحقًا على السلطة في بلدانها.

فهل كان ذلك الدعم السوداني “اعترافًا بشرعية” تلك الحركات؟ لا. بل كان موقفًا سياسيًا محسوبًا. وكما من حق الدول أن تدعم أو تستقبل من تشاء، من حق السودان أيضًا أن يعبر عن رفضه، أو يتحفظ، أو يراجع علاقاته، حين تُستقبل قوى سياسية ترتبط بمليشيا تمارس القتل والنهب والاغتصاب في أراضيه.

أما تحالف “صمود”، الذي لا يخجل من تقديم نفسه كـ”تحالف مدني يسعى للسلام”، فقد اختار الاصطفاف الكامل خلف قوات الدعم السريع، ولم يُصدر بيانًا واحدًا يدين ما جرى في الفاشر، أو ما حدث في مدينة ود مدني، أو الخرطوم، أو الجزيرة، أو الجنينة. بل ظل يمارس صمتًا فاضحًا، يتقاطع تمامًا مع مشروع المليشيا، ويخدم أهدافها في إعادة تدوير نفسها سياسيًا عبر واجهة مدنية.

من لم يُدن، شارك. ومن صمت، برّر. ومن تواطأ، فلا حق له في الحديث عن الثورة، ولا تمثيل تطلعات الناس الذين خرجوا في ديسمبر ضد منطق السلاح، لا ليُستبدل عسكري بآخر، بل ليُبنى وطن.

وإن ما يجعل الأمر أكثر إثارة للسخرية، هو محاولة بعض الأبواق الإعلامية تصوير بيان وزارة الخارجية السودانية — الذي لم يشر صراحة إلى جنوب أفريقيا أو وفد صمود — على أنه “حقد سياسي” أو “غيرة دبلوماسية”. والواقع أن ما ورد في البيان، من تحذير واضح للدول الأفريقية من التعامل مع كيانات سياسية مرتبطة بالمليشيا، هو موقف مشروع تمامًا، لا يعكس إلا حرص الدولة السودانية على الدفاع عن سيادتها، ورفضها منح الغطاء السياسي لمن يمارس الإرهاب ويهدد وحدتها الوطنية.

ثم إن المقالات التي كُتبت عقب الزيارة هي من فضحت أصحابها، وكشفت هوية التحالف المقصود في البيان، حين اندفعت بتوتر ظاهر لتبرير الزيارة، والبكاء على ما سمّوه “استهدافًا”، بينما الحقيقة أنهم فقط فشلوا في أن يمروا من بوابة الشرعية الحقيقية، فلجأوا إلى خلفية المسرح، وإلى المجاز الدبلوماسي، لينالوا منبرًا لا يليق.

السودان اليوم يخوض معركة سيادة، ومعركة وعي. وهو في أمسّ الحاجة لفرزٍ واضح: من يقف مع المليشيا، ولو بلغة ناعمة، فليس مدنيًا. ومن يدّعي البحث عن السلام بينما يبرّر الفظائع، فليس نزيهًا. ومن يطلب الشرعية من الخارج، فقد فقد شرعيته في الداخل.

من أراد مكانة، فليأتِ من بوابة الشعب.

ومن طلب شرعية، فليقدّم مشروعًا.

ومن لبس رداء الثورة، فليصنه من أن تلطخه يدُ المليشيا.

الشرعية لا تُشترى بلقاء، ولا تُؤخذ بصورة، ولا تُنال بخطاب إنشائي على منصة دولية.

الشرعية موقف، مشروع، دمعة أمّ، وصوت شهيد، وصرخة جريح.

 

ومن لفظه الناس، لن تُعيده عواصم القارة إلى قلوبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى