إلى حضرة الدكتور كامل إدريس مع كامل التقدير: مفاكرات وطنية دون تدليس أو تقديس (1- 5)

دكتور عبد الرحمن السلمابي
منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام والشعب السوداني تواق لمعرفة من هو صاحب الحظ في تولي منصب رئيس الوزراء … و في 19 مايو 2025م تم الإعلان عن تسمية الدكتور كامل إدريس، حيث أدى القسم في 31 مايو ،،، و في 19 يونيو ألقى خطاباً حول ملامح “حكومة الأمل” المزمع و المرتقب تكوينها عما قريب.
و من باب التفاؤل نقول للدكتور كامل إننا “على أمل موعود و إنشاء الله طريقك غير مسدود”؛ ونضيف – مذكرين – إن الفلاسفة الأغاريق أمثال سقراط و أرسطو و إفلاطون حينما وصفوا أنواع الحكم و من بينها الديمقراطية خلصوا إلى أن أفضل أنواع الحكم هو حكم الفلاسفة أو الحكماء من شاكلة العلماء … أي عندما يصبح الفلاسفة والعلماء ملوكاً أو الملوك فلاسفة.. و لعل ما يجمع الفلاسفة أو الحكماء أو العلماء هو حبهم و شغفهم للمعرفة و البحث الدوؤب من أجل إكتشاف الحقائق و السعي نحو الكمال و تبيان أوجه القصور و محاولة معالجة أي مخرجات سالبة أو نتائج غير مرضية… و لعل هذا نمط حبائل التفكير لديهم، و قد تكون الذهنية البحثية صارت جزء لا يتجزأ من نطاق تفكيرهم و عملهم و بل حياتهم اليومية.
و بالطبع عندما بزغ الفيلسوف المفكر المهاتما غاندي و تلميذه جواهر لآل نهرو في الهند قاداها لأفضل أنواع الحكم الديمقراطي الذي مازال مستمراً و مستصحباُ تنمية إقتصادية مشهودة؛ وكذلك الطبيب العالم و المفكر د. مهاتير محمد جسَّد أفضل أنواع الحكم لدولة ماليزيا، حيث صارت الآن من النمور الآسيوية العملاقة سياسياً و اقتصادياً في فترة حوالي عشرين عاماً.
إن أمام الدكتور كامل إدريس فرصة ليكون من أمثال هؤلاء القادة المذكورين حيث له الكثير من الفرضيات و النظريات في سجلها كتابين حول إصلاح الحال الذي مال في سودان اليوم، و لابد من تفهم ذلك و منحه الفرص الكافية لإكمال منظومته الفكرية المتكاملة.
و لعلنا يمكن تشبيه حاله كحال قائد الأوركسترا الذي يحتاج لأن يختار عازفين مهرة لكافة ضروب الآلات و الأدوات الموسيقية ليخرج أنغاماً شجية تطربنا … و لكننا لابد أن ندرك أن أي عمل جميل و خصوصاً القطع الموسيقية كمثال يحتاج إلى العديد من المفاكرات في شكل “بروفات” بغرض التجويد كما شاهد البعض بروفات الفنان محمد وردي أو محمد الأمين أو غيرهم …. أما المفاكرات القبلية أي قبل إتخاذ القرارات في علم الادارة العامة الحديثة فقد صارت من الضروريات أو حتى الحتميات لارتباطها الوثيق بمفهوم توازن القرار ليحقق العدل.
و لعلنا قد نبدأ بهذه المفاكرة فيما يلي قرار تقليص الوزارات … فقد تابعنا الكثير مما كتب عن مسألة تقليص الوزارات إلى 22 بدلاً عن 26 المسموح بها دستوريا و لعل بعض كتابات الكتاب و أصحاب الرأي مؤيدة لهذه الخطوة و الأخرى متحفظة جدا و لكل منطقه و حجيته … و لكن بالرغم من أنه قد يوجد هنالك بعض من الملاحظات المفيدة من بعض الكتاب و أصحاب الرأي … و لكن كما يقال ما فائدة “الجس بعد الذبح” فالقرار صدر بتقليص الوزارات الى 22 وزارة … و لكن ربما الدرس المستفاد، و لعلها قد تكون أهم ملاحظة، هو محاولة إتباع متطلبات القيادة التشاركية أو التشاورية (Participative leadership style) مستقبلاً لما لها من فوائد في دعم و تصحيح و ربما تقديم مقترحات أفضل… و لعله قد ورد في إحدى كتابات جامعة هارفارد الأمريكية – دراسة الحالة (Cases studies ) و في إحد الكتابات أهمية تشاور كبار المسؤولين مع الآخرين، و بينت من المحاسن الإدارية كيف أن الرئيس التنفيذي لشركة فورد للسيارات أخذ بمقترح عامل الإنتاج البسيط بتعديل مفتاح ربط العجل اليدوي ليعمل بواسطة الهيدروليك و توفر حوالي 75% من الزمن المستهلك للربط اليدوي … و تم الأخذ بالمقترح و زادت الإنتاجية، لذلك ربما كان من الأفضل طرح موضوع تقليص الوزارات ابتدأ بما يعرف “ببالونة الإختبار” أو “كتسريب” صحفي من أجل أن يتيح الفرصة و يجعل لأصحاب الرأي و الكتاب من الشركاء و أهل السلطة الرابعة فرصة للتداول حوله و أخذ المفيد منه، و متى ما تبلورت صور متكاملة و معقولة و منطقية يتم الإعلان عنها رسمياً بعد التعديل إن كان مستحقاُ.
ثانياً: قد يكون من المستحسن أن يتم توضيح الهدف من التقليص، مثلاً هل لتقليل التكلفة؟ أم تجويد الأداء ؟ أم إزالة المتناقضات و منع التضاربات؟ أو خلافة؟ ليسمح بمناقشتها بموضوعية … فإذا كان الهدف مثلا تقليل تكلفة الصرف فكان الأولى أن يتحد منصب و صفة القائد العام للقوات المسلحة مع منصب وزير الدفاع ،،، و كذلك منصب وزير الداخلية مع منصب مدير عام الشرطة … أى يصبحا بحكم المنصب المهني وزيرا للوزارتين المعنيتين .. فمثلا القائد العام للقوات المسلحة في مصر هو نفسه وزير الدفاع .
و لقد سبق و أن كان هنالك نقاش عام 2019م مع أساتذة و منسوبي قسم هندسة النفط و الغاز بكلية الهندسة جامعة الخرطوم حول إعادة مهام وزارة الطاقة و التعدين كسابق عهدها … فكانت الفكرة مبنية على الدمج من أجل توفير مخصصات (2) وزير واحد للتعدين و الآخر للكهرباء … فكان النقاش أولاً حول عدم وجود شخص مناسب لدية كامل المعرفة و التخصصية و المهنية في تلك المجالات المهنية المتباعدة … ثم تمت المناقشة حول ما قيمة التوفير مقابل تجويد الإدارة لوزارات منتجة أو تدر و ترفد المالية بإيردات مقدرة ؟؟ فكان الرد ربما نظريا بأن ديدن العمل سوف يكون بوجود 3 وكلاء بحيث وكيل لكل قطاع و كذلك وجود هيئة إستشارية من خبراء للوزير لكل قطاع … لم يتم العمل بذلك و صار حتى منصب الوكيل و مناصب المستشارين مجالات للمحاصصات الحزبية … وقد كانت من مقترحات النقاش الأشارة إلى تجربة الوزارة المعنية في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري حيث لم تكن بهذا التوسع كما أنه أدرك الأهمية الإدارية للتعدين فعين مع الوزير شريف التهامي وزير دولة لمهام التعدين و هو د. عبد الله حسن إسحاق الذي كان يشغل مدير عام هيئة الأبحاث الجيلوجية.
إذاً فكرة وزير دولة أيضا تجربة مفيدة يمكن الأخذ بها … و قد كان في عهد الرئيس نميري وزارة واحدة للتربية و التعليم، وربما قد يكون من الأفضل إذا أردنا إعادة دمج وزارتي التربية و التعليم و التعليم العالي و البحث العلمي في وزارة واحدة بمسمي وزارة التربية الوطنية و التعليم و البحث العلمي … حيث من لبنات أفكار د. كامل إدريس الممتازة هو الإشارة الي مفهوم التربية الوطنية المفقودة … و لكن ربما ما أتي به من فكرة التربية الوطنية يجب أن تعمم لتشمل كل مستويات التعليم حتى الجامعي منها، ولعله من موادها ترسيخ الفهم الديمقراطي و العمل الجماعي و التسامح الديني و السياسي و إحترام القوانين و تعميق ثقافات التعايش السلمي و التحابب.
و لعل أيضا فكرة الدمج قد لا تعني بالضرورة تقليص أو حجب المهام الخدمية المطلوبة و التي تظل باقية و إنما قد تكون من أجل تقليل المناصب الإدارية، إذاً ربما تنفيذ فكرة تعيين وزراء دولة يمكن أن تساعد في تجويد الأداء للمهام الوزارية المختلفة، و ربما المتباعدة، مثل وزير مع وزير دولة للتعليم العالي أو التعليم في حالة دمجهما، و كذلك للرى الذي دمج مع الزراعة و للكهرباء التي كانت مدمجة سابقاً مع الطاقة… كذلك للنقل و للرعاية الإجتماعية و هكذا دوالي، و ذلك للمزيد من تجويد الأداء الإداري.
و بالطبع هنالك الكثير من الإشادات بعمل وزارات مستحدثة و ذات مدلولات عظيمة من خلال مسمياتها و قد تكون مفيدة جدا لحاضرنا الماثل مثل وزارة التحول الرقمي الإتصالات ، و لعله قد كانت هنالك فيما سبق مناقشات حول ضم مهام الإعلام إليها .. وكذلك وزارة البيئة و الإستدامة و إضافة التنمية الريفية لوزارة الحكم الإتحادي، و يفهم عبر تجويد مفهوم الحكم المحلي … و كذلك ضم التعاون الدولي مع الخارجية .. و ربما لو تم تعديل مسمى وزارة الصحة ليضاف إليها التأمين الصحي أو التأمينات الصحية حيث جعل التأمين مركزياً تكافلياً قد يكون من المخرجات الممتازة لإصلاح النظام الصحي المستقبلي .. و لعل هنالك مطالبات شعبية ملحة جداً بتفعيل مبدأ و مفهوم العدالة الإنتقالية خصوصاً بعد الدمار المتعمد و الإفقار الممنهج و الخراب و الإتلاف للممتلكات العامة و الخاصة و الجرائم ضد الإنسانية التي مورست و بل أرتكبت في حق هذا الشعب المظلوم من قبل مليشيات الدعم السريع … و قطعا قد تحتاج إلى قيام وزارة منفصلة أو ضمها لوزارة العدل أو إنشاء هيئة أو مفوضية مختصة بها … و قد يرى البعض أهمية قيام وزارة تعني بالتنمية و التخطيط الإقتصادي الإستراتيجي و شاملة لوزارة الإستثمار سابقا بدلا من تكون جهاز للأخيرة و مجلس قومي للأولى … و يبقى الأمل …
و الله المعين و المستعان



