تقارير

تأجيل الرباعية حول السودان .. من واقع تعليقات المبعوث الرئاسي الأمريكي لأفريقيا

المحقق- محمد عثمان آدم
في ثلاثة تعليقات متتالية على حسابه في منصة إكس(X) ركز المبعوث الرئاسي الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، عقب اجتماعاته مع مسؤولين من مصر وقطر، على منع تصعيد الحرب في السودان، ومنع انتشارها، والتأكد من حل الأزمة في كل من السودان وليبيا.

تأتي هذه التعليقات الثلاثية (30 يوليو – 1 أغسطس – 2 أغسطس) في أعقاب فشل عقد اجتماع رباعي في واشنطن، يضم كلًا من الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكان موضوع الاجتماع هو تحقيق السلام في السودان.

وبينما ترى بعض التقارير أن الاجتماع قد أُجل لأن التنسيق قبل اللقاء لم يكن دقيقًا، ولذلك تم الاتفاق على أن يتم تأجيل الاجتماع وليعقد لاحقًا عقب تنسيق أفضل، تشير تقارير آخرى بأن الاجتماع تعثر بسبب شرط مسبق جديد طرحته الإمارات العربية المتحدة، وهو استبعاد كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المتمردة من أي ترتيب نهائي في عملية تحقيق السلام بالسودان.

وأفادت تقارير بأن مصر رفضت الاقتراح الذي كان من المفترض أن يبرز في البيان الختامي الذي كان من المقرر أن تتوصل إليه الدول الأربع في 30 يوليو 2025.

لماذا تضع الإمارات مثل هذه الشروط المسبقة ؟
لا شك أن أي معادلة تتضمن مشاركة وحضورًا قويًا للقوات المسلحة السودانية في أي ترتيب سياسي مستقبلي لن تحظى بتأييد أو حتى ترحيب من الإمارات العربية المتحدة.
لقد حمّلت القوات المسلحة السودانية الإمارات العربية المتحدة مسؤولية العديد من المآسي التي عانى منها المدنيون السودانيون، علنًا وصراحةً. كما اتهمت الإمارات، استنادًا إلى أدلة مادية تثبت هذه الادعاءات، بتوفير الأسلحة والذخيرة، بالإضافة إلى الدعم اللوجستي والإعلامي والدبلوماسي لقوات الدعم السريع المتمردة. وبالتالي، فإنها ترغب في رؤية الجيش، المتهم الرئيسي لها، يُبعد من المعادلة. فهي -على الأقل – ترغب في رؤية إبعاد القيادات العليا للقوات المسلحة السودانية، وهي الخطة البديلة.

لقد أصبحت قوات الدعم السريع المتمردة عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا على دولة الإمارات لأسباب عديدة، ليس أقلها العلاقات العامة الدولية، وصورة الإمارات العربية المتحدة، فقد عانت الإمارات بشدة بسبب ارتباطها بقوات الدعم السريع، مهما حاولت جاهدة تجميل صورتها، وتصرفت كما لو أنها لا تساعد سوى الشعب السوداني.

ويكفي أن نشير هنا إلى أنه في السودان، أي كيان مرتبط بقوات الدعم السريع سيواجه صعوبة بالغة في محاولة كسب التعاطف السياسي أو الأخلاقي من الشعب السوداني. إنها أرض موحلة متحركة، وكلما مر الوقت، غرقت مليشيا الدعم السريع المتمردة في مأزق وجرت معها من يدعمها، إذ أنه وفي الآونة الأخيرة، اتضح أن مليشيا الدعم السريع أصبحت حزبًا منبوذًا، مما سيشوه الصورة العامة لأي كيان متحالف معها بقوة. ويكفي رؤية الإدانات الدولية والإقليمية والتقارير المتتالية التي تعزز الادعاء بأن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت جرائم مروعة وانتهاكات للقوانين الإنسانية الإقليمية والمحلية والدولية ولحقوق الإنسان.

يمكن للمرء أن يحكم على أن تجمع صمود، بالنظر إلى ميوله السياسية ومحاولته إدعاء الدفاع عن حقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، كان على دراية بالسجلات الخانقة للانتهاكات والخروقات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع. ولم تكن الحكومة السودانية هي مَن تصنع هذه المطالبات، بل كان نفس الأشخاص الذين يدعمون ويساندون صمود، من الغرب والأمم المتحدة والولايات المتحدة. ثم “زاد الاتحاد الأفريقي الطين بلة”: خلاصة القول بالنسبة لصمود “من حذر مسبقًا فقد أنذر”.
والآن، وفر لهم تشكيل الحكومة الموازية ذريعة مناسبة للانسحاب والقفز من السفينة الآيلة للغرق.

الموقف المصري:
بالنسبة لمصر، تدير القاهرة مجموعة من المهددات الأمنية في محيطها في نفس الوقت، فهي تدير تداعيات حرب إسرائيل على غزة على أمنها القومي وتداعيات التحالف بين حفتر ومليشيا الدعم السريع، وأزمة سد النهضة مع إثيوبيا، وهي بالتالي ترى أن المحافظة على الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية جزء من أمنها القومي.

وفضلاً عن ذلك فقد ارتكبت مليشيا الدعم السريع أخطاء جسيمة معادية لمصر، ففي بداية الحرب حاولت إذلال كرامة الجيش المصري عندما أسرت ضباطًا وطيارين عسكريين في مروي وأظهرتهم يزحفون في وضعية مهينة. ثم هاجمت قيادة قوات الدعم السريع وحلفاؤها مصر وحاولت إشانة سمعتها بكل طريقة ممكنة، ليس فقط من قبل عبد الرحيم دقلو ولكن أيضًا من محمد حمدان دقلو نفسه. ثم اقترن ذلك بهجوم المثلث ومنع حركة البضائع والسلع القادمة من مصر إلى السودان.

لقد ظهر أن الهدف من التصريحات الثلاثة التي أدلى بها المسؤول الأمريكي؛ هو طمأنة مصر بأن مصالحها لن تكون في خطر وأنه سيتم أخذ رأيها ومخاوفها في الاعتبار.
فقد أشار مسعد بولس عقب لقائه مع بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، في الأول من أغسطس، إلى “أننا ركزنا على الجهود المبذولة لحل الأزمات في السودان وليبيا والصراعات الإقليمية الأخرى. وأكدنا أهمية شراكتنا المستدامة عبر مجموعة من الأولويات المشتركة”.
وبذلك، ستطمئن مصر إلى عدم وجود أي ضرر، وأنها لن تضار من تلقاء ليبيا، وأن الأزمة في السودان ستُحل بما يرضي القاهرة.

لذا، كان من المهم رؤية البيانات الأمريكية الثلاثة الصادرة من 31 يوليو إلى 2 أغسطس من هذا الباب والمنظور إذ بدا أنها حاولت تهدئة المخاوف المصرية، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن موافقة مصر وموافقتها أمر يحسب له حساب إذ من الصعب تصور تسوية كبرى في الشرق الأوسط والسودان دون مشاركة مصر وموافقة مباشرة أو ضمنية منها.

وتم التأكيد على هذا الموضوع نفسه مرة أخرى في اجتماع مع وزير الدولة القطري الدكتور محمد الخليفي في واشنطن. قال بولس: “ناقشنا أهمية السلام الدائم في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لمعالجة النزاعات في السودان وليبيا والمنطقة ككل”. ومرة أخرى، كان التركيز منصبًا على تسوية النزاعات في البلدين، السودان وليبيا.
وكان هذا الموضوع هو نفسه محور الاجتماع بين روبيو وعبد العاطي، في 31 يوليو 2025. وأكد بولس في بيان مقتضب أنه تشرف بالانضمام إلى وزير الخارجية روبيو ووزير الخارجية عبد العاطي في هذه المناقشة المهمة حول المسار المستقبلي للمنطقة. ونقل بولس عن روبيو قوله: “هذه الشراكات ضرورية بينما نعمل على منع التصعيد وتعزيز الحلول الدائمة في جميع أنحاء المنطقة”.

وكرر روبيو هذه الرسالة نفسها في بيانه الصادر في 30 يوليو 2025، والذي أضاف فيه: “كنت قد أكدت سابقًا أنه التقيت في 30 يوليو بوزير الخارجية المصري عبد العاطي لمناقشة جهود مصر المهمة لتعزيز السلام والأمن الإقليميين. شكرتُ مصر على دورها في الوساطة في غزة ودعمها لإنهاء الصراع في السودان”. رسالة مطمئنة أخرى.

ولننتظر بعدُ ما سيكون عليه “نصيب السودان من كعكته”. مهما كانت نتائج الرباعية القادمة، التي لم يُحدد موعدها بعد، فإنها، ومن سينضم إليهم، سيرتكبون خطأً فادحًا إذا استهانوا بالشعب السوداني أو عقدوا صفقةً دون إشراك السودانيين بشكل كامل، أو على الأقل المؤسسات المستقرة في السودان، مهما كانت آراؤهم.. فيها إلا إ ذا أرادوا تدوير الازمة من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى