لو أعيش زول ليهو قيمة

د. سلوى حسن صديق
كلما قرأت خبراً عن ولاية الخرطوم هرعت إليه بما أملكه و أتحكم فيه وبما لا أتحكم فيه من مشاعر وأحاسيس، وهو حالي وحال الكثيرين الذين يتوقون للحظة وينتظرون الرجعة مثل مريض يشتهي العافية.
هذه المشاعر المكبوتة حتمت علينا متابعة ما يجري في الخرطوم على الأرض حتى أصبحنا ندماء وسماراً على قارعة طريق الولاية، نتلصص أخبارها و نتحسسها كأننا آسٍ يجس عليلاً كما قال المتنبئ.
يعجبني حد النشوة إجتهاد أسرة ولاية الخرطوم .. واليها ومدراؤها التنفيذيون .. لجان أمنها .. و ناس الماء والكهرباء والإعلام وعصام بطران ويوسف عبد المنان.. ياسلام علي دكتور بطران.. كلهم رجالاً ونساء تتلألأ في أعينهم هالة محبة غريبة للسودان تكاد تضئ لنا ليالي الغربة المعتمة رغم الأضواء.
كلما رأيت حراك الولاية تذكرت المرحوم العميري وأغنيته الموسومة الجميلة الملهمة:
لو أعيش زول ليهو قيمة ..
أسعد الناس بي وجودي ..
زي نضارة غصن طيب ..
كل يوم يخضر عودي..
أبقي دار لي كل لاجئ
أو حنان جوة الملاجئ……
إلي آخر الكلمات والتي تحتار إيها تختار من معانيها المحتشدة.
الأغنية الشجية من كلمات المرحوم قاسم الحاج وقد ربطتني به صلته وصداقته بخالي المرحوم محمد خير الصياد.. هذا الجيل كله عبقري،
الأغنية بصوت حنان النيل يكاد من فرط إبداعها ينفجر (يتفرطق) المذياع كما ذكر دكتور البوني ذات نشوة بالمبدع محمود عبد العزيز (الحوت).
إنسان السودان في هذه الحرب عاش بهذه القيمة التي إنتبه لها العميري باكراً حتي صاغها لحناً..
أعطى من جسده الحي .. أنفق من كل شئ بلا حساب،
ليس المال والروح الغالية فحسب بل أنفق المروءة وما اغلاها من سلعة..
الناس في بلدي يتسابقون علي العطاء بمحبة يزرعونه ويروونه من أخلاقهم مثلما يروون الأرض من دمائهم.
خبروا دروبه فانسابت صنائع المعروف ديدنا.
جعلوا من الحرب و المأسأة ملحمة وطنية تورث للأجيال وتدرس علي مر التاريخ.
خلال الحرب تتأملهم و تنظرهم يتفقدون بعضهم عبر الهاتف أو غيره…
يسيرون أميالاً ليسمعوا خبراً أو ليقتسموا لقمة ضنينة في بيوت الطين في تلك القرى التي نزح إليها الناس بلا ميعاد ويحلفون أيهم يفعلها.
تسأل عن شخص فتأتيك الإجابة تزهو إنه مع أحد الأقرباء أو الأصدقاء أو معارف الأصدقاء في تلك القرية النائية .. بعضهم طابت له الحياة والأغرب ما تسمعه عن بيوت الحلال التي شيدتها تلك الظروف الإستثنائية.
في واحدة من مقاهي المحروسة أخذ سودانيون يتجاذبون الحديث مع أشقائهم المصريين، أحد المصريين يصغي إلى أحاديثهم عن الخرطوم وكأنهم يتحدثون عن جنة الله في الأرض أو أحسن من باريس كما ذكر السيد رئيس الوزراء.. فسألهم المصري مستغرباً هذا الحماس: هي الكهرباء رجعت.؟ فردوا بالنفي.. هي المية رجعت؟ردوا كذلك بالنفي .. ثم أردف حدي ضايقكم؟؟ فردوا كذلك بالنفي…فرد ساخراً كعادة إخوتنا المصريين طيب راجعين ليه !!؟
راجعين يا أحبتنا لنعيش تلك القيم التي غناها العبقري العميري وعشناها معني ومغني.
راجعين لنوقد شموعاً تضئ ظلام ظلم الإنسان لأخيه الإنسان..
راجعين لنمارس حياتنا الطبيعية في العطاء والسخاء و الجود بالموجود حيث الإستشارة المجانية والحكمة المبذولة بلا تكلف والنفوس السمحة التي تألف وتؤلف .. راجعين لتهدأ تلك العيون التي هدها السهر والوجع..
بحبك ياسودان.
(هذا المقال إهداء خاص للشقيقين حذيفة ومحمد عثمان مع مودتي)



