رأي

حصار الفاشر قراءة في المشهد الميداني  والقانوني 

 عميد شرطة (م)
 عمر محمد عثمان
أظهرت صور الأقمار الاصطناعية، وفقاً لمختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، أن مليشيا الدعم السريع قامت بإنشاء سواتر ترابية بطول يقارب (31) كيلومتراً تحيط بمدينة الفاشر من ثلاث جهات رئيسية. جاء هذا الإجراء عقب سيطرة المليشيا على معسكر زمزم للنازحين جنوب المدينة، الأمر الذي منحها موقعاً استراتيجياً للتحكم في حركة السكان ومسارات الإمداد.
في هذا المقال نحاول قراءة  أبعاد الحصار من زاويتين أساسيتين: البعد السياسي– العسكري والإطار القانوني الدولي، مع إبراز الرؤية الوطنية التي تؤكد قدرة القوات المسلحة والقوات المشتركة على الصمود وفك الحصار.
أولاً: البعد السياسي– العسكري
تسعى المليشيا عبر هذه السواتر إلى فرض وقائع ميدانية تجعلها في موقع الممسك بورقة الضغط على المدينة وسكانها. وتراهن على أن استمرار الحصار سيقود إلى إنهاك القوات المسلحة والقوات المشتركة ودفعها إلى قبول شروط تُملى من الخارج.
غير أن قراءة التاريخ العسكري القريب لمدينة الفاشر، التي صمدت في أكثر من (335) معركة، تكشف أن مثل هذا الرهان غير واقعي. فالقوات المسلحة، وقوات الشرطة، والاحتياطي المركزي، والقوات المشتركة، ليست في موقع استسلام، بل في موقع دفاع استراتيجي هدفه الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية بانتظار اللحظة المناسبة لفك الحصار. ولعل ما قاله أحد القادة القدامى: “خنادقنا مقابرنا”، لم يكن شعاراً عابراً بل تعبيراً صادقاً عن عقيدة قتالية مترسخة.
ثانياً: البعد الإنساني
يمثل الحصار الحالي أخطر صور التهديد لحياة المدنيين، إذ يمنع الغذاء والدواء ويغلق طرق النزوح الآمن. وهذا الوضع يخلق بيئة بالغة الهشاشة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات والانتهاكات الإنسانية.
ومع ذلك، فإن المجتمع المحلي في الفاشر أظهر عبر هذه المحنة قدرة كبيرة على التكيف والصمود في وجه الظروف الاستثنائية. وهو ما يعزز القناعة بأن إرادة السكان، مدعومة بثبات القوات المسلحة والقوات النظامية، قادرة على كسر الطوق مهما طال الزمن.
ثالثاً: الإطار القانوني الدولي
•ينص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977) في مادته (54) على حظر استخدام التجويع كسلاح حرب.
•كما يقرر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن الاستهداف المنهجي للمدنيين عبر الحصار يدخل في نطاق الجرائم ضد الإنسانية.
وبناءً على ذلك، فإن السواتر الترابية التي تحيط بالفاشر لا يمكن اعتبارها مجرد تحصينات عسكرية، وإنما هي قرائن واضحة على انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.
رابعاً: التداعيات والخيارات
•داخلياً: يظل الرهان على قدرة القوات المسلحة، والقوات النظامية، والمستنفرين، والقوات المشتركة في إدارة الحصار بحكمة، عبر الصمود الميداني والحفاظ على الروح المعنوية للسكان، بانتظار اللحظة المناسبة لتغيير المعادلة.
•دولياً: من الضروري أن تمارس المنظمات الإنسانية والإقليمية ضغطاً أكبر لفتح ممرات آمنة، مع توثيق الانتهاكات بصورة تتيح ملاحقة مرتكبيها مستقبلاً.
خاتمة
إن حصار الفاشر ليس مجرد حدث عسكري، بل هو اختبار مزدوج: اختبار للقانون الدولي في مدى قدرته على حماية المدنيين، واختبار للإرادة الوطنية في مواجهة محاولات الإخضاع.
ومع إيماننا التام بأن القوات المسلحة، والقوات النظامية، والمستنفرين، والقوات المشتركة، بدعم المجتمع المحلي، قادرة على الصمود وفك الحصار، فإن الحديث عن استسلام أو خضوع ليس سوى وهم. فالتجارب السابقة تشير بوضوح إلى أن الفاشر مدينة لا تُحاصر طويلاً، وأن طوق التراب الذي أقيم حولها قد يتحول غداً إلى شاهد على فشل المليشيا، لا على انكسار الفاشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى