من سوريا إلى السودان: كيف فاقمت تجارة الكابتغون عدم الاستقرار في المنطقة

المحقق – عرض وتلخيص محمد عثمان آدم
هذا ملخص لتقرير مطول أعده جريفوري أفانديليان، ونشره (الجمعة) الماضية المركز العربي في واشنطن (ACW) – دي سي و هو مؤسسة بحثية غير ربحية، مستقلة، وغير منحازة سياسياً، تقول في التعريف بنفسها أنها تهدف إلى تعزيز فهم العالم العربي في الولايات المتحدة من جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتقديم رؤى حول سياسات ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
و التقرير المطول، يعزز ما سبق وأن ذهب إليه الكتاب والمحللون والقيادات الأمنية و الشرطية السودانية ممن تناولوا الموضوع علي صفحات موقع “المحقق” الإخباري وحذروا من الخطر الماحق وراء المخدرات، وهو في ذات الوقت، يعزز الاتهامات التي طالت الدعم السريع و ضلوعه ليس في التخريب الاقتصادي فقط و الدمار المادي و العمراني و الخدمي بل طال الأمر جوانب أخلاقية و دينية و مستقبلية وقيمية، بل يذهب التقرير إلى أن السودان زحزح سوريا وحل مكانها بسبب الخراب الأخلاقي الذي يصاحب الحرب، و مَـن عاش خلف خطوط التمرد و عايش التجربة المرة يشهد أن ما كُتب ونُشر يظل أقل سوءاً مما هو قائم على الأرض التي سيطرت عليها المليشيا.
مـَن يأتي بعد سوريا؟
يشير التقرير إلى أن النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد كان هو المنتج الرئيسي والمستفيد الأول من تجارة عقار الكابتغون. ورغم أن الحكومة السورية الحالية، برئاسة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، حاربت بشدة تجارة هذا العقار، إلا أن إنتاجه لم يتوقف في البلاد، لا سيما في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الدولة المركزية. ومع ذلك، فقد تراجعت سوريا عن مركزها الريادي في تجارة الكابتغون الإقليمية لصالح السودان ومناطق أخرى متضررة من النزاعات !!
ما هو الكابتغون
يُمكن تفسير سبب انتشار الكابتغون – وهو عقار مصنّع في المختبرات، تم تصنيعه لأول مرة في ستينيات القرن الماضي – في المنطقة بسهولة. فبعد تناوله، يتحلل هذا العقار داخل الجسم إلى مادة الأمفيتامين ومركب آخر يُسمى الثيوفيلين، مما يُسبب شعوراً بالراحة لدى مستخدميه.
في ثمانينيات القرن الماضي، حظرت معظم الدول هذا العقار بعد اكتشاف أن استخدامه على المدى الطويل يُسبب مشاكل صحية. وقد ارتبط استهلاك الكابتغون على المدى الطويل بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية وحتى الموت. بالنسبة للمنتجين، يوفر هذا العقار المصنّع أرباحاً كبيرة نظراً لسهولة تصنيعه. أما بالنسبة للمستهلكين، فيُوفر لهم شعوراً بالانتعاش والقدرة على تحمل الصعاب، مما جعله العقار المفضل لدى الشباب في دول الخليج، بالإضافة إلى كونه منشطاً مفضلاً للمقاتلين، وهذا أحد أبرز أسرار إنتشاره بواسطة الجماعات المتمردة والجيوش غير النظامية.
كما يُوفر الكابتغون وسيلة للهروب من ضغوط البطالة وروتين الحياة، مما يُساهم في عزلة الشباب العاطلين عن العمل في العديد من مجتمعات الشرق الأوسط.
نظرًا لتأثيرات الكابتغون السلبية على المجتمع، تسعى دول الخليج إلى الحد من انتشاره. فبسبب الطلب الكبير على هذا العقار غير القانوني في مجتمعاتها قد ترغب دول الخليج – (ولا يفهم المرء إصرار بعضها علي إشعال الحرب في السودان و بالتالي انتشار المخدر إلى شواطي دول الخليج و ربما المملكة خاصة.. المترجم) – الحد من إنتاج الكابتغون في السودان كما رغبت في الحد منه في سوريا. ويبدو أن دول الخليج مستعدة لمنح الشرع بعض الوقت لمحاربة إنتاج الكبتاغون في سوريا بينما يُعزز موقفه السياسي، لكنها ستطالب الحكومة السورية ببذل مزيد من الجهود في المستقبل، وقد يُشترط تقديم مساعدات إعادة الإعمار من دول الخليج على هذه الجهود.
من جانبها، تدرك كل من سوريا والسودان أن دول الخليج تمتلك الإمكانيات المالية اللازمة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار الضخمة في بلادهما، لكن الحرب الأهلية المستمرة في السودان تعقد عملية مكافحة إنتاج الكبتاجون هناك.
انهيار دولة المخدرات السورية وتداعياته:
اعتمد نظام الأسد السابق في سوريا بشكل كبير على تجارة الكبتاجون غير المشروعة للبقاء في السلطة وتجميع الثروات لأعضاء النخبة الحاكمة في ظل العقوبات الدولية المشددة. يُزعم أن قائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري، ماهر الأسد، شقيق الرئيس السابق بشار، كان متورطًا بشكل كبير في هذه التجارة غير المشروعة. خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد في سوريا، تم إنشاء عشرات المصانع، الصغيرة والكبيرة، على طول الحدود السورية اللبنانية.
وعلى الرغم من عدم وجود أرقام دقيقة، يقدر المحللون أن نظام الأسد ربح أكثر من 5.7 مليار دولار من هذه التجارة في عام 2021 .
لا يُعد الربح الهائل من هذا المخدر مفاجئًا لأن إنتاج الكبتاجون سهل ورخيص. أوضح أحد الخبراء أنه يمكن تصنيع هذا المخدر “بمعرفة بسيطة في الكيمياء وبعض الموازين”. قال خبراء آخرون إن تكلفة حبة الكبتاغون حوالي دولار واحد، لكنها تباع في السوق السوداء حتى 20 دولارًا. تم تهريب ملايين الحبوب إلى دول الخليج، مثل السعودية والإمارات، مخبأة في شحنات الفاكهة والأثاث، وأصبح هذا المخدر شائعًا بين الشباب في هذه الدول.
بعد فترة وجيزة من سقوط الأسد عن الحكم في ديسمبر 2024، صرّح الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، بأن النظام السابق كان “المصدر الرئيسي للكبتاغون في العالم”، وأن سوريا “تتخلص من هذا الشر بفضل الله”. كان الشرع على دراية بأهمية هذا الموضوع في العالم العربي وفي المجتمع الدولي، ورغب في التأكيد على موقفه لكسب التأييد. في الأشهر التالية، ضبطت السلطات السورية أكثر من 30 مليون حبة كبتاغون وأغلقت عشرات المصانع المنتجة له، بما في ذلك 9 ملايين حبة في حلب في عملية أمنية مشتركة سورية تركية. وفي مايو 2025، ضبطت الحكومة السورية المؤقتة 4 ملايين حبة كبتاغون مخبأة في معدات إنتاج الأغذية في ميناء اللاذقية. يبدو أن الشرع حساس للغاية لرغبات السعودية، الداعم المالي والسياسي الرئيسي له، التي لم تدفع فقط، بمساعدة قطر، الدين المستحق لسوريا البالغ 15.5 مليون دولار للبنك الدولي، وتعهدت باستثمار 6 مليارات دولار في سوريا، بل ساهمت أيضًا في ترتيب لقائه مع الرئيس دونالد ترامب في الرياض في مايو 2025. وقد أدى هذا اللقاء، الذي عقد بناءً على طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إلى رفع الولايات المتحدة لمعظم عقوباتها على سوريا في الشهر التالي. وباعتبارها دولة ترى في الكبتاغون مشكلة خطيرة تؤثر على شبابها، وضغطت السعودية على الشرع لمواصلة حملته ضد تجار المخدرات. وقد تؤجل الرياض مليارات الدولارات من مساعدات إعادة الإعمار الضرورية إذا لم يواصل الشرع مكافحة تجارة المخدرات.
كما تأثر الجار الجنوبي لسوريا، الأردن، سلبًا بتجارة الكبتاغون. ففي عام 2022، صرّح مسؤول أمني أردني أن هذا المخدر “يدمر عائلاتنا وأخلاقنا”. أصبحت ظاهرة التهريب عبر الحدود السورية الأردنية شائعة للغاية في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، لدرجة أن القوات الأردنية أصدرت أوامر بإطلاق النار على المشتبه بهم في تهريب المخدرات، بل وأطلقت غارات جوية في جنوب سوريا ضد مواقع المهربين. في أواخر فبراير 2025، التقى الملك الأردني عبد الله الثاني بالرئيس السوري المؤقت، الشرع، في عمان .
وأكد البيان الرسمي الأردني عن الاجتماع أن الملك “أكد على ضرورة التنسيق الوثيق بين البلدين لمواجهة التحديات المتعلقة بأمن الحدود ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات، وأكد على أهمية عودة سوريا إلى دورها الفعال في المنطقة”.
السودان كمركز رئيسي لتجارة الكابتغون ؟؟
يقول التقرير إنه على الرغم من وجود الكابتغون في السودان قبل سقوط نظام الأسد، فقد أصبح السودان الآن المركز الإقليمي الرئيسي لتجارة هذا المخدر. ومع ارتفاع الطلب الإقليمي على هذا المخدر، زاد المنتجون في السودان من إنتاجه للاستفادة من انخفاض المعروض من سوريا. وقد أدى الصراع المسلح المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى إحداث دمار كبير في البلاد وتسبب في المجاعة والقتل على نطاق واسع.
كما ذكر أحد المحللين: “بسبب ضعف قدرة الحكومة على مكافحة المخدرات، وضعف البنية التحتية للمراقبة، وغياب سلطة مركزية، يُعد السودان بيئة مثالية لإنتاج الكابتغون”. تُسهم أرباح تجارة المخدرات في تمويل الصراع في السودان وتطويل معاناة سكانه. في سبتمبر 2025، أعلن الجيش السوداني عن اكتشاف عدة مصانع للكابتغون بالقرب من الخرطوم في مناطق كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
على سبيل المثال، في فبراير 2025، دمر جهاز المخابرات العامة السوداني مصنعًا لإنتاج الكابتغون في ضاحية شمال الخرطوم، كان يملك معدات بقيمة 3 ملايين دولار، وقادر على إنتاج 100 ألف قرص في الساعة.
لكن من غير المرجح أن تكون بعض الجهات الرسمية السودانية بريئًه تمامًا. تمر العديد من شحنات المخدرات عبر ميناء سواكن ، الذي تسيطر عليه الدولة مما قد يشير إلى وجود فساد ورشاوى هناك.
يشير تورط مليشيا الدعم السريع في السودان في تجارة المخدرات إلى أنه في النزاعات المسلحة، يتم تجاهل أي اعتبار أخلاقي بسهولة أمام الأرباح الطائلة.
وتقول التقارير المهتمة بتتبع تجارة المخدرات، أن السودان لم يصبح فقط أحد أكبر الدول المنتجة لدواء الكابتغون، بل أصبح أيضاً نقطة عبور للمجموعات الإجرامية، بعضها مرتبط بجهات نافذة، والتي تقوم بتجارة المخدرات إلى دول الخليج وليبيا وأجزاء أخرى من العالم.
وأشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة في يونيو 2025 إلى أن “تجارة المخدرات تتوسع إقليمياً، وقد تم اكتشاف معدات معامل لتصنيع المخدرات في ليبيا”. يبدو أن ليبيا ليست مجرد وجهة لتجارة الكابتغون، بل بدأت شركات تصنيع المخدرات أيضاً في إنشاء مرافق إنتاج هناك.
بالإضافة إلى ذلك، برزت اليمن كمركز لتصنيع وتجارة الكابتغون، وإن كان على نطاق أصغر من السودان. في صيف 2025، حجزت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً 1.5 مليون حبة كابتغون، يُزعم أنها من إنتاج حركة الحوثي، وكانت متجهة إلى السعودية، مستغلة الحدود المشتركة بين البلدين، والفرصة لتحقيق أرباح طائلة من هذه التجارة.
ضرورة اتباع نهج إقليمي والإمارات جزء من المشكلة:
أثبتت الحرب الأهلية في سوريا أن الأنظمة الاستبدادية قد تلجأ إلى تجارة المخدرات للبقاء في السلطة والضغط على الدول المجاورة. ويمكن ملاحظة نموذج مماثل في السودان – وعلى نطاق أصغر في اليمن – حيث تسعى الفصائل المتحاربة في الحروب الأهلية إلى تحقيق النصر بأي وسيلة، بما في ذلك تحقيق أرباح طائلة من تجارة المخدرات.
إن دولا مثل الإمارات العربية المتحدة – التي يُزعم أنها تقدم مساعدات عسكرية لقوات الدعم السريع السودانية، على الرغم من إنكارها الرسمي – قد تكون جزءاً من المشكلة بقدر ما هي جزء من الحل. فقد ساهمت المساعدات العسكرية الإماراتية المزعومة في بقاء قوات الدعم السريع السودانية كقوة قتالية فعالة حتى بعد خسارتها الأخيرة في الخرطوم. ومن المفارقة أن الكابتغون المصنع في مرافق قوات الدعم السريع السودانية قد يصل إلى الإمارات عبر شبكات تهريب يصعب مراقبتها، مما يجعل علاقة الإمارات بالدعم السريع السودانية غير مجدية.
هناك حاجة ماسة إلى نهج إقليمي لمشكلة الكابتغون. يجب تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دول المنطقة – وكذلك مع الدول الغربية التي تشهد ارتفاعاً في تجارة الكابتغون واستخدامه – مع الالتزام بعهود صارمة بمنع دعم الفصائل المسلحة في النزاعات المسلحة. تحتاج دول المنطقة أيضاً إلى التركيز بشكل أكبر على جانب الطلب من المعادلة، من خلال تسليط الضوء على مخاطر المخدرات، وتوفير فرص اقتصادية أفضل للشباب، بحيث لا يلجأوا إلى تعاطي المخدرات للتخلص من الملل والتوتر خلال فترات البطالة.
لا شك أن تنفيذ هذه التوصيات لن يكون سهلاً. إلا أن التاريخ الحديث يُظهر أن الصراع وتهريب المخدرات المربح يشكلان مزيجاً خطيراً ومقلقاً، ويتعين معالجتهما بشكل شامل لتعزيز الأمن الإنساني في جميع أنحاء المنطقة.
و يختم المركز بتحذير مهم : الآراء الواردة في هذا المنشور تعبر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة موقف المركز العربي في واشنطن أو موظفيه أو مجلس إدارته و هو ما ينطيق علينا في “المحقق”.



