اقتصاديةتقارير

إصدار فئة جديدة من العملة السودانية… حلول وأزمات متجددة

المحقق – نازك شمام
مرة أخرى يلجأ بنك السودان المركزي إلى طباعة فئة جديد من العملة الوطنية، فبعد أقل من عام من إعادة إصدار عملة الألف جنيه سوداني نهاية العام الماضي، أعلن بنك السودان المركزي مساء أمس (الأربعاء)، إصدار عملة جديدة بقيمة الألفي جنيه سوداني، وطبعة جديدة من فئة الخمسمائة جنيه.

وأكد المركزي في “بيان” إصدار فئة جديدة بقيمة الألفي جنيه، مبينًا أن مضمون الورقة يشمل الثروة الحيوانية وآثار من الحضارات السودانية القديمة ومعبد أبادماك. فيما تتضمن الألوان الأساسية للورقة تدرجات الأخضر والأصفر والعلامة المائية هي صقر الجديان كاملاً ورقم الفئة 2000.

وعن خطوته لإصدار طبعة جديدة من فئة الـ(500) جنيه، برر البنك المركزي الخطوة بأنها حماية للعملة الوطنية وتحقيق استقرار سعر صرفها والمساعدة في تحقيق الاستقرار الإقتصادي.

ويرى مراقبون أن إصدار فئة جديدة (ألفي جنيه)، بقيمة أعلى من المطروح حالياً، أمر مثير للجدل وسط الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها السودان بسبب الحرب التي اقتربت من دخولها العالم الثالث.

تعميق للأزمة:
ويقول الخبير المصرفي، المتخصص في الاستراتيجيات وتنمية الأعمال، أيمن أحمد جاويش إنه وفي ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف ببعض الدول، تلجأ الحكومات أحيانًا إلى إصدار فئات نقدية كبيرة كوسيلة لتسهيل المعاملات اليومية.
وأضاف أن الخطوة تبدو عملية في ظاهرها، إلا أنها غالبًا ما تعكس عمق الأزمة أكثر مما تساهم في حلها.

وأكد جاويش في حديثه مع “المحقق” أن الدول التي تعاني من تضخم مفرط، وتدهور في قيمة العملة، وعدم استقرار مالي، يصبح إصدار فئات كبيرة من العملة المحلية مؤشرًا على فقدان الثقة في القوة الشرائية للنقد، وغياب الحلول الهيكلية الحقيقية.

وأشار جاويش إلى أن نظرية الكمية للنقود تؤكد أن زيادة الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
وأوضح أن نظرية التوقعات العقلانية تشير إلى أن الأفراد يتوقعون استمرار التضخم، مما يقلل من فعالية السياسات النقدية فيما تفترض نظرية الثقة النقدية أن الثقة في العملة ترتبط بثبات قيمتها، وإصدار فئات كبيرة يضعف هذه الثقة.

ولفت جاويش إلى أن علماء الاقتصاد الإسلامي يؤكدون على أن النقود يجب أن تحتفظ بقيمتها الشرائية، وأن التضخم الناتج عن التوسع النقدي غير المغطى بالإنتاج يُعد إخلالًا بمبدأ العدل في المعاملات مع أهمية ربط العملة بالأصول الحقيقية أو الإنتاج الفعلي، لضمان الاستقرار والعدالة.

تناقض أهداف:
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، إبن عمر أن خطوة طرح فئة الـ(2000 جنيه) يمكن قراءتها ضمن سياق مزدوج في السياسة النقدية الحالية، مشيراً إلى أن وجود توسع نقدي واضح عبر زيادة الطباعة لتغطية الالتزامات الحكومية وتمويل العجز الجاري.

وأوضح أن البنك المركزي سعى إلى تضييق إداري من خلال ضبط السوق الموازي ومحاصرة التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي.
وقال ابن عمر لــ”المحقق” إن هذه الازدواجية تعكس تناقضًا بين هدفين متعارضين فنيًا يتمثلان في ضخ السيولة لتسهيل التداول مقابل امتصاصها للسيطرة على سعر الصرف.

وأكد على أنه ومع غياب أدوات سوق نقدية حقيقية كعمليات السوق المفتوحة أو سعر الفائدة الفعّال، تبدو هذه المعادلة غير قابلة للاستدامة من الناحية الفنية.

ولفت ابن عمر إلى أن الأخطر هو أن يرفع توقعات التضخم لدى الجمهور (Inflationary Expectations.
وأعتبر الخطوة إشارة توسعية أكثر منها إصلاحًا نقديًا حقيقيًا، لأنها تضيف إلى الكتلة النقدية دون معالجة جذور التضخم
وأوضح ابن عمر أن الاثر على سعر الصرف يتمثل في إصدار نقدي جديد غير مغطى بإنتاج حقيقي أو احتياطي أجنبي يعني زيادة في الكتلة النقدية (M2 Expansion)، وبالتالي ضغطًا خافضًا على قيمة الجنيه.

ونوه إلى أنه ومع تخلي البنك المركزي عن سياسة شراء الذهب كوسيلة لتعقيم السيولة الزائدة، يصبح هذا التوسع النقدي غير معقّم (ما يجعله أكثر أثرًا على سعر الصرف).
وقال إن الأثر السلبي يمكن تخفيفه إذا نجح البنك المركزي في التحكم الفعلي في حصائل الصادر للسلع المصدّرة مثل الذهب، السمسم، الصمغ العربي، والماشية، وتوريدها عبر القنوات الرسمية. فذلك من شأنه تعزيز الاحتياطي ودعم استقرار الجنيه.

التضخم المفرط:
إلى ذلك، يقول الخبير المصرفي، وليد دليل إن قيام الدولة بطباعة النقد (إصدار عملة جديدة)، يجب أن يكون هناك في مقابله غطاء نقدي أو ما يعادل القيمة المصدرة من أجل الحفاظ على قوة العملة وثقة الأسواق.
وحذر دليل في حديثه مع “المحقق” ، من الطباعة المفرطة دون غطاء التي تؤدي إلى التضخم وفقدان قيمة العملة.
‏وكشف إن اللجؤ إلى طباعة العملة دون غطاء يؤدي إلى التضخم المفرط من خلال زيادة العرض النقدي دون وجود إنتاج يقابله يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، بالإضافة إلى فقدان الثقة في العملة حيث أن المواطنون يفضلون الاحتفاظ بالعملات الأجنبية أو الذهب بدلاً من العملة المحلية مع انخفاض قيمة العملة من خلال فقدان العملة المحلية لقيمتها أمام العملات الأخرى وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

‏و لتجنب هذه الأضرار يشدد دليل على أهمية حقيق توازن بين النقد المطبوع والإنتاج المحلي مع دعم العملة باحتياطيات قوية من العملات الأجنبية وتعزيز الصادرات وزيادة الإيرادات الحكومية وإدارة السياسة النقدية بشكل مسؤول، ومنع طباعة النقد دون وجود غطاء حقيقي.

‏ونوه إلى أن طباعة النقود ليست مشكلة بحد ذاتها إذا كانت مدعومة بالإنتاج الفعلي والأصول الاقتصادية، ولكنها تصبح خطرًا إذا لم يقابلها غطاء حقيقي أو نمو اقتصادي فعلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى