الاقتصاد السوداني بين انهيار القيمة وغياب الرؤية .. من أزمة السيولة إلى أزمة الدولة

مهند عوض محمود
لم يعد السؤال في السودان هو: متى يتعافى الاقتصاد؟ بل أصبح السؤال الأخطر: هل ما زال هناك اقتصاد بالمعنى الحقيقي يمكن إنقاذه؟
فالمرحلة التي دخلتها البلاد لم تعد مرحلة ركود أو اختناق مؤقت، وإنما مرحلة تفكك اقتصادي عميق، تتآكل فيها القيمة، وتغيب فيها القرارات، ويتحوّل فيها النشاط الاقتصادي من كونه منظومة إنتاج إلى مجرد محاولات فردية للبقاء.
في الأزمات التقليدية، تتراجع المؤشرات ثم تعود مع تحسّن البيئة أو تدخّل الدولة ؛ أما ما يشهده السودان اليوم فهو انهيار في منطق الاقتصاد نفسه؛ حيث لم تعد العلاقة بين العمل والإنتاج والقيمة قائمة، ولم يعد السوق يستجيب لأي محفزات تقليدية. السيولة شحيحة، لكن الأخطر أن الثقة تكاد تكون منعدمة، وعندما تنهار الثقة، لا تعود الأرقام ذات معنى.
أزمة السيولة التي يتحدث عنها الجميع ليست سوى عرض لمرض أعمق ؛ فالأموال لم تختفِ، لكنها خرجت من الدورة الاقتصادية. رأس المال اليوم إمّا خارج البلاد، أو مجمّد في أصول فاقدة للسيولة، أو متحوّط ضده أصحابه خوفاً من الغد. وهذا ما يجعل أي حديث عن تحريك السوق دون معالجة جذور الخلل مجرد وهم سياسي أو إعلامي.
العملة الوطنية، التي يُفترض أن تكون أداة تبادل وادخار، تحوّلت إلى عبء. المواطن لا يحتفظ بها إلا للضرورة القصوى، والتاجر يسعّر سلعته على أساس الدولار، والمستثمر يضع كل حساباته خارجها. هذا الانفصال بين العملة والاقتصاد الحقيقي يعني أن الدولة فقدت إحدى أهم أدواتها السيادية: القدرة على توجيه النشاط الاقتصادي.
القطاع المصرفي بدوره لم يعد وسيطاً للتنمية، بل أصبح مؤسسة دفاعية، هدفها الأساسي حماية نفسها لا تمويل السوق. المرابحات المرتفعة ليست نتيجة جشع فقط، بل انعكاس مباشر لانعدام اليقين. فالبنك لا يعرف شكل الاقتصاد بعد عام، ولا يعرف قيمة العملة بعد ستة أشهر، ولا يثق في قدرة أي قطاع على الاستمرار، فيرفع التكلفة ليحمي رأس ماله، فيقتل بذلك ما تبقى من نشاط.
أما الإنتاج، وهو جوهر أي اقتصاد، فقد انكسر عموده الفقري. الزراعة تعمل بوسائل بدائية، الصناعة إمّا مدمّرة أو مهاجرة، والخدمات تعيش على الطلب الاستهلاكي لا على خلق قيمة حقيقية. وهنا تتحوّل الدولة من منتج محتمل إلى مستورد دائم، ليس لأنها لا تملك الموارد، بل لأنها فقدت القدرة على تنظيمها.
الأخطر من ذلك أن الاقتصاد السوداني دخل مرحلة فقدان البوصلة؛ فلا توجد أولويات واضحة، ولا قطاعات مختارة للإنقاذ، ولا سياسات تفضيلية مبنية على بيانات. كل شيء يُدار بردّ الفعل، لا بالفعل. وحين يُدار الاقتصاد بهذه الطريقة، تصبح القرارات متأخرة دائماً، حتى لو كانت صحيحة نظرياً.
في هذه البيئة، يتغيّر سلوك المجتمع نفسه. الطبقة الوسطى تتآكل، والمخاطرة تُستبدل بالهجرة، والاستثمار يتحوّل إلى اكتناز أو تحويل للخارج. ومع الوقت، يفقد الناس إيمانهم بأن العمل داخل البلاد يمكن أن ينتج مستقبلاً أفضل. وهذه أخطر مراحل الانهيار؛ لأن إعادة بناء الثقة أصعب بكثير من إعادة بناء المصانع.
الدولة هنا لا تواجه أزمة مالية فقط، بل أزمة قدرة على الحكم الاقتصادي. فغياب مركز قرار اقتصادي موحّد، وغياب عقل استراتيجي يتابع حركة رأس المال، وغياب أدوات التحليل المبكر، كل ذلك يجعل الاقتصاد مكشوفاً لأي صدمة داخلية أو خارجية.
ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد توازنها دون الاعتراف بأن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري. فالدولة التي لا تملك اقتصاداً فاعلاً، لا تملك قرارها، مهما امتلكت من قوة.
الحل لا يبدأ بضخ أموال، ولا بإعلانات إنعاش، بل بإعادة تعريف دور الدولة اقتصادياً: من متفرج إلى منظم، من جابي إلى شريك، ومن مُنفق بلا رؤية إلى مُحفّز ذكي للنشاط المنتج.
ويبدأ كذلك بفهم حقيقة بسيطة: أن رأس المال لا يعود بالخطاب، بل بالسياسات القابلة للتنفيذ، وبالربحية المعقولة، وبالاستقرار المتوقع لا الموعود.
إن لم تُبادر الدولة سريعاً إلى بناء رؤية اقتصادية واقعية، تُفرّق بين ما يمكن إنقاذه وما يجب تأجيله، وتعيد الاعتبار للإنتاج الحقيقي، فإن ما يُستنزف اليوم لن يكون المال فقط، بل الزمن. والزمن في الاقتصاد، كما في السياسة، لا يُعوَّض.
السودان لا يعاني من فقر الموارد، بل من فقر القرار.
والاقتصاد لا ينهار حين تختفي الأموال، بل حين تختفي الرؤية.



