رأي

ريدي أنا للبريدو شديد

 

دسلوي حسن صديق

في مثل هذه الأيام من العام الماضي سافرت إحدي بناتي إلي (بلداً طيرو عجمي) ، كما نقول في سودانيتنا الجميلة ، سافرت طلبا للعمل، كان عاماً صعباً عليناً عشنا غربتها لحظة بلحظة ومثلها كثير ، لله الحمد والمنة فقد دنت ساعة قدومها .

 

لكن (الشاهد في الأمر) كما يحلو للاخ الصديق العبيد مروح حين يعبر عن حدث، بناتنا في هذه الحرب أبلين بلاءً حسناً فإن كان إخوانهن قد أبلوا في الميدان فما قمن به لا ينقص إن لم يزد.

 

وكذا المراة السودانية بكل أطيافها وأعمارها تجدها حيث يجب أن تكون دوماً في الموعد ، تعلمت حب العطاء باكراً فقد اخبرتني المرحومة الرائدة نفيسة أحمد الأمين ذات لقاء معها بمكتبها في الأحفاد أن المعلمات السودانيات كن مشاعل التنوير كما يطلق عليهن حديثاً، حينما يحللن بالقرى تحل معهن الثقافة والتهذيب والنظافة ومحاربة الأمية والجهل والثوب الناصع الجميل، حتي أن أي أب أصبح يتمنى لإبنته أن تصبح معلمة.

 

كانت (الست) كما يُطلق على المعلمة آنذاك، هي الأيقونة التي تحرك الشارع ومنها تعلمت البنات حب العلم فأصبحت منهن الطبيبة والإدارية والمثقفة الواعية، فالمرأة السودانية رائدة في كل شئ حتي السياسة، وهي مَن دخلت البرلمان في ستينيات القرن الماضي متقدمة علي معظم الدول العربية.

 

ومن محاسن الريادة والحداثة أنها لم تمنعهن الإنتماء للجذور ، لم نسمع يوماً أنها قد (جدعت) توبها كما يقولون، بل أصبحت اكثر تمسكاُ بالحشمة وربطها بدينها متمثلة في الحجاب الجميل.

 

البنت السودانية مبهرة في كل حركتها وسكونها وحينما تحط رحالها بأي مكتب أو عمل يحس إخوتها الشباب أن همهم قد برد وسرعان ما يسندون لها كل تفاصيل (الإمداد) ، ثم تكون الإستجابة بحجم الثقة فتتبلور هذه التفاصيل في جمعيات وصناديق وزيجات وهي تجارب جميلة مكررة عشناها.

 

رحم الله الصديقة رشيدة السباعي، سبحان الله نفس التجارب طبقتها بناتنا.

للأسف مع ظروف الحرب والإضرار الذي لحق بالناس من أوسع الأبواب تغيرت الحياة بالنسبة لهن وتبدلت أوضاعهن، ولعل السفريات المفاجئة بحثاً عن العمل وقطع الطريق على المشروعات الخاصة هي أسوأ ماتعرضن له بعد فقدان الأمن والأمان مما اضطرهن لمعايشة بيئة عمل جديدة تعاطين فيها مع أجناس لا تعرف الرحمة بعد أن كن هن المدللات في البيوت والمكاتب وحتي وسائل المواصلات، وبلا مقدمات وجدن أنفسهن في بيئة أقل ما توصف به أن الأمان عندها محسوب بمقاييس مختلفة مبنية علي المنافسة غير المحايدة ولا نقول الشريفة ، تتحكم فيها عصبيات غير مرئية وحسد مبطن فضلاً عن إنعدام فرص الإبداع مما شكل عليهن ضغوطاً صعبة ولكنهن تجاوزنها بحكم التربية والأخلاق والقوة الموروثة من الآباء والامهات ، فهن كنداكات غير مزيفات لا يبحثن عن المجد بالشكليات أو بلبس الأقراط في الإحتفالات التي يكتب أشعارها ويختار شعاراتها دسيس مان وإنما هن إمتداد لرائعة الكابلي فتاة الغد “أي صوت زار بالأمس خيالي” .

يتدرعن بها حكمة وشجاعة.

 

وعلي ذكر الكنداكات فإن أول مَن إستخدم اللفظ حديثاً وأرجعه إلى أصله هو الإتحاد العام للمرأة السودانية أيام عـِزِه بقيادة الكنداكة الحكيمة دكتورة رجاء حسن خليفة حياها الغمام، فكانت الدراسات حول اللقب والمنلوج الشهير بقاعة الصداقة عن الملكة أماني شخيتو.

 

في اليوم العالمي للمرأة السودانية نحيي الرجل السوداني الذي يعامل المرأة بندية جميلة تتجاوز حدود المرسوم فهي عنده الأم والزوجة والإبنة والأخت، يقدمها عليه في كل المرافق بل يسعده نجاحها بل ويتخطى أحياناً الحواجز والقوانين ليترك لها مساحة للإبداع والسيادة ، والأجمل أنه يساعدها في كل تفاصيل أدوراها الطبيعية في الأمومة والبذل الخفي وممارسة العادات الجميلة مما يحفزها أكثر للعطاء والحياة السوية.

 

إن كان ثمة تحية مستحقة في هذا اليوم فهي للطبيبة السودانية التي آوت واستقبلت وتخلت عن كل رفاهيتها من أجل العائلة الكبيرة وليس الأسرة الصغيرة فحسب ، لقد كانت المنقذة بلا حساب كما قال الفنان (تنقذني الطبيبة) .

 

ستعود عصفوراتنا المهاجرات بنياتنا الحبيبات قواريرا من ذهب وفضة معززات مكرمات وستعود بإذن الله ايامنا السمحة.

 

قاتل الله الجنجويد و مَن رعاهم وعاونهم وساندهم وأغدق عليهم بلا حساب ، سنلتقيه أمام عدالة السماء بإذن الملك العادل ، عدالة لا يُظلم عندها أحد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى