رياضية

القوى السياسية والمؤسسة العسكرية: حوار مسؤول لمصلحة السودان

 

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان

العلاقة بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية في السودان ليست مجرد مسألة شكلية، بل هي مؤشر حقيقي على الاستقرار الوطني. وأي خلل فيها ينعكس بسرعة على كل مفاصل الدولة والمجتمع.

في هذا الإطار، قام تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن) بخطوة مهمة، إذ التقى قيادة القوات المسلحة وقدم لها ورقة عمل تتناول أجندة الحوار المزمع بين التحالف والمؤسسة العسكرية.

الدعوة لبحث العلاقة بين المدنيين والعسكريين ليست جديدة. فقد طرحت بعض الكتل والقوى السياسية خارطة طريق في فبراير 2025م، أبرزها الكتلة الديمقراطية والحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل وعدد من الأحزاب الأخرى. هذا يؤكد أن الحوار بين المكونين مستمر وأهميته واضحة، وأن هناك وعيًا سياسيًا يفهم أن الاستقرار لا يأتي إلا بالتواصل المسؤول، وبنقل العلاقة من مساحة الشك والتجاذبات القديمة إلى مساحة الحوار البنّاء الذي يخدم المصلحة الوطنية.

التجربة السودانية أكدت عبر العقود الماضية أن القطيعة بين السياسة والعسكر لا تثمر سوى التوتر، وأن العلاقة المبنية على الشكوك المتبادلة تزيد الانقسامات وتعقّد المشهد. لذلك، تأتي هذه المبادرة في وقت حساس ومهم، لفتح النقاش حول القضايا الكبرى المرتبطة بالدولة ومستقبلها، وأولها طبيعة العلاقة بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية.

المفكر الأمريكي صموئيل هنتغنون في كتابه الشهير الجندي والدولة: نظرية العلاقة الحديثة، يؤكد أن العناية بالعلاقة المدنية العسكرية ليست رفاهية، بل ضرورة للاستقرار السياسي وحماية مؤسسات الدولة. فبدون هذه العلاقة المنظمة، تتعرض السياسات الأمنية للتآكل بفعل التغيرات الطويلة المدى في المجتمع والاقتصاد والسياسة.

ورقة التحالف تناولت موضوع تطوير المؤسسة العسكرية عبر ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز مهنيتها ووحدتها واحترافيتها، التأكيد على الكفاءة والانضباط المؤسسي والابتعاد عن التسييس، ووضع ضمانات تمنع ظهور تشكيلات مسلحة موازية في المستقبل.

كل هذه المحاور تظهر حرص التحالف على بناء مؤسسة عسكرية قوية وموحدة، لكن الحقيقة أن الحديث عن التطوير يظل حساسًا، والعسكريون كثيرًا ما يتحسسون من أي كلمة قد توحي بالتدخل السياسي في شأنهم المهني، حتى لو كانت أقل حدة من مصطلحات سابقة مثل “هيكلة القوات المسلحة”.
لذلك من المهم أن تضبط القوى السياسية لغة الحوار، وأن توضح ما تعنيه بـ”تطوير القوات المسلحة”، مع تحديد الأبعاد والحدود. فالتطوير عمل فني وعلمي بحت، يقوم به خبراء عسكريون، بينما يظل الدور السياسي في وضع السياسات العامة التي تحافظ على المهنية والانضباط ووحدة المؤسسة وحيادها.

فيما يتعلق بالابتعاد عن التسييس، يجب أن يكون التوجيه الأول للقوى السياسية نفسها قبل المؤسسة العسكرية. على الأحزاب أن تتوقف عن محاولات اختراق المؤسسة العسكرية أو تجنيد منسوبيها لمصلحة حزبية، فهذه الممارسات أضعفت على مر التاريخ قومية المؤسسة العسكرية. بعد ذلك يأتي دور المؤسسة العسكرية في حماية منسوبيها وترسيخ قيم المهنية والانضباط داخل صفوفها.

و لا يقل أهمية عن ذلك تطوير القوى السياسية نفسها. الواقع السوداني يكشف عن مشكلات حزبية وهيكلية، واستمرار الخلط عند البعض بين مفهوم الدولة والحكومة. كما شهدت البلاد محاولات لدفع القوات المسلحة للتدخل في الصراعات السياسية عبر الانقلابات، وهذه التجارب يجب وضعها على طاولة الحوار إذا أردنا بناء علاقة صحية ومستقرة بين القوى السياسية والمؤسسات العسكرية.

خارطة الطريق التي طرحتها القوى السياسية العام الماضي، ودعوة تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن) لفتح الحوار مع قيادة القوات المسلحة، تمثل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها. فالحوار الصريح والمسؤول هو الطريق الأقصر لبناء الثقة، ولصياغة علاقة متوازنة تحمي المؤسسة العسكرية وتمنحها مهنيتها وقوميتها، وفي نفس الوقت تمكّن القوى السياسية من أداء دورها في إدارة الشأن العام ضمن دولة القانون والمؤسسات.

وتطابق مواقف القوى السياسية حول ضرورة بحث العلاقة بين المدنيين والعسكريين يدعونا لتوسيع قاعدة الحوار لتشمل كل الكتل والتحالفات والأحزاب التي دعمت مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة في مواجهة تمرد مليشيا الدعم السريع المتمردة الإرهابية. وربما يكون من المناسب توجيه رسالة إلى الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل، الحزب التاريخي صاحب الجماهيرية الكبيرة، والذي لم يشهد تاريخه أي محاولات لاختراق المؤسسة العسكرية أو دفعها للانقلاب، ليكون له دور أكبر في دعم مثل هذه الدعوات، سواء بشكل مباشر أو عبر وجوده في الكتلة الديمقراطية.

في النهاية، يظل الحوار المسؤول بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية. هو الطريق لضمان الاستقرار وحماية الدولة، وتمكين كل طرف من أداء دوره على الوجه الأمثل، بما يخدم السودان وشعبه أولاً وأخيرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى