رأي

عقوبات أوفاك والبلطجة الدبلوماسية

 

 

دكتور حسن عيسى الطالب

 

 

 

العقوبات الأمريكية التي تفرضها عبر (OFAC) ومسماها الرسمي: “مكتب إدارة الأصول الأجنبية” هي عبارة عن بلطجة دبلوماسية، تستخدمها الرئاسة الأمريكية لإيقاع الأذى بالأعداء الحقيقيين أو المتوهمين وكذلك المنافسين، بما في ذلك تخويف مؤيديهم المحتملين. وهي على غرار تهديد فرعون لموسى عليه السلام: “لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين.

 

وأول من سنّها في أمريكا هو الرئيس هاري ترومان عام 1950م، إبان نشوب الحرب الكورية – الأمريكية، فتم إيقاع العقوبات على الصين وكوريا الشمالية.

 

ومما يدل على عبثية هذه الآلية وعدم رضوخها لأية معايير حوكمة معتمدة أو معايير عدالة موثوقة، وأنها لا تعدو صفيرا إعلاميا، أكثر منه تأثير واقعي على الخصوم، هو أن عدداً من شملتهم حتى العام 2025م تجاوز 17 ألف مؤسسة وشخصية دولية، وشملت رؤساء دول كبرى مثل الرئيس فلاديمير بوتين، ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ووزير الدفاع سيرجي شويقو، ورئيس البرلمان فياشيسلاف فولودين. كما شملت رئيس كولومبيا، غوستافو بيترو، ورئيس زمبابوي، ايميرسون منانقاقوا وزوجته، ونائبه؛ وكذلك كريم خان، مدعي عام محكمة الجنايات الدولية، إثر قيامه بتوجيه تهمة الإبادة البشرية لإسرائيل، وتم حظر كافة أعضاء المحكمة، وحظر دخولهم الولايات المتحدة. كما شملت عقوبات أوفاك الجيش الرواندي وكبار قادته، والعديد من قادة دول العالم، وقادة حركات التحرر في عدد من الدول، من الذين لا تتماهى سياساتهم وسلوكهم مع الولايات المتحدة أو إدارة الرئيس دونالد ترمب.

 

بيد أن أكثر الانتقادات الموجهة لهذه الآلية التخويفية هو عدم انصافها ضحايا الإبادة البشرية في غزة، الذين تجاوزت أعدادهم 70 ألفا والجرحى قرابة 300 ألف، وإدانة كافة دول العالم لها بالتوثيق والأدلة القطعية، فضلاً عن التقاضي عن جرائم الحرب الموثقة في العراق و أفغانستان، وجريمة اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، الذي طالته عقوبات أوفاك في وقت سابق.

 

ومن تلقاء القانون الدولي فإن العقوبات المفروضة على المستهدفين تخص حكومة الولايات المتحدة حصريا، ولا يسندها القانون الدولي، ولا ميثاق الأمم المتحدة، ولا مواثيق القضاء الدولية، ولا معاهدات جنيف ولا قوانين حقوق الإنسان المعتمدة. والعقوبات تخضع حصريا لنزوات ومزاج الرئيس الأمريكي، ولا توجد أيّة محكمة تفرضها أو تلغيها او تستأنف لديها، وليست هناك دفوعات للمتهمين، ولا يطلب شهود لإدانتهم، بل أن مجرد الاتهام يشكل الإدانة. فليست هناك أية موثوقية لقرارات أوفاك بل تعتمد على تخويف الأطراف الثالثة إن هي تعاملت مع المعاقبين بحرمانهم من دخول السوق الأمريكية وإدراجهم في قوائم المخالفة.

 

وتقع تأثيرات العقوبات عموما على المستهدفين بحرمانهم من التعامل بالدولار ودخول الأراضي الأمريكية. وتلجأ الدول المدانة بالعقوبات إلى وقف التعامل بالدولار، والتحول للعملات الأخرى البديلة المعتمدة لدى البنك الدولي وصندوق النقد كاليوان الصيني، أو الروبل الروسي، والعملات المحلية للدول الشريكة تجاريا وماليا واستثماريا. وهناك بدائل بارزة مثل مجموعة بريكس، التي تضم أكثر من عشرين دولة عضو، ولها عملاتها المحلية المعتمدة، ولديها أنظمة تمويل دولية لتيسير سلاسل الإنتاج والتصدير. ويعتقد أنها تشكل البديل المنطقي لهيمنة الدولار خلال العقد التالي، من تلقاء حجم إجمالي الناتج الإجمالي للمجموعة، المقدر بنحو 30% من الناتج العالمي الكلي، وكذا عدد السكان والمستهلكين في أسواقها.

 

ومن أشهر الشخوص الذين استهدفتهم أوفاك، وعُدّت دليلا شاخصا لإثبات عشوائية وعبثية الاستهداف، ما حدث للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان يتهم بأنه إرهابي خطير، عندما كان يقاتل ضمن المقاومة الشعبية العراقية، ضد غزو العراق وباسمه الحركي: “أبو محمد الجولاني” فأعلنت أمريكا جائزة ب 10 مليون دولار للقبض عليه حيّا أو ميتا، ثم تحول فجأة بقرار رئاسي إلى صديق أمريكي حميم في يوليو 2025م عندما ألغيت العقوبة، فوصفه الرئيس ترمب بأنه “رجل شجاع وقوي” وطلب من كافة حلفائه وكل دول العالم دعمه وتثبيت أركان حكمه.

 

هذا أمر ناشز، لا يحدث في دوائر القضاء وثوابت العدالة، لكنها أوفاك، وهي اليوم تمثل التحدي الصارخ أمام العدالة الدولية وحكم القانون. فكل من تحدثه نفسه من قادة الدول بالخروج عن دائرة الهيمنة المفروضة، ولا يستند إلى إحدى القوى العظمى لحمايته عند الضرورة سيكون هدفا لأوفاك، ولا مجيب من أهل الأرض لاستغاثته وشكواه، والعاقل من اتعظ بغيره، والله غالب على أمره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى