علاقة الإسلاميين بالبرهان تحالف إسناد أم قيد سياسي

دكتور الهيثم الكندي يوسف
بالرجوع للتسريب الأخير للقيادي الاسلامي عثمان محمد يوسف كبر والذي حاول أعداء الإسلاميين أن يؤكدوا زعمهم بالربط بينهم والبرهان واعتبار أن الحرب هي حرب الإسلاميين وأنهم يتحكمون في قرار القوات المسلحة. إلا أن القارئ للتاريخ يدرك أن علاقة الإسلاميين بالجيش لم تكن مطلقاً علاقة تبعية بل كانت مزيجاً من التحالف والصراع على السلطة، وليس أدل علي ذلك من مفاصلة عام 1999 بين البشير والترابي التي أثبتت أن المؤسسة العسكرية حتى في قمة سطوة التنظيم تظل تحتفظ بمركز ثقل مستقل يميل لمن يمسك بزمام القيادة الفعلية للجيش.
بعد ما يسمي بثورة ديسمبر 2019 تعرض الإسلاميون لضربة عنيفة عبر لجنة التفكيك استهدفت اشخاصهم ومشروعهم السياسي الذي عملوا عليه لعشرات السنين. المشكلة ليست هنا إنما في جهل القيادات التي أفرزتها تلك الثورة حيث أنها دون أن تدري دخلت في صراع مع الشعب السوداني الذي عاب عليها محاولة تغيير القوانين المنظمة لحياتهم المدنية التي تتعارض مع ثقافته وعقيدته الراسخة بل إنه رفض ذلك مما ساعد الإسلاميين والقوي الوطنية الأخرى لدعم القوات المسلحة للحفاظ على بقاء الدولة وكانوا ضمن الصف الذي دعم ما يسمونه بالحركة التصحيحية في أكتوبر 2021 وما يسميه غرماؤهم بالانقلاب ثم وقوفهم لاحقاً بشدة ضد الاتفاق الإطاري الذي رفضه الجيش أيضآ حيث كان الهدف منه تغيير بنية الدولة بما فيها القوات المسلحة عبر استبدالها بالدعم السريع فضلاً عن اجتثاث كامل للإسلاميين، ومن تداعيات ذلك إندلاع الحرب في أبريل 2023 والتي انخرط الإسلاميون في القتال فيها عبر عدد من الكتائب كقوة إسناد شعبي.
إن القراءة الواقعية للأحداث تشير إلى أن العلاقة الحالية هي علاقة تحالف تفرضه ظروف الحرب. فالقول بأن الحركة الإسلامية تسيطر على الدولة هو مبالغة تتجاهل الواقع فالبرهان كقائد عسكري يحتاج لكل بندقية تقاتل معه والإسلاميون يمتلكون تنظيماً وقدرة على التأثير والتعبئة لا تملكها أي قوى أخرى.
إذاً البرهان يتحرك وفق حسابات معقدة فهو يدرك أن اقترابه من الإسلاميين قد يتسبب في عزله دولياً لذا يحاول الموازنة بين الاستفادة من قتالهم في الميدان وبين الحفاظ على استقلالية القرار العسكري والسياسي.
من ميزات معركة الكرامة أنها جمعت أضداداً سياسيين في خندق واحد فهناك حركات مسلحة، وقوى وطنية تختلف جذرياً مع الإسلاميين لكنها تقاتل مع الجيش.
ينظر البرهان لهذه القوى كدليل إثبات يمنع وصف الجيش بالإسلامي فهو يحتاج لهذا التنوع ليؤكد للعالم أن الحرب هي حرب وجود وطنية وليست حرباً لاستعادة نظام الإنقاذ.
لكن البرهان يواجه تحدياً آخر في ملف الحلفاء الاقليميين فالمعروف بعض الدول الإقليمية تتبنى موقفاً (صفرياً) من الإسلام السياسي. إلا أن حجة البرهان والتي تدركها تلك الدول هي أن سقوط الجيش السوداني يعني فوضى تهدد أمن البحر الأحمر ونجاح مشروع أبوظبي مما يخلق قلقاً أمنياً أكبر من تأثير الإسلاميين لذا فتلك الدول تدعم الجيش كمؤسسة مع الضغط لتوسيع القاعدة السياسية بعيداً عن هيمنة تيار واحد. بينما دول إقليمية أخرى تقوم بدور متوازن حيث تدعم شرعية الدولة السودانية والمؤسسات الرسمية مع وجود قنوات تواصل تاريخية مع التيارات الإسلامية، مما يوفر للبرهان هامشاً للمناورة الدبلوماسية.
إلا أن ما زاد من تعقيد موقف البرهان هو التصنيف الأمريكي للإسلاميين السودانيين كجماعات إرهابية وهو تصنيف أتى كأداة ضغط سياسي دولي حيث يكمن أثر ذلك على حرب الكرامة في محاولة شيطنة المقاومة الشعبية وتصويرها كحرب ميليشيات إسلامية. مما قد يؤدي لعرقلة صفقات التسليح أو فرض عقوبات على القوات المسلحة نفسها.
الواقع الذي يعلمه الجميع أن المقاتلين في الميدان هم سودانيون يدافعون عن بلادهم وأعراضهم لذا فان تذويب الخطاب الحزبي في الخطاب الوطني هو أفضل السبل لإبطال مفعول هذا التصنيف.
براغماتية الإسلاميين هو المخرج من المأزق الحالي دون الإضرار بمعركة الكرامة. إذا يتوجب على الإسلاميين اتخاذ خطوات تدعم هذه البراغماتية حيث يجب أن يكون القتال تحت راية القوات المسلحة وبزيها وقوانينها دون شعارات حزبية مستفزة للخارج.
كما يجب عليهم القبول بأن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب عقداً وطنياً جديداً لا يهيمن فيه تيار واحد والتركيز على مفهوم المواطنة لا التمكين.
أيضاً يجب إعلاء الوطني على التنظيمي فالحفاظ على الدولة السودانية هو الضمانة الوحيدة لبقاء أي مشروع سياسي مستقبلاً.
إن معركة الكرامة هي اختبار لعظمة الشعب السوداني وقدرته على التوحد خلف جيشه. كما إن تجاوز تهمة تأثير الإسلاميين أو إقصائهم من خندق الدفاع يتطلب حكمة من القيادة العسكرية وتجرداً من القوى السياسية فالهدف الأسمى هو دحر التمرد ومن ثم العبور لصناديق الاقتراع التي يحدد فيها الشعب السوداني من يحكمه



