من الإثبات المادي إلى الاعتراف الصريح… المسؤولية القانونية للإمارات عن جرائم حرب السودان

د. الهيثم الكندي يوسف
رغم أهمية ما جاء به الصحفي البريطاني أوليفر بول في صحيفة (لندن إيفنينغ ستاندرد) عن تورط الإمارات في حرب السودان وكشفه عن أدلة مادية كالأسلحة وصناديق الذخيرة التي تثبت أنها قادمة من أبوظبي إلا أن القضية تجاوزت مرحلة البحث عن دليل، فالقاصي والداني يعرف تورط سلطة أبوظبي في الحرب. كما أنه في العرف القانوني يعتبر الاعتراف سيد الأدلة وقد تواترت التصريحات الصادرة من مستشارين ومسؤولين إماراتيين علانية عبر لقاءات موثقة تؤكد انخراطهم في دعم مليشيا الدعم السريع ضد الدولة السودانية، مما ينقل الملف من الاتهام إلى الإقرار بارتكاب الجرم.
وفقاً للقانون الدولي الإنساني يمكن تكييف التدخل الإماراتي تحت عدة بنود قانونية نذكر منها:
-العدوان والتدخل في الشؤون السيادية: يصنف تقديم الدعم العسكري واللوجستي لميليشيا متمردة على أنه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة وخرق لسيادة الدولة وهو ما يرتب مسؤولية دولية على عاتق الدولة المعتدية.
-المشاركة في جرائم الحرب والإبادة: بالنظر إلى الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع (الاغتصاب الممنهج، الاسترقاق الجنسي، الاختطاف والاخفاء القسري، التطهير العرقي في دارفور والجزيرة، تدمير البنية التحتية)، فإن الدولة المزودة تعتبر شريكاً في الجرم وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية.
أما وفقا للقانون الجنائي السوداني فينص القانون على عقوبات رادعة لمن يعاون أو يحرض على إثارة الحرب ضد الدولة أو تقويض النظام الدستوري، وهي جرائم تصل عقوبتها للإعدام والمصادرة وتطال كل من ثبت تورطه سواء كان مواطناً أو جهة أجنبية فاعلة.
السؤال الملح هو لماذا فشلت المساعي السابقة في هذا المضمار؟
قد يتساءل الكثيرون عن سبب عدم تحقيق اختراق قانوني حاسم في المحافل الدولية حتى الآن. ويعود ذلك حسب ما أري لعدة أسباب:
-إتخاذ المسار الخاطئ: فقد رفعت الحكومة السودانية في العام 2025 دعوي ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية والتي جاء قرارها بعدم الإختصاص والذي سر سلطة أبوظبي حينها وحاولت إظهار الأمر كأنه هو تبرئة لها من تلك الجرائم.
-اللوبي والضغط السياسي: استخدمت الإمارات ثقلها المالي والدبلوماسي داخل مجلس الأمن لتعطيل تشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة.
-التأخير الحكومي: يرجع التأخير في تحريك الدعاوى الجنائية الدولية إلى حالة الارتباك الإداري وتأخر جمع الشهادات وتوثيق الانتهاكات وفق المعايير المطلوبة لدى المحاكم المختصة.
أما المسارات القانونية الواجب اتباعها حاليا لتحويل هذه الاعترافات والأدلة إلى عقوبات حقيقية، فيتعين على السودان سلك المسارات التالية:
-تفعيل الولاية القضائية الدولية: رفع دعاوى قضائية في عواصم أوروبية (مثل باريس أو برلين) ضد مسؤولين إماراتيين بأسمائهم، حيث تسمح قوانين هذه الدول بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن جنسيتهم.
-اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية (lCC): صحيح أن المحكمة تختص بمحاكمة الأفراد وليس الكيانات أو الدول، إلا أن ذلك لا يمثل مشكلة، فيمكن تسمية قيادات من سلطة أبوظبي والتي ثبت تورطها في تلسيح المليشيا. رغم أن كلاً من السودان والإمارات ليسا عضوان في إتفاقية روما المؤسسة للمحكمة إلا أن السودان يمكن أن يستفيد من ولاية المحكمة علي دارفور في قضايا سابقة، مع ملاحظة أن ما قد يعيق ذلك هو ما قد تسوقه المحكمة عن عدم تعاون الحكومة السودانية مع المحكمة في تسليم المطلوبين في قضايا دارفور السابقة للمحكمة.
-تأسيس محكمة خاصة لجرائم السودان: على غرار محاكم رواندا ويوغوسلافيا السابقة لمقاضاة المخططين والممولين والمنفذين. وذلك بإحالة الأمر الي مجلس الأمن بانشاء هذه المحكمة، ويمكن الاستعانة بالضغط الذي يمكن أن يلعبه الحلفاء واستغلال أصوات الأصدقاء أصحاب العضوية الدائمة في مجلس الأمن كروسيا والصين.
إن إنصاف الضحايا الذين فُقدوا والنساء اللاتي اغتُصبن والملايين الذين هجروا لا يتحقق بمجرد إدانة سياسية. إن المسؤولية القانونية والأخلاقية تفرض على حكام الإمارات دفع تعويضات جبر ضرر عادلة للسودان تشمل إعادة إعمار ما دمرته الأسلحة التي سلحوا بها المليشيا. ولا شك إن إنزال العقوبات الدولية مثل تجميد الأصول والملاحقات القضائية هو الضمان الوحيد لعدم تكرار سيناريو تدمير الدول بالوكالة.
لقد آن الأوان لكي يتحول الاعتراف وأدلة أوليفر بول ومن سبقه إلى إدانة قانونية تلاحق الجناة أينما كانوا.



