بعيداً عن السياسة: نحن لا نرى الحقيقة… نحن نفسّرها: كيف يقودنا “سُلّم الاستدلال” إلى سوء الفهم!

د. إسماعيل ساتي
تشير خبرات علم النفس التنظيمي (Organizational Psychology) والتواصل الإنساني إلى أن نسبة كبيرة من مشكلاتنا مع الآخرين لا تنشأ من الوقائع نفسها، بل من الطريقة التي نفسّر بها هذه الوقائع.
وهذا ينطبق على مختلف دوائر العلاقات: بين الأصدقاء والأزواج وزملاء العمل، بل وحتى بين الرئيس ومرؤوسيه.
ما سنعرضه هنا ليس مجرد انطباع، بل مفهوم طوره المفكر الأمريكي كريس آرقايرص Chris Argyris، وأطلق عليه اسم Ladder of Inference أو “سُلّم الاستدلال”.
ما الذي يحدث داخل عقولنا؟
حين نواجه موقفاً معيناً، نحن لا نقف عند “ما حدث” كما هو، بل نمر، دون وعي، بسلسلة من العمليات:
نلاحظ جزءاً من الواقع، ثم ننتقي منه ما يلفت انتباهنا، ثم نضيف إليه تفسيراً من عندنا، ثم نبني على هذا التفسير حكماً، ثم نتصرف وكأن هذا الحكم هو الحقيقة.
بعبارة مختصرة:
نحن لا نتعامل مع الواقع… بل مع نسخة مُعاد تشكيلها داخل أذهاننا.
مثال بسيط… لكنه يتكرر يومياً:
زميل لك مر بجانبك ولم يرد التحية.
الواقعة المجردة: شخص لم يرد التحية!
لكن ما قد يحدث داخلياً:
قد تقول في نفسك: يبدو أنه يتجاهلني.
ثم يتطور الأمر: ربما هو غاضب مني.
ثم يصل إلى حكم: إذن علاقتنا لم تعد كما كانت.
في لحظات، يتحول موقف عابر إلى قصة كاملة… دون تحقق.
في العلاقات القريبة… يصبح الأثر أعمق
في الحياة الزوجية، تتضخم هذه الآلية أكثر:
تقول الزوجة: “زوجي لم يعلّق على مظهري اليوم.”
الواقعة: لم يعلّق.
لكن التفسير قد يكون: لم يعد يراني جميلة.
ثم يتحول ذلك إلى شعور بالخذلان، وربما إلى سلوك بارد أو رد فعل حاد.
بينما قد يكون السبب الحقيقي بسيطاً: انشغال، تعب، أو حتى عدم انتباه.
لكن المشكلة ليست في الحدث… بل في المعنى الذي أُعطيناه له.
حتى “اللا-فعل” نحمّله معاني
ليس فقط ما يفعله الآخرون هو ما نفسّره، بل أيضاً ما لا يفعلونه.
عدم الرد على اتصال، تجاهل رسالة، أو حتى صمت عابر…
كلها قد تتحول في أذهاننا إلى رسائل سلبية، رغم أنها قد تكون بلا دلالة مقصودة أصلاً.
لماذا نقع في هذا الفخ؟
لأننا لا نرى العالم كما هو، بل كما نحن:
تجاربنا السابقة، حساسيتنا، ثقافتنا، ومخاوفنا…كلها تعمل كمرشحات تعيد تشكيل الواقع قبل أن نفهمه.
ولهذا يختلف تفسير نفس الموقف من شخص لآخر، رغم أن الحدث واحد.
ماذا يمكن أن نفعل؟
الحل لا يكمن في إيقاف التفسير، فهذا غير ممكن، لكن في مراجعته قبل أن نصدقه.
جرّب أن تسأل نفسك:
هل ما أفهمه الآن حقيقة مؤكدة… أم مجرد استنتاج؟
هل توجد تفسيرات أخرى محتملة؟
هل سألت الطرف الآخر قبل أن أحكم؟
في كثير من الأحيان، هذا التوقف البسيط كفيل بتفادي سوء فهم كان يمكن أن يتطور إلى مشكلة حقيقية.
وعليه،،،،
سُلّم الاستدلال لا يخبرنا فقط كيف نُخطئ في فهم الآخرين، بل يكشف لنا أين يبدأ هذا الخطأ:
حين نحوّل الملاحظة إلى تفسير، ثم نرفع التفسير إلى حكم، ثم نتصرف وكأنه حقيقة.
الوعي بهذه المراحل يمنحنا فرصة نادرة:
أن نوقف أنفسنا قبل أن نظلم غيرنا بأحكام لم تثبت.
وهنا يلتقي العلم مع القيم.
فما يدعونا إليه ديننا من حسن الظن بالآخرين ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو تصحيح عميق لهذا الخلل الذهني؛ إذ يذكّرنا القرآن الكريم بحقيقة (إن بعض الظن إثم)، وكأنها دعوة صريحة للتوقف عند لحظة التفسير، وعدم الانزلاق السريع إلى الحكم.
حسن الظن ليس سذاجة، بل انضباط ذهني وأخلاقي:
أن نختار التفسير الأعدل، لا التفسير الأسهل.
وأن نُبقي مساحة للبراءة، بدل أن نملأ الفراغ بالاتهام.
حين نحسن الظن، نحن لا نتجاهل الواقع… بل نؤجل الحكم عليه حتى تتضح صورته.
وحين نسأل قبل أن نحكم، ونلتمس العذر قبل أن ندين، فإننا في الحقيقة ننزل خطوة إلى الأسفل على سُلّم الاستدلال… ونقترب خطوة من الإنصاف.
وبين هذين المسارين، تُبنى علاقات تهدمها الظنون… أو يحفظها حسن الظن.



