شراكة الموارد لا محاصصة المناصب… الهندسة المؤسسية لفيدرالية الإنتاج

د. الهيثم الكندي يوسف
ارتبطت الأزمات والحروب الأهلية المتطاولة عندنا في السودان بخلل بنيوي وهو المركزية المالية المهيمنة في الخرطوم، والتي كانت تقابلها رغبة الأقاليم في انتزاع حصة من السلطة. ورغم وجود محاولات لحل هذا الخلل، إلا أن التشخيص القاصر للمشكلة حصر التغيير في التسويات السياسية وتوزيع الحقائب الوزارية وحكم الأقاليم عبر النخب المحلية أو الحركات المسلحة. حيث كانت النتيجة إعادة إنتاج دولة الغنيمة على المستوى الإقليمي، فتحولت عواصم الولايات إلى خرطوم مصغرة تنفق فيها الموارد على البهرجة السياسية والوظائف الدستورية بدلاً من التنمية.
إن العبور نحو دولة القيمة يتطلب تغييراً جذرياً للمفاهيم يبنى عبر الانتقال من الفيدرالية السياسية (المبنية على توزيع المناصب) إلى الفيدرالية الاقتصادية (المبنية على حوكمة الموارد وسلاسل القيمة العابرة للجغرافيا).
لقد وضح جلياً إن وحدة السودان لا تحميها الاتفاقيات الهشة، ولكن تحميها المصلحة المادية المتبادلة التي تجعل من الانفصال انتحاراً اقتصادياً لكل إقليم. ولنفهم ذلك سننظر كيف يمكننا أن نخلق التكامل الاقتصادي بين الأقاليم المختلقة الذي يدعم الوحدة، وسنقترح الموسسات التي ستتولى إدارة الموارد، وكيف يمكن ربط كل ذلك بفدرالية إقتصادية حقيقية.
نقترح أن يتكون الإطار المؤسسي لدولة القيمة بصورة أساسية من (مفوضية حوكمة الثروة السيادية والصناديق الإستثمارية الإقليمية وصندوق التعويضات والتوازن التنموي) ونهدف من ذلك حماية الموارد الأقليمية من التغول المركزي من جهة، ومن أطماع الحركات المسلحة والنخب الولائية من جهة أخرى، إذ أن مقترحنا يقوم علي مأسسة المشهد عبر آلية تخضع لرقابة صارمة وقوانين واضحة:
1- مفوضية حوكمة الثروة السيادية:
وهي هيئة مستقلة فنياً ولا تخضع لمجلس الوزراء أو السيادة بشكل مباشر، بل لجمعية عمومية من الخبراء وممثلي الأقاليم يتم اختيارهم وفق مواصفات محددة بواسطة برلمانات الأقاليم، مهمتها حصر كافة الموارد الاستراتيجية (الذهب والمعادن، الموانئ، الأراضي والمنتجات الزراعية، الثروة الحيوانية). وتحديد نسب الاستقطاع من الرسوم والضرائب للمركز (السيادي) بما لا يتجاوز 25% للخدمات السيادية (الدفاع، الخارجية، البنك المركزي)، وتوطين 70% من العائدات في الإقليم المنتج عبر قنوات استثمارية لا استهلاكية. بينما تذهب 5% لصندوق التوازن التنموي.
2- الصناديق الاستثمارية الإقليمية المملوكة للمواطنين:
النموذج التطبيقي هنا يتجاوز فكرة الاستثمارات والشركات الحكومية التقليدية إلى شركات المساهمة العامة المملوكة للمواطنين، وتأسيس صندوق سيادي لكل إقليم، مثلاً (صندوق نهر النيل والشمالية للذهب، صندوق كردفان للصمغ العربي، صندوق دارفور للثروة الحيوانية، صندوق الشرق للموانئ والخدمات اللوجستية، صندوق الوسط للزراعة والتصنيع الزراعي). تقوم هذه الصناديق بتحويل 40% من ملكية مشاريع الموارد (كمناجم الذهب ومشاريع الري والزراعة والصناعة وتوليد الكهرباء) إلى أسهم تطرح لمواطني الإقليم مباشرة، لضمان وصولها لكل أسرة.
إن الأثر التطبيقي لذلك يتمثل في تحول مواطن الإقليم من مطالب بالتنمية إلى مساهم يترقب أرباحاً سنوية في حسابه البنكي. هذا النموذج يقطع الطريق على أي قائد حركة مسلحة أو والي يحاول الاستئثار بالموارد، فالاعتداء على المورد هنا هو اعتداء مباشر على المحفظة المالية للمواطن.
3- صندوق التعويضات والتوازن التنموي:
هناك أقاليم أو بعض الولايات الجافة قد لا تملك موارد طبيعية استراتيجية ضخمة (كالذهب أو الزراعة أو النفط) ولكنها توفر خدمات سيادية أو ثقلاً سكانياً كبيراً. إذا احتفظت أقاليم الذهب والزراعة بـ 70% من العائدات فقد ينشأ اختلال تنموي هائل بين إقليم غني جداً وإقليم فقير جداً، وهو ما يهدد السلم الاجتماعي. لهذا ولإنجاح نموذجنا في الفيدرالية الاقتصادية فإننا بحاحة إلى صندوق تعويضات وتوازن تنموي لتقليل الفوارق الإقتصادية بين الأقاليم واقترحنا له نسبة 5%.
سبق أن قلنا إن الجهاز المناعي لدولة الغنيمة هو (البيروقراطية واللجان). إن الحل ليس استبدال الفاسدين بصالحين، بل إلغاء العنصر البشري في مساحات التماس المالي. ونقترح تكوين منصة الحوكمة الرقمية الموحدة حيث يتم عبرها تحويل كافة المعاملات (عقود التعدين، رخص الصادر والوارد، تخصيص الأراضي الاستثمارية، تحصيل الجمارك والضرائب) إلى عقود رقمية بالكامل. بذا تختفي سلطة الموظف أو الوزير في منح الإعفاءات الجمركية أو التسهيلات الاستثمارية التي كانت باباً للرشوة والمحسوبية. فالمستثمر يرفع أوراقه رقمياً، وتتم مطابقتها عبر خوارزميات محددة، ويتم الدفع مباشرة إلى حسابات الصناديق الإقليمية أو البنك المركزي دون أي وسيط بشري.
هذا التطور التكنلوجي يحتاج الي إصلاح مؤسسي وقانوني وتجهيز البنية التحتية اللازمة.
أما بالنسبة للذهب فنرى أن يتم ربط إنتاجه عبر نظام تتبع رقمي شفاف لمراقبة سلاسل الإمداد منذ لحظة استخراجه من المنجم وحتى تصديره، مما يمنع التهريب الذي يغذي أمراء الحرب ونخب المركز. كما أن بناء احتياطي من الذهب يضيف قوة إلى قيمة العملة مما يساعد على استقرار مستوى الأسعار. ويتأتى ذلك عبر طرح السعر العادل الذي لا يجعل هناك فائدة في مخاطر تهريبه إلي الخارج.
إلا أن الجانب الأهم في موضوع الذهب هو تنظيم القطاع بصورة أساسية، عبر الآليات التي تحدثنا عنها أنفاً قتكون الشركات التي تعمل في تعدين الذهب شركات مساهمة عامة بين الحكومة وجمهور المواطنين ولابأس من وحود مستثمرين أجانب. مع حصر التعدين الأهلي تدريجياً عن طريق تحويل مجاميع المعدنين الأهليين إلى تعاونيات إنتاجية محليّة تملك أسهماً في الصناديق الإقليمية.
وهنا لابد من النظر في موضوع الأراضي والحواكير عبر تقنين وضعية الأراضي وهذا يحتاج لعصف ذهني لا يضيع حقوق المجتمعات، وفي نفس الوقت لا يعرقل رؤيتنا في استغلال الموارد لصالح الأقاليم في المقام الأول، لهذا سنفرد لموضوع الأراضي مقالاً منفصلاً.
كما أن من كمال رؤيتنا استحداث مصفوفة (التكامل الإنتاجي العابر للأقاليم) أو ما يمكن تسميته (نموذج سلاسل القيمة) فلكي نثبت أن الوحدة الاقتصادية هي الضامن للأمن والرفاه، يجب أن ترتبط جغرافيا السودان بشبكة مصلحية تجعل تفكيك الدولة خسارة مطلقة للجميع.
وكمثال لذلك يمكن أن يكون النموذج التطبيقي (سلسلة القيمة للحوم والصناعات التحويلية) علي النحو التالي:
لا يمكن لدارفور أو كردفان أن تحقق القيمة القصوى من الثروة الحيوانية بتصديرها خاماً (ماشية حية)، كما لا يمكن للشرق أن يعيش على رسوم الموانئ فقط. التكامل يتم عبر المخطط التالي:
الرعاية والإنتاج (إقليم الغرب) عن طريق تربية وتسمين الماشية وفق معايير علمية ممولة من الصندوق الاستثماري الإقليمي للغرب.
التصنيع والتحويل (إقليم الوسط – الجزيرة والنيل الأبيض وسنار) حيث يتم إنشاء مجمعات مسالخ حديثة ضخمة، وصناعات تحويلية لتعليب اللحوم، ومدابغ متطورة لصناعة الجلود. هذا يخلق آلاف الوظائف في الوسط ويضيف قيمة استثمارية للمادة الخام القادمة من الغرب.
النقل واللوجستيات (إقليم الشرق) يتم نقل المنتجات المصنعة مبردة عبر خطوط سكة حديد مخصصة، وصولاً إلى منظومة تبريد وتصدير حديثة في موانئ بورتسودان وسواكن.
الخدمات المالية والبحث والتطوير والتسويق الدولي (الخرطوم) التي توفر هذه الخدمات مستخدمة أجهزة الدولة المركزية، فالدبلوماسية تكون حلقة في استقطاب للاستثمارات الأجنبية، وتقل التكنولوجيا تقوم بها الوزارات المختصة، بالإضافة لدور وزارات التجارة والتعاون الدولي في قيام المعارض وفتح أسواق للمنتجات، فضلاً عن فرص التدريب والبحث والتطوير.
تكون النتيجة أنه إذا فكر إقليم الغرب في الانفصال، فستفقد ثروته الحيوانية أسواقها ومصانعها التحويلية ومنافذها البحرية، وإذا قرر الشرق إغلاق الموانئ، سيتوقف شريانه المالي القائم على حركة صادر أقاليم الوسط والغرب. هذا هو ما أسميه (الفيدرالية الاقتصادية التشابكية).
لقد كان من أكبر أخطاء الترتيبات الأمنية السابقة – للحركات المسلحة التي توقع اتفاقيات سلام مع الدولة – الدمج العسكري الصوري (التحول إلى رتب ووظائف في الجيش) مع ترك القيادات تبحث عن نفوذ مالي عبر السيطرة على المعابر والمنشآت. المقاربة البديلة تعتمد على (النزع والتسريح الاقتصادي) ويتحقق ذلك عن طريق الشركات المساهمة للأمن التي تمنح عقوداً لتأمين المنشآت الحيوية (خطوط الأنابيب، السكك الحديدية، مناطق التعدين) بحيث تشرف الدولة على هذه الشركات، وتستوعب المقاتلين السابقين بعد نزع سلاحهم الثقيل.
كما يجب تخصيص حصة من الصناديق الاستثمارية الإقليمية لتمويل مشاريع زراعية وصناعية جماعية للمسرحين، بحيث ترتبط منافعهم المالية الشخصية باستقرار الإقليم ونموه، لا باستمرار حالة السيولة الأمنية.
عندما يرى المقاتل السابق أن استقرار المنجم أو خط السكة حديد يعود عليه براتب مجزي وأسهم لأسرته في الصندوق الإقليمي، سيتخلى تلقائياً عن الولاء لأمراء الحرب الذين كانوا يقتاتون على الفوضى.
إن السودان لا يحتاج إلى وثيقة دستورية جديدة تكتب في الغرف المغلقة لتوزيع المناصب، لكنه بالضرورة يحتاج إلى عقد إنتاجي يعلن بوضوح أن السلطة خادمة لعملية الإنتاج وليست غنيمة تقسم.
إن المسار المبني على المؤسسية الرقمية والصناديق الشعبية وسلاسل القيمة، هو الكفيل بتحويل التنوع السوداني من عبء أمني إلى رافعة اقتصادية، وهي الخطوة الأساسية في طريق العبور نحو دولة القيمة.



