رياضية

سودان ما بعد الحرب: بين وهم الحوار وخيار الإرادة الشعبية

رمضان أحمد

تتصاعد هذه الأيام الدعوات إلى إطلاق حوار وطني شامل باعتباره المدخل المناسب لمعالجة الأزمة السودانية بعد الحرب. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه قبل الحديث عن أي حوار هو: من هم أطراف هذا الحوار؟ وما هي القضايا التي يُفترض أن يناقشها؟

ففي الواقع، لا يبدو أن المشهد السياسي السوداني يعاني من نقص في وضوح المواقف حتى يحتاج إلى حوار لاكتشافها. فالقوى المؤيدة للقوات المسلحة أعلنت موقفها بوضوح منذ اندلاع الحرب، كما أن القوى المناهضة للجيش، سواء كانت داعمة لقوات الدعم السريع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لم تُخفِ مواقفها هي الأخرى. وبالتالي فإن الأزمة ليست أزمة غموض سياسي أو سوء تفاهم بين الأطراف المتصارعة، وإنما أزمة مشاريع متناقضة ورؤى متباعدة حول مستقبل الدولة السودانية.

لقد كانت هناك فرصة حقيقية لحوار وطني شامل قبل اندلاع الحرب، فرصة كان يمكن أن تُناقش خلالها أسس بناء الدولة، وطبيعة النظام السياسي، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وقضايا الهوية والتنمية والعدالة الانتقالية. غير أن تلك الفرصة ضاعت، وانزلقت البلاد إلى حرب مدمرة أعادت ترتيب المشهد كله بالقوة العسكرية.

وفي ظل هذا الواقع، فإن أقصى ما يمكن أن يحققه أي حوار سياسي بعد الحرب هو إعادة توزيع النفوذ وتقاسم السلطة بين القوى السياسية والعسكرية المختلفة، أي ما يمكن وصفه عملياً بـ”تقسيم الكيكة السياسية”. أما الحديث عن توافق وطني شامل حول مشروع سياسي موحد، فيبدو بعيد المنال في ظل الفجوة العميقة بين رؤى ومشاريع القوى المتنافسة.

ولا تزال المعادلة الصفرية تحكم سلوك معظم الأطراف؛ فكل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصماً ينبغي إقصاؤه لا شريكاً يمكن التفاهم معه. وفي ظل هذه البيئة السياسية المأزومة، يصبح الرهان على التوافقات النخبوية وحدها رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسة العسكرية بوصفها السلطة الحاكمة بحكم الأمر الواقع. فالمهمة الوطنية الكبرى التي ينبغي أن تضطلع بها ليست اختيار القوى السياسية التي ستحكم السودان، ولا هندسة التحالفات المستقبلية، وإنما تهيئة البيئة التي تمكّن الشعب السوداني من التعبير عن إرادته السياسية بحرية عبر صندوق الاقتراع.

غير أن ما يجري على الأرض يثير الكثير من التساؤلات والقلق.. فبدلاً من أن تؤدي عمليات استسلام عناصر الدعم السريع إلى تفكيك هذه القوة المسلحة بصورة نهائية عبر نزع السلاح وإعادة التأهيل والدمج الفردي أو التسريح وفق برامج مهنية واضحة، تظهر مؤشرات على إعادة تجميع بعض هذه القوات تحت مسميات وقيادات جديدة. وإذا صح هذا الاتجاه، فإنه يعني عملياً إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة، لا معالجة جذورها.

وفي المقابل، تتزايد المخاوف لدى بعض الأوساط من وجود توجه نحو إضعاف أو تهميش القوى التي قاتلت إلى جانب القوات المسلحة خلال الحرب، سواء كانت قوى المقاومة الشعبية أو الحركات المسلحة أو غيرها من المكونات التي لعبت دوراً عسكرياً في مواجهة الدعم السريع. ومهما كانت صحة هذه المخاوف من عدمها، فإن مجرد وجودها يعكس حجم ضعف الثقة الذي يحيط بمرحلة ما بعد الحرب.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان هو أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى ساحة لإدارة التوازنات المسلحة بدلاً من أن تكون مرحلة لبناء المؤسسات المدنية والدستورية. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن إعادة تدوير المليشيات أو توظيفها في معادلات السلطة لا تنتج استقراراً دائماً، بل تؤجل الانفجار إلى وقت لاحق.

ولهذا فإن السودان بحاجة إلى مسار مختلف تماماً.

المطلوب ليس حواراً لتوزيع المناصب، ولا تسوية بين النخب المتصارعة، وإنما مشروع انتقال وطني واضح المعالم. مشروع يبدأ بإعلان فترة انتقالية محددة زمنياً، تُدار بواسطة شخصيات وطنية مشهود لها بالكفاءة والاستقلالية، تتولى إعادة بناء المؤسسات، وإعداد البيئة القانونية والسياسية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وفق معايير متعارف عليها دولياً.

كما ينبغي فتح المجال أمام الأحزاب السياسية لإعادة تنظيم صفوفها وتسجيل نفسها وفق قانون عادل وشفاف، وتمكينها من عرض برامجها على المواطنين بحرية، بحيث يكون الشعب السوداني هو صاحب القرار النهائي في تحديد من يحكمه وما هو المشروع السياسي الذي يريده لمستقبله.

إن التاريخ لا يخلّد القادة الذين ينجحون في إدارة الصراعات فقط، بل يخلّد أولئك الذين ينجحون في نقل بلدانهم من منطق القوة إلى منطق الشرعية الشعبية.

وإذا اختارت القيادة الحالية هذا الطريق، فإنها ستسجل لنفسها دوراً تاريخياً في تأسيس انتقال ديمقراطي حقيقي، وستظل المؤسسة العسكرية في الذاكرة الوطنية باعتبارها الضامن لإرادة الشعب لا بديلاً عنها.

أما إذا استمرت إدارة المشهد على أساس موازنة القوى ضد بعضها البعض، وإبقاء الجميع في حالة اعتماد دائم على السلطة المركزية، فإن ذلك قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها التي عانى منها السودان لعقود طويلة، وربما يفتح الباب أمام صراعات أكثر تعقيداً وخطورة في المستقبل.

إن السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تكون الحرب المدمرة التي عاشها نقطة انطلاق نحو بناء دولة المؤسسات والشرعية الشعبية، وإما أن تتحول إلى مجرد محطة أخرى في دورة الصراعات التي استنزفت البلاد وأهدرت فرصها.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين جميعاً ليس: من سيحكم السودان بعد الحرب؟ بل: كيف نضمن أن يكون الشعب السوداني هو من يقرر ذلك بنفسه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى