رأي

سودان ما بعد الحرب: من دولة المركز إلى دولة الموارد والإنتاج

نعمان يوسف محمد **

لم يكن السودان غريباً على ويلات الحروب والصراعات؛ فمنذ نيله الإستقلال عام 1956 ظل البلد يواجه دورات متتالية من النزاعات التي إستنزفت طاقاته البشرية والاقتصادية، وأهدرت جزءاً كبيراً من موارده التي كان يمكن أن تصنع نهضة حقيقية.

ثم جاءت حرب عام 2023 لتضيف فصلاً بالغ القسوة إلى هذا التاريخ؛ إذ لم تقتصر آثارها على الخسائر الإنسانية والنزوح واللجوء وفقدان الممتلكات، بل إمتدت لتصيب مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والخدمات والإنتاج، حتى بدا السودان وكأنه بحاجة إلى إعادة تأسيس شاملة لا مجرد إعادة إعمار.

لكن وسط هذا الدمار الكبير، كشفت الحرب حقيقة طالما غابت عن التخطيط الوطني: أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى من داخل المركز وحده، وأن الإعتماد المفرط على العاصمة والمدن الكبرى كان أحد أسباب هشاشة الدولة اقتصادياً وتنموياً. فقد ظل الريف، رغم إمتلاكه معظم مقومات القوة، بعيداً عن دائرة الإستثمار الحقيقي، بينما تركزت الخدمات والفرص والقرار في نطاق جغرافي محدود.

إن السودان الجديد الذي نحتاج إلى بنائه يجب أن ينطلق من رؤية مختلفة؛ رؤية تجعل من الريف قاعدة التنمية وليس هامشها. فالثروة الحقيقية للسودان ليست فقط في المباني والمؤسسات الموجودة في المدن، وإنما في الأراضي الزراعية الواسعة، والمياه، والثروة الحيوانية، والمعادن، والطاقة المتجددة، والأيدي العاملة المنتشرة في الأقاليم.

غير أن التحول من المركز إلى الريف لا يعني إهمال المدن أو إضعاف دورها، بل يعني إعادة التوازن بين أطراف الدولة ومركزها، بحيث تصبح التنمية موزعة بعدالة، ويصبح المواطن في أي قرية أو منطقة طرفاً أساسياً في عملية الإنتاج وصناعة المستقبل.

ولتحقيق ذلك، يحتاج السودان إلى مشروع وطني يقوم على عدة محاور:
أولاً: إعادة بناء الاقتصاد من قاعدة الإنتاج الريفي عبر تطوير الزراعة الحديثة، ودعم صغار المنتجين، وإنشاء الصناعات التحويلية بالقرب من مناطق الإنتاج بدلاً من نقل المواد الخام إلى المركز ثم إعادة توزيعها.

ثانياً: تطوير البنية التحتية في الأقاليم من طرق وطاقة وإتصالات وخدمات أساسية، لأن الريف لن يتحول إلى محرك اقتصادي ما لم تتوفر فيه بيئة جاذبة للإستثمار والإستقرار.

ثالثاً: تمكين الموارد البشرية في الريف عبر تحسين التعليم والتدريب المهني والرعاية الصحية، فالمواطن السوداني هو رأس المال الأكبر، ولا يمكن تحقيق نهضة حقيقية إذا بقيت الطاقات خارج دائرة التنمية.

رابعاً: إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع المحلي من خلال منح الأقاليم دوراً أكبر في التخطيط وإتخاذ القرار، بما يحقق مشاركة أوسع ويقلل من شعور التهميش الذي كان وقوداً لكثير من الأزمات.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول لا تنهض فقط بعواصمها، بل تنهض عندما تتحول القرى والمناطق المنتجة إلى مراكز قوة اقتصادية. والسودان يمتلك مقومات نادرة تؤهله لذلك؛ أرض واسعة، وموارد طبيعية ضخمة، وشعب يمتلك خبرة طويلة في الزراعة والتجارة والعمل والإنتاج.

إن مأساة الحرب، رغم قسوتها، قد تكون فرصة لإعادة التفكير في نموذج الدولة السودانية نفسها عبر الإنتقال من دولة تستهلك موارد الريف في المركز، إلى دولة يستثمر فيها المركز إمكانات الريف ويعيد توزيع ثمار التنمية على الجميع.

غير أن هذه النهضة المنشودة لن ترى النور ما لم يتوقف نزيف الحرب، ويُطوى فصل الصراع عبر توافق وطني واسع ودائم، يعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، ويضع مصلحة السودان فوق كل الحسابات الضيقة. فالسلام ليس مجرد غياب صوت البنادق، بل هو البيئة التي تسمح للإنتاج بالعودة، وللإستثمار بالنمو، وللمواطن بأن يشعر بأن مستقبله ومستقبل أبنائه أصبح أكثر أمناً وإستقراراً.

فنهضة السودان القادمة لن تبدأ من الخرطوم وحدها، بل من كل قرية ومشروع ومزرعة ومدينة صغيرة تحمل في داخلها بذور المستقبل؛ لكنها ستبدأ أولاً من إرادة وطنية مشتركة تؤمن بأن السودان أكبر من أزماته، وأن بناء الإنسان والأرض هو الطريق الحقيقي لإستعادة الوطن.

**مصرفي سابق _ إستشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى