
واشنطن- المحقق
طلب رئيس بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة، الحارث ادريس من المنظمة الدولية ومجلس الأمن التدخل العاجل والضغط على ميليشيا الدعم السريع للإفراج عن الاف المحتجزين المدنيين وأسرى الحرب، ووقف الانتهاكات الجسيمة والممنهجة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في مرافق الاحتجاز الخاضعة لسيطرتها في دارفور، لا سيما في سجن “دقريس” في نيالا بجنوب دارفور، وسجن “شالا” في الفاشر بشمال دارفور.
وبعث المندوب الدائم للسودان رسالة الجمعة إلى رئيسة مجلس الأمن الدولي وأعضاء المجلس وكذلك الى الأمين العام للأمم المتحدة، أوضح فيها أن ميليشيا الدعم السريع تحتجز حالياً ما يقرب من 19,800 معتقل وأسير في سجن دقريس.
ويشمل هذا العدد نحو 3,795 فرداً من القوات المسلحة السودانية، و5,000 مدني من الفاشر، و4,270 من ضباط الشرطة، و544 عضواً في جهاز المخابرات العامة، و73 من الكوادر الطبية، و5,434 مدنياً من مهن مختلفة، و690 امرأة.
وفيما يتعلق بسجن شالا الواقع غرب مدينة الفاشر – والذي احتجزت فيه الميليشيا أعداداً كبيرة من المدنيين والعسكريين في أعقاب استيلائها على المدينة في 26 أكتوبر 2025- تشير المعلومات إلى أن ما يقرب من 881 أسيراً عسكرياً و407 محتجزين مدنيين يقبعون حالياً في السجن، ومن بين المحتجزين المدنيين 113 طفلاً دون سن الثامنة عشرة، يعاني بعضهم من أمراض مزمنة وحُرموا من العلاج الطبي المناسب.
وأشار الحارث في خطابه الى تقارير تفيد بأن غالبية المحتجزين في سجن شالا هم من المدنيين الجرحى الذين أصيبوا بكسور وإصابات خطيرة جراء القصف العشوائي الذي شنته الميليشيا على الفاشر، ولم يتلقَ الكثير منهم أي علاج طبي على الإطلاق.
وأوضح الخطاب أن الأوضاع الإنسانية والطبية داخل سجن دقريس كارثية؛ إذ يفتقر مستشفى السجن إلى الكوادر الطبية الكافية والمستلزمات الطبية الأساسية، وتوفي معظم المحتجزين الذين يعانون من أمراض مزمنة نتيجة للإهمال الطبي، في حين أن العديد ممن لا يزالون على قيد الحياة عاجزون عن الحركة بسبب تدهور أحوالهم الصحية، ويمنع حراس السجن نقل المرضى الذين يحتاجون إلى علاج متخصص إلى مرافق طبية خارجية، كما يمنعون زيارات الأهالي.
وكشف عن تقارير تفيد بتعرض المحتجزين لتعذيب ممنهج ومعاملة قاسية وغير إنسانية ومهينة، بما في ذلك الإساءات اللفظية، والممارسات المهينة القسرية، والعنف الجسدي الشديد والضرب، والصعق بالكهرباء، وإطفاء أعقاب السجائر في أجسادهم، في بيئة تتسم بالاكتظاظ الشديد، وانعدام الصرف الصحي، وعدم كفاية المياه النظيفة، وانتشار الكوليرا والأمراض المعدية الأخرى.
كما أشار الخطاب إلى تقارير مقلقة للغاية تلقتها حكومة السودان تتعلق بتجارة منظمة بالأعضاء البشرية داخل سجن دقريس، وتورط كوادر طبية أجنبية يُعتقد أنهم من كولومبيا وصربيا في استئصال أعضاء المحتجزين؛ حيث يتم أخذ الضحايا من بين محتجزي القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة تحت ذريعة واهية بالإفراج عنهم، لنقلهم بعد ذلك إلى عناصر أجنبية تعمل في نيالا لحصد أعضائهم، ومن ثم دفن الضحايا داخل مقر قيادة الفرقة 16 مشاة لإتلاف الأدلة الجنائية وإخفاء الجرائم.
ويعاني المحتجزون في دقريس أيضاً من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب، ولا يتلقى السجناء في كثير من الحالات أكثر من لقمة عيش واحدة في اليوم، ويتم تسجيل أكثر من أربع وفيات أسبوعياً نتيجة مباشرة للمجاعة، والمرض، والإهمال الطبي، والامتناع عن نقل المصابين بأمراض حرجة إلى المستشفيات.
وفيما يخص الوضع الإنساني داخل سجن شالا، ذكر الخطاب أنه وصل إلى مستويات كارثية، حيث تحدث وفيات يومية بسبب النقص الحاد في الغذاء والأدوية والرعاية الصحية.
وأفادت التقارير بوفاة نحو 300 محتجز جريح خلال الشهرين الماضيين وحدهما جراء التهاب الجروح، والإصابات غير المعالجة، والالتهابات الشديدة الناتجة عن غياب الرعاية الطبية.
وتحدث الخطاب عن أن الميليشيا تترك جثث المحتجزين المتوفين داخل السجن لفترات طويلة في انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، ويُجبر السجناء على دفن الموتى بأنفسهم في الفناء الغربي للسجن على بعد نحو 400 متر من محيطه.
كما يتفشى وباء الكوليرا داخل سجن شالا في بداية شهر فبراير 2026، وسُجلت منذ ذلك الحين ما بين خمس إلى عشر وفيات أسبوعياً نتيجة لانتشار المرض والغياب التام للإجراءات الوقائية والعلاجية.
وتلقت حكومة السودان كذلك تقارير تفيد بأن الميليشيا نفذت عمليات إعدام ميداني وتصفيات واسعة النطاق ضد مدنيين تحت سيطرتها، حيث أعدمت خلال الفترة الأخيرة 15 مدنياً جريحاً داخل سكن “الرشيد” بجامعة الفاشر بعد اتهامهم بالانتماء إلى القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة.
وأكدت رسالة المندوب الدائم للسودان أن الأوضاع السائدة في سجني دقريس وشالا تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والحمايات الأساسية المكفولة للمدنيين وأسرى الحرب بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي.
واعتبرت أن الاحتجاز الجماعي للمدنيين دون سند قانوني، واحتجاز الأطفال، والحرمان من الغذاء والرعاية الطبية، والتعذيب والمعاملة القاسية للمحتجزين، وانتشار الأمراض في ظل التكدس الشديد، والوفيات التي تحدث قيد الاحتجاز، والتقارير عن الاتجار بالأعضاء والإعدامات خارج نطاق القضاء، ترقى مجتمعة إلى جرائم دولية خطيرة تتطلب تحقيقاً عاجلاً ومساءلة.
ودعت حكومة السودان مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة، ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وآليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، وجميع الهيئات الدولية المختصة إلى إدانة الانتهاكات التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع ضد المحتجزين وأسرى الحرب في سجني دقريس وشالا بأشد العبارات، والمطالبة بالوصول الفوري وغير المقيد للمنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية المستقلة إلى جميع مرافق الاحتجاز الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، والدعوة إلى الإفراج الفوري عن جميع المدنيين المحتجزين تعسفياً، وضمان تقديم المساعدات الإنسانية والطبية العاجلة لجميع المحتجزين، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء، والاتجار بالأعضاء، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، ومحاسبة جميع مرتكبي هذه الجرائم ومنظميها ومموليها بشكل كامل.



