رأي

العسجد… عندما تنتقل أزمة التنسيق من تكلفة الصادر إلى سيادة القرار المالي

مهند عوض محمود

كتبت كثيراً، حتى كاد يجف المداد، عن أهمية التنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة، وأن كثيراً من أزماتنا الاقتصادية لم تكن دائماً بسبب غياب الموارد، وإنما بسبب أن مؤسسات الدولة تعمل أحياناً كجزر منفصلة؛ كل جهة تنظر للقرار من زاويتها الضيقة دون دراسة الأثر الكلي على الاقتصاد الوطني.

فعندما تحدثنا سابقاً عن الرسوم والجبايات المفروضة على الصادرات، لم تكن القضية هي أي جهة حكومية يحق لها تحصيل إيرادات، وإنما كانت في غياب التنسيق بين الجهة التي تفرض الرسوم والجهة التي تدرس أثر هذه الرسوم على تكلفة المنتج السوداني، وهل يظل بعد كل تلك الأعباء قادراً على المنافسة في الأسواق العالمية، أم أننا نكسب إيرادات محدودة اليوم ونخسر أضعافها غداً من حصائل الصادر والنقد الأجنبي.

لكننا اليوم أمام مستوى آخر أكثر حساسية وخطورة؛ فالأمر لم يعد مرتبطاً بتكلفة طن من السمسم أو الصمغ العربي أو أي سلعة تصديرية، وإنما انتقل إلى منطقة تمس البنية التحتية للنظام المالي السوداني، حيث تتداخل التكنولوجيا مع المصارف، والبيانات مع الأمن الاقتصادي، والقرار الإداري مع ثقة الدولة ومؤسساتها.

وقضية شركة العسجد للحلول الرقمية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لشركة تقدمت بطلب رخصة؛ فمن حيث المبدأ من حق أي شركة أو مستثمر أن يدخل المنافسة متى ما استوفى الشروط القانونية والفنية. كما أن السودان يحتاج إلى القطاع الخاص وإلى الابتكار والتكنولوجيا المالية، لكن القضية الأكبر ليست في اسم الشركة، وإنما في المنهج الذي تُدار به القرارات ذات الطبيعة السيادية.

فنحن أمام مشهد يستحق الوقوف عنده: رخصة في قطاع حساس تُمنح، ويتم تدشينها بحضور رسمي رفيع، وتُقدم للرأي العام باعتبارها نقلة نوعية في التحول الرقمي، ثم بعد أيام قليلة تعود ذات المؤسسة التي منحت الترخيص لتعلن إلغاءه بعد مراجعة فنية وقانونية.

ولا شك أن شجاعة مراجعة القرار وتصحيحه خطوة إيجابية تُحسب لبنك السودان إذا ظهرت معطيات جديدة، فالإصرار على الخطأ أخطر من التراجع عنه. لكن السؤال المؤسسي الذي لا يمكن تجاوزه هو: كيف وصل القرار إلى مرحلة الإعلان والتدشين قبل أن تكتمل هذه المراجعات؟

فالقرارات التي تمس البنية المالية للدولة ليست قرارات استثمارية عادية، وإنما قرارات ترتبط بالثقة، والاستقرار المالي، واستمرارية الخدمات، وحماية البيانات.

إن التحول الرقمي في القطاع المصرفي أصبح ضرورة لا خياراً، والسودان يحتاج بالفعل إلى تحديث أنظمة الدفع، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتوسيع الشمول المالي، والاستفادة من قدرات القطاع الخاص. ولكن هناك فرقاً كبيراً بين فتح المجال للشركات لتقديم خدمات مالية رقمية، وبين إدارة مكونات أساسية داخل منظومة المدفوعات الوطنية التي تربط المصارف وحركة الأموال.

فالقطاع الخاص في كثير من دول العالم شريك رئيسي في التكنولوجيا المالية، لكنه يعمل داخل نماذج واضحة تحدد حدود المسؤوليات: من يملك البنية الأساسية؟ ومن يدير التشغيل؟ ومن يتحكم في البيانات؟ ومن يتحمل المسؤولية عند حدوث خلل تقني أو اختراق أمني؟

وهنا تأتي أهمية التعامل مع المؤسسات الوطنية القائمة مثل EBS بمنطق الإصلاح لا الإقصاء. فأي مؤسسة امتلكت خبرة طويلة في البنية المصرفية والدفع الإلكتروني يجب تطويرها وتقييم أدائها ورفع كفاءتها، وفي الوقت نفسه لا ينبغي إغلاق الباب أمام المنافسة والابتكار. فالخيار الصحيح ليس احتكار القديم ولا الاندفاع نحو الجديد، بل بناء نموذج متوازن يحافظ على السيادة ويستفيد من التطور.

لذلك فإن قضية العسجد كشفت مشكلة أكبر من مجرد رخصة، وهي ضرورة مراجعة دورة اتخاذ القرار داخل المؤسسات السيادية.

هل تمت دراسة كل المخاطر الفنية؟
هل تم تقييم الأمن السيبراني؟
هل تمت دراسة أثر القرار على المنظومة القائمة؟
هل تم التنسيق بين الجهات المصرفية والفنية والأمنية قبل الوصول إلى مرحلة الإعلان؟

هذه ليست أسئلة اتهام، وإنما أسئلة بناء مؤسسات.

فالمال في العصر الحديث لم يعد أوراقاً نقدية فقط، بل أصبح بيانات وشبكات وأنظمة، والسيطرة على مسارات الدفع والتسويات أصبحت جزءاً من قوة الدول الاقتصادية.

ومن زاوية أخرى، فإن التراجع السريع عن القرار يحمل تكلفة مؤسسية لا يجب تجاهلها. فعندما يرى المستثمر أن مشروعاً في قطاع حساس يتم تدشينه رسمياً ثم إلغاء رخصته بعد أيام، فإنه لا ينظر فقط إلى النتيجة النهائية، بل ينظر إلى استقرار الإجراءات التي أنتجت القرارين.
فالاستثمار يحتاج إلى بيئة يمكن التنبؤ بها، وإلى قواعد واضحة لا تتغير بعد الوصول إلى منصة الإعلان.

وفي الدول التي تقوم على المؤسسات، لا تنتهي مثل هذه الأحداث بمجرد إلغاء القرار، بل تبدأ بعدها عملية مراجعة: أين حدث الخلل؟ وكيف نمنع تكراره؟

إن قضية العسجد يجب ألا تنتهي بانتصار طرف على آخر، ولا يجب اختصارها في الأشخاص، بل يجب أن تكون بداية لإصلاح أعمق في منظومة منح التراخيص، وحوكمة القرارات السيادية، وتحديد العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في الاقتصاد الرقمي.

فالدول لا تحمي مستقبلها فقط بحماية حدودها ومواردها، بل بحماية مؤسساتها وقراراتها وبياناتها.

وفي عالم أصبحت فيه المعاملات الرقمية شريان الاقتصاد، فإن من لا يحكم بناء منظومته المالية اليوم، قد يجد نفسه غداً يمتلك المال… لكنه لا يمتلك مفاتيح حركته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى