رسالة في بريدي رئاسة مجلس الوزراء و وزارة الطاقة

دكتور جعفر أحمد خليفة
رسالة في بريد وزارة الطاقة ومؤسساتها ذات الصلة، وفي بريد رئاسة مجلس وزراء حكومة “الأمل” ، على خلفية التوضيح الصادر من الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء حول ما أثير مؤخراً من ردود فعل على ما أسماه التوضيح “تحديثاً لتشريعات موجودة مسبقاً”.
إنه لمفهومٌ أن يتدخل الجهاز ويمارس دوره الرقابي في مجال التوليد من الطاقة الشمسية حال كانت هنالك تشريعات فنية على أرض الواقع تسمح بتبادل الكهرباء بين الشبكة والمحطات الصغيرة المنشأة على أسطح المباني وغيرها، وذلك لضمان تصدير تيار كهربائي إلى الشبكة مطابق لمواصفات تيار شبكة التوزيع الحكومية ، ولضمان استخدام عاكسات (تعريب Inverters) بها خاصية منع التجزير الكهربائي (Unti – islanding). وإنه لمفهوم أن يتدخل الجهاز أو أي جهة حكومية أخرى لتنظيم سوق العمل في مجال الطاقة الشمسية وإصدار شهادات السماح بممارسة ذلك النشاط بناءً على إشتراطات محددة تستوفيها الشركات وأسماء الأعمال.
طيب، إذا كان كل ذلك مفهوم، لماذا إذاً مجرد تحديث تشريعات يثير غباراً فيثار حوله كل ذلك الغبار وردة الفعل المُستهجِنة؟
أقول الاستهجان والاستنكار كان منطقياً للأسباب التالية:
أولاً، التشريعات الفنية التي أشرت إليها والمبررة لتدخل الجهاز لا وجود لها في أرض الواقع. المواطن لم ينعم بعد بمجرد وجود تشريعات قانونية وترتيبات فنيه تشجعه على إنتاج الكهرباء من الشمس وتصدير فائض استهلاكه من إنتاجه المحلي إلى الشبكة القومية مقابل إعادته له مساءً، دعك عن أي حوافز أخرى.
ثانياً، ليس لائقاً أن يتولى الجهاز مهمة فحص الألواح، فتلك مهمة هيئة المواصفات والمقاييس، والتي هي الأخرى من الأفضل أن توكلها لطرف ثالث أكثر تخصصية لتتفرغ لمهمتها الأساسية (بريد مجلس الوزراء). الطرف الثالث من الممكن أن يكون مؤسسة حكومية مختصة أو من الممكن تأهيل شركات قطاع خاص للاضطلاع بالمهمة وذلك هو الأفضل، لتتفرغ مؤسسات الحكومة لمهمة رسم السياسات واصدار التشريعات ومراقبة إنفاذها وقياس مدى تحقيق أهدافها . أما وقد تولى الجهاز مهمة لا تناسب مساره وعنوانه العام، بل وفرض مقابلها رسوماً مالية، فمن الطبيعي أن يواجه بردة الفعل تلك.
ثالثاً، هنالك فراغ رقابي كبير جداً في ميدان آخر ، أثره على المستهلك لا يقل سوءاً عن دخول البلاد ألواح وعاكسات وغيرها بمواصفات رديئة (سأتطرق إلى نتائج ذلك الفراغ الرقابي في ختام هذا المقال). ذلك الفراغ يتعلق بتنظيم ممارسة المهن المتعلقة بالطاقة الشمسية، ابتداءً باستيراد مكونات أنظمة الطاقة الشمسية، ومروراً ببيع تلك المكونات، وتصميم الأنظمة، وانتهاءً بالتركيب. فإذا شمل قانون الجهاز أو أي مؤسسة أخرى هذا الجانب فإنه هو الأهم، وإن لم يشمل فإن الأمر يتطلب من المشرع تطوير قانون الجهاز أو أي مؤسسة حكومية أخرى مناسبة ليغطي هذا الجانب المهم (بريد مجلس الوزراء).
طيب، لماذا أثيرت ردة فعل استهجانية تستنكر ما نسب إلى الجهاز من إعلان يخص هذا الجانب بالرغم من أهميته؟ إنه موضوع الرسوم المالية مقابل ممارسة الجهاز لذلك الدور، ذلك إن صح ما تناقلته الأسافير. مؤسسات الحكومة من المفترض أن تحفز المجتمع على تناول حاجته من الكهرباء من الشمس لا أن تضع عراقيل مادية لاسيما أن رسوماً مّا قد سددت للحكومة مقابل تسجيل اسم العمل والشركة بالمسجل التجاري. هنالك مهندسين ومهندسات بادئين في هذا المجال ، يمتلكون رأس المال المعرفي ، وهو الأهم ، وقد يعوزهم رأس المال المادي، ينبغي تشجيعهم لا إثارة استيائهم . ما أثار الاستهجان ليس فرض الرسوم المالية فحسب، فقد خلا الإعلان، إن صح كل محتواه، من الإشتراطات المهنية على الشركات وأسماء الأعمال والتي تمثل روح تنظيم سوق العمل في مجال الطاقة الشمسية. بعبارات أخرى، تنظيم سوق العمل لا يعني إجبار الشركات وأسماء الأعمال على التسجيل لدى الجهاز أو غيره لنيل إذن الممارسة مقابل رسوم ما. فالأهم من ذلك الاشتراطات المهنية على الشركات.
سأسلط الضوء بإيجاز على الفوضى الموجودة بسوق الطاقة الشمسية وآثارها السالبة على المستهلك والمال العام، وما يلزمها من معالجات قد يكون لائقاً أن يضطلع بها الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء أو غيره.
في الوقت الراهن، كثيرون دخلوا مجال استيراد مكونات أنظمة الطاقة الشمسية أو بيع المكونات بالجملة أو بالتجزئة ، أو القيام بتنفيذ تركيبات أنظمة شمسية دون تصميم حقيقي، وليس لديهم كأشخاص أو شركات أدنى معرفة بالمجال من ناحية فنية. حسناً، إنه من حق أي مواطن أن يسعى للربح وزيادة دخله، لكن ينبغي أن يلزم بتوظيف “كادر مختص”، وذلك يمثل روح ضبط وتنظيم سوق الطاقة الشمسية .
نتيجة لغياب المعرفة الفنية المصاحبة للنشاط التجاري في هذا المجال، قد حدثت أخطاء فادحة دفع ثمنها المستهلك ، كما أهدر مال عام كثير عندما يتعلق الأمر بتركيبات في مؤسسات حكومية. لقد وقفت شخصياً على حالات تركيبات طاقة شمسية جعلت المستهلك يفقد الثقة في هذا المصدر ويعتبره كذبة كبيرة، وسبب ذلك هو غياب تنظيم سوق ذلك النشاط. بل في يوم واحد وقفت صدفة على تركيبين لأنظمة طاقة بمؤسسات حكومية بالعاصمة القومية، كانت بها أخطاء فادحة اعترف المسؤول بإحدى المؤسستين بالخطأ والفخ الذي وقعت فيه مؤسسته.
إن توظيف كادر مختص يجنب المستورد والبائع المحلي والمقاول الوقوع في فخ الخداع الفني وهو يشتري بضاعته من البائع الخارجي أو المحلي ، ويجنبه الوقوع في فخ مخالفة القوانين.
ومن الممارسات الخاطئة، فقد لاحظت أن تاجر التجزئة يقوم بتحديد ما يلزم المشتري من مكونات الانظمة وهو لا يملك أدنى حصيلة معرفية تؤهله للمهمة. إذن، فعلاً نحتاج لإذن ممارسة النشاط الموصوف بنصوص قانونية تقيد الممارسة بتوفر الأهلية المهنية، وهنا أنبه إلى أن إذن الممارسة لا ينبغي أن تصحبه رسوم مالية، وإن كان ثمة ضرورة فينبغي أن تكون رسوماً رمزية، فالحكومات المحترمة تحفز أنشطة الطاقة المتجددة ونحن في السودان أحوج إلى ذلك.
إذن نحتاج لتشريع يلزم الأنشطة المتعلقة بالطاقة الشمسية بتوظيف كوادر فنية مؤهلة، وهنا يبرز الدور الرقابي للجهاز أو أي مؤسسة رسمية أخرى مناسبة؛ فضلاً عن ذلك، فإن الإقبال الكبير على الطاقة الشمسية وما يدفعنا كأمة سودانية للتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة بشكل عام، يوجب ميلاد جهاز مستقل يعنى بكل شؤون الطاقة المتجددة ببلادنا، لتكون كل الإجراءات ذات الصلة تحت مظلة إدارية واحدة.
أخيراً، أعتقد أن فك تضارب وتقاطع الاختصاصات، وتطوير التشريعات بما يواكب متطلبات الحال الراهن والمستقبل، والتطوير المؤسسي ، كل ذلك من اختصاصات مجلس الوزراء (البريد الأهم).
هذا وسيتم التطرق لموضوع الكادر المختص في مقال منفصل إن شاء الله.



