رأي

الأسلحة الذكــية .. هل العالم بحاجة إلى قواعد جديدة لإدارة حروبه ؟

د.إيناس محمد أحمد

النزاعات المسلحة سمة اجتماعية ظهرت مع تطور الحياة البشرية عبر الحضارات الإنسانية المختلفة منذ فجر التاريخ ،كانت النزاعات قديما تنظمها قواعد عرفية مستقرة ومتداولة بين الدول حينها ، ثم جاء مقترح تدوينها فظهرت أولى القواعد المنظمة عبر اتفاقية جنيف عام 1864م بغرض تحسين حالة الجرحى العسكريين في ميدان المعركة، ثم جاء إعلان سان بطرسبرج عام 1868م بشأن حظر استخدام قذائف معينة في الحروب ، ثم جاءت بعد اتفاقيات لاهاي 1899_1907م ثم اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949م وبرتوكالاتها الإضافية للعام 1977م ، بالإضافة الي صدور أول وثيقة مكتوبة لقواعد الحرب البحرية عام 1929م ، لنكون أمام أول إطار قانوني مكتمل لتنظيم سير النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية .

عقب الحرب العالمية الأولى (1914 _ 1918)م ، والحرب العالمية الثانية (1939_ 1945)م ، وبعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945م ،ظهرت جهود لفقهاء القانون الدولي لوضع تدابير لتحقيق الأمن والسلم الدولي الذي جاء متفقاً مع مبادئ الأمم المتحدة وليحل محل نظام توازن القوي ، ثم جاء القانون الدولي الإنساني ليوضح المبادئ الدولية التي تحكم وتضبط النزاعات المسلحة سواء دولية أو غير دولية ، ومن أهم تلك الضوابط استخدام الأسلحة وأنواعها بحيث يحظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلاما حادة أو خسائر فادحة غير مبررة أو تسبب أذى يستمر على المدى البعيد أو تزيد من معاناة البشر بلا فائدة مرجوة لتحقيق أهداف عسكرية.

بعد ذلك ومع ازدياد وتوسع النزاعات المسلحة والحروب في العديد من أنحاء العالم وجد القانونيون أنهم أمام فراغ قانوني كبير لابد من السيطرة عليه ، مما أدى إلى عقد معاهدة الأمم المتحدة لعام 1980م لتشكل مظلة لحظر استخدام أنواع معينة من الأسلحة صنفتها بأنها (غير انسانية).

لم يتوقف العالم الملتهب فكثرت الحروب وانتشرت الأسلحة وتطورت تكنلوجيا تصنيعها وازدهرت أساليب تجارتها في كل أنحاء العالم ، نتيجة لهذة المعطيات السريعة ، جاء تصريح سان ستراسبورغ وتقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1995م ليتم حظر الأسلحة السامة و الخانقة والضارة بالبشر والبيئة، وكذلك حظر الأسلحة الجرثومية والكيميائية والبيولوجية و التي تسبب العمي ، والذرية ، والقذائف المتفجرة القابلة للانتشار، والأسلحة التي لايمكن الكشف عن شظاياها في الجسم بالأشعة .

تغيرت أساليب الحرب وتطورت الأسلحة وظهرت أنواع جديدة من الاسلحة (أسلحة ذاتية التشغيل) غيرت شكل النزاعات المسلحة فأصبحت (الحروب ذكية) تعتمد علي تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، الأمر الذي يجعل قواعد القانون الدولي الإنساني الآن أمام تحدٍ كبير حول الأضرار التي تسببها هذة الأسلحة ومشروعية هذة الأسلحة ولماذا لجأت إليها الدول في نزاعاتها و المسؤولية الدولية المترتبة عن الأضرار الناتجة من هذة الاسلحة بالإضافة إلى مدى تقيدها بمبادئ القانون الدولي الإنساني.

أصبحنا في عصر تحولت فيه الحروب من المفهوم التقليدي إلى الفضاء الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence ) أو اختصارا (AI) لتصبح خاصية التشغيل الذاتي من خصائص التكنولوجيا المرتبطة بمنظومة الأسلحة لا السلاح ذاته ، مما يثير اشكالية تحديد الطبيعة القانونية لهذة الأسلحة لأن اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949م وبرتوكالاتها الإضافية للعام 1977م قد لا تستطيع تحديد الوضع القانوني لها .

يبقي السؤال ما مدي تقييد الأسلحة ذاتية التشغيل بمبادئ القانون الدولي الإنساني الحالية ؟؟؟
وهنا وحسب المبادئ القانونيةالملزمة في الدولي الانساني يجب علي الدول الالتزام بـ”مبدأ التمييز” وهذا المبدأ يعد جزءًا من القانون الدولي الانساني وهو قاعدة عرفية آمرة لا يجوز تجاوزها لأنها تهدف لحماية المدنيين والأعيان المدنية، فإذا كانت الأسلحة ذاتية التشغيل لا تفرق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية مما يسبب عدم تحقق الفائدة المرجوة من الهجوم العسكري ، إذن فإن المبدأ لا يتحقق وبالتالي تحدث المخالفة.

المبدا الثاني هو “مبدأ التناسب” وهو حجر الزاوية لتوفير الحماية القانونية للمدنيين والاعيان المدنية من أي استهداف عسكري ، هذا المبدأ نص عليه لأول مرة في إعلان سان بطرسبورغ عام 1868م و في الفقرة (5) من اتفاقية لاهاي 1907م وفي المادة 2/35 من البرتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف عام 1977م ، ويهدف المبدأ إلى مراعاة التناسب بين الضرر الذي يلحق بالخصم والمزايا العسكرية المتوقعة نتيجة لاستخدام القوة أثناءالحروب.

يترتب علي هذا المبدأ أن يتخذ المتحاربون كافة الاحتياطات الممكنة أثناء العمليات الحربية ، لكن كيف يتم ذلك عند استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل ؟؟

المبدا الثالث هو “مبدأ الضرورة العسكرية” بمعنى أن الغاية تحطيم الخصم وقدراته المادية والعسكرية والبشرية، وبالتالي لابد من استخدام وسائل عنف وقوة لتحقيق ذلك ..
هنا السؤال هو كيفية تقدير استخدام هذة القوة في الأسلحة ذاتية التشغيل؟؟
لابد أن تكون بالقدر اللازم لتحقيق الهدف العسكري فقط دون الاعتداء على المدنيين أو الاعيان المدنية فهل يمكن تحقيق ذلك ؟
المبدأالرابع هو “مبدأ الاحتياط عند شن الهجوم”، الاحتياط من إصابة المدنيين أو الأعيان المدنية داخل الدولة ، لكن يصعب الأمر في حرب المدن .

وفقاً للمبادئ السابقة التي يجب التقيد و الالتزام بها أياً كانت نوعية الأسلحة تقليدية أو حديثة، لكون مبادئ وقيم القانون الدولي ثابتة لا تتغير بينما المتغير هو الأسلحة المستخدمة، فإننا أمام تحدٍ كبير .

من جهة أخرى فإن القانون الدولي الإنساني يوجة المسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون جرائم تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، بينما نجد هنا أن مستخدم السلاح ذاتي التشغيل ينفذ أوامر قيادته العسكرية ، وهنا هل تلتزم الدولة بتعويض الأضرار التي تصيب المدنيين سواء كان بعمل أو بالامتناع عن عمل غير مشروع دوليا أو مشروع لكنه يشكل خطراً جسيماً وأذىً فادحاً وسبب هذا الأذى هو استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل ؟؟ وكيف يمكن تقدير ذلك ؟

القانون الدولي الإنساني يخاطب البشر الذين يرتكبون جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فهل يسأل المبرمج أو المصنع أو المستخدم للاسلحة ذاتية التشغيل؟؟

لابد من تطوير قواعد المساءلة والمسؤولية الدولية، واعتماد تقنية مراقبة دولية ذكية أيضاً ، وتعزيز الحوار الدولي متعدد الأطراف، ووضع مواثيق أخلاقية تراعي البعد الانساني في استخدام الأسلحة الذكية.

اثبتت التجارب علي أرض الواقع أن التكنولوجيا تؤثر علي سيادة الدول لأن الأقمار الاصطناعية تتجاوز كل الحدود ،فهل سنجد تعريفاً لمصطلح (السيادة الرقمية لدولة) و هل سيظل مبدأ عدم التدخل صامداً أمام اختراقات التكنولوجيا ؟
وكيف سيعرف القانون الاعتداء الذي يقع من دولة عبر اخترق مواقع البنى التحتية لدولة أخرى وتدميرها ؟؟ ماهي المسؤولية الدولية في البيئة الرقمية ؟

التحدي الحقيقي يكمن في قصور إمكانيات القانون الدولي الإنساني أمام سرعة وتيرة تطوير وتحديث الأسلحة الذكية والهجمات السيبرانية التي لا تتفق مع معايير القانون الدولي الإنساني ، حيث يتم مهاجمة تكنولوجيا المعلومات ونظم إمداد الطاقة والخدمات اللوجستية، ووسائل الاتصال ، والمنشآت الحيوية التي تعتمد علي وسائل تقنية المعلومات بحيث تستهدف الهجمات تعطيل هذة المرافق أو الاستيلاء على المعلومات المخزنة فيها أو إتلافها أو محوها أو تعديلها .

هذة هي صور للحرب غير التقليدية ، ولذلك سعي العالم إلى وضع اتفاقية عرفت باسم اتفاقية بودابست للعام 2001م أو باسم اتفاقية مجلس أوروبا بشأن الجرائم الإلكترونية، وهي أول معاهدة دولية ملزمة تهدف إلى تنسيق الجهود بين القوانين الوطنية والجهود الدولية لمكافحة الجرائم المتعلقة بشبكات الحاسوب والإنترنت.

رغم أنها اتفاقية ظهرت كمعاهدة إقليمية إلا أنها كانت الخطوة الأولى أمام العالم للانضمام إليها لتصبح إطاراً دولياً يمكن البناء عليه .

ثم جاء بعد ذلك (دليل تالين) وهو مرجع أكاديمي دولي غير ملزم قانونيا ، تم إعداده في مركز الناتو للدفاع التعاوني السيبراني ، ويوضح فيه كيفية تطبيق القانون الدولي في حال النزاعات المسلحة الدولية و الهجمات السيبرانية ، صدر في العام 2013م وكان مجلد يركز علي حالة الحرب يضم 95 قاعدة قانونية إرشادية لسلوك الدول في الحروب الإلكترونية أو الذكية ، ثم صدر مجلد آخر في العام 2017م يتناول أوقات السلم ويحتوي علي 154 قاعدة لمعالجة العمليات الإلكترونية الشرسة .

لكن دليل تالين رغم قيمته العلمية كمرجع ، إلا أنه غير ملزم وغير كاف لتنظيم السلوك السيبراني واستخدام الأسلحة الذكية بين الدول ، الأمر يستدعي اتفاقاً دولياً شاملاً يحقق الحماية القانونية للمدنيين ويحقق التوازن بين الأمن الرقمي والسيادة الدولية ، ويضع ضوابط محكمة واضحة لاستخدام الأسلحة ذاتية التشغيل أو الأسلحة الذكية ، لأن النيران لن تتوقف في عالم يضج بالنزاعات المسلحة و التطور التكنولوجي في مجال الأسلحة لا يحده معاهدة ولا تسيطر عليه اتفاقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى