رأي

إذا أردنا أن نطوي صفحة الحرب علينا أن نغلق أبواب الإقصاء

 

عادل الرفاعي أبوالحسن

شهد السودان عبر تاريخه أحداثاً سياسية وعسكرية كثيرة، لكن الحرب التي يعيشها اليوم تختلف عن كل ما سبق من حيث اتساعها، وقسوتها، وحجم الدمار الذي خلفته في الإنسان والعمران ومؤسسات الدولة.

 

لقد تركت هذه الحرب جراحاً عميقة في الوطن والمجتمع، وستحتاج بلادنا إلى سنوات من العمل الجاد حتى تستعيد عافيتها؛ اقتصاداً، ومؤسسات، ونسيجاً اجتماعياً، ودورها الحضاري. ولذلك فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة للمكايدات أو تصفية الحسابات، وإنما مرحلة لإنقاذ وطن وإعادة بناء دولة.

 

ومن هنا تأتي خطورة استمرار خطاب الإقصاء الذي يبدأ بكلمة «إلا»؛ إلا هذا الطرف، أو تلك الجماعة، أو ذلك المكوّن. وكأن استثناء الآخرين يمكن أن يكون طريقاً لبناء وطن مستقر. لكن تجارب الشعوب أثبتت أن الدول لا تُبنى بالإقصاء، وإنما بالقانون والعدل والمؤسسات.

 

إن السودان اليوم أمام حقيقة واضحة: البيت قد تضرر، والباب قد كُسر، والأولوية ليست في البحث عمّن نمنعه من الدخول، وإنما في إصلاح الباب أولاً، وترميم البيت، ووضع القواعد التي تنظّم الدخول إليه. فالمهمة الوطنية الآن هي إعادة بناء الدولة، لا فتح أبواب جديدة للخلاف.

 

ولا تزال الأولوية الأولى هي استكمال استعادة الدولة لسيادتها الكاملة على أراضيها، وبسط الأمن والاستقرار، وعودة مؤسسات الدولة إلى أداء دورها الطبيعي. فقبل أن نختلف حول تفاصيل المستقبل، علينا أن نضمن وجود الدولة القادرة على إدارة هذا المستقبل.

 

وبعد تثبيت الدولة، تأتي مسؤولية بناء المرحلة القادمة على أسس واضحة؛ بوضع السياسات اللازمة، واختيار الكفاءات السودانية القادرة على إدارة هذه المرحلة، بعيداً عن الإقصاء أو المحاصصة. فالمعيار يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الوطن.

 

أما الحديث عن الاستقلالية المطلقة في العمل العام فهو أمر يحتاج إلى مراجعة؛ فالإنسان يحمل رؤية وموقفاً وتقديراً، وقد يميل إلى تيار أو مدرسة سياسية معينة، سواء كان عضواً منظماً فيها أو لا. والمهم ليس ادعاء الحياد الكامل، وإنما الالتزام الكامل بالمصلحة الوطنية والقدرة على إدارة الدولة بمهنية ومسؤولية.

 

لذلك فإن الأولوية ليست في تكرار كلمة «إلا»، وإنما في الإجابة عن الأسئلة الأساسية التي تحدد مستقبل السودان: كيف تُدار المرحلة القادمة؟ وما شكلها؟ وما مدتها؟ وما السياسات التي تقود البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة تكون فيها الكلمة الأخيرة للشعب؟

 

إن المسؤولية التاريخية والأمانة الوطنية تقتضيان اليوم أن تتجه كل الجهود نحو تحويل هذه المحنة إلى منحة؛ عبر ترميم النسيج الاجتماعي، وتعزيز التعايش السلمي، والتسامي فوق الجراح، وتحقيق المصالحة والتعافي الوطني.

 

فالشعوب التي مرت بحروب ومآسٍ كبرى استطاعت أن تنهض عندما اختارت أن تجعل من آلامها بداية جديدة، وأن تقدم مصلحة الوطن على الانتقام وتصفية الحسابات. فالحرب، رغم قسوتها، قد تكون فرصة لمراجعة الماضي وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

 

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً؛ فقد الأرواح، وتشرد الملايين، وضاعت الممتلكات، وتضرر التراث والتاريخ. وفي ظل هذه الخسائر الكبرى، فإن استمرار الانقسام لا يخدم إلا إعادة إنتاج الأزمة.

 

كما أن مسؤولية بناء الدولة لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تقع أيضاً على الشعب السوداني الذي أثبت خلال هذه المحنة صبراً وصموداً كبيرين. فكما وقف دفاعاً عن وطنه في لحظة الخطر، فعليه أن يواصل دوره في حماية مسار الدولة، ومراقبة أدائها، والمشاركة في صناعة مستقبلها.

 

فلا أحد يملك السودان وحده، ولا أحد يحتكر حق تحديد مستقبله. الوطن ملك لجميع أبنائه، والسيادة فيه للشعب، والشرعية الحقيقية لا تُستمد إلا من إرادته الحرة عبر الوسائل الدستورية والقانونية.

 

هذه بديهية قد تبدو بسيطة، لكنها جوهر بناء الدول:

فالوطن لا يُبنى بكلمة «إلا»، وإنما يُبنى بالقانون، والعدل، والمؤسسات، وإرادة شعبه.

 

وإذا أردنا أن نطوي صفحة الحرب إلى غير رجعة، فعلينا أن نغلق أبواب الإقصاء، ونفتح أبواب الدولة؛ دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، وتكون فيها المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

 

فالأوطان التي تتعلم من مآسيها تنهض، أما التي تعيد إنتاج أسباب انقسامها، فإنها تبقى أسيرة الحلقة نفسها مهما تغيرت الوجوه والشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى