رأي

الكهرباء.. لا تحدثونا عن إعادة الإعمار!

 

 

 

مهند عوض محمود

 

 

كتب الأخ العزيز الدكتور أسامة الطيب مقالاً مهماً بعنوان «قطاع الكهرباء.. عجز القادرين على التمام»، وضع فيه إصبعه على واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في السودان اليوم. وأجدني أذهب أبعد منه قليلاً؛ فما يحدث في قطاع الكهرباء لم يعد مجرد أزمة خدمة، وإنما أصبح أزمة اقتصادية واختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على إدارة مرحلة التعافي بعد الحرب.

 

الكهرباء ليست رفاهية، وليست مجرد مصباح ينطفئ في منزل. الكهرباء مصنع يتوقف، ومزرعة تعطش، ومستشفى تتعطل خدماته، ومتجر ترتفع تكلفته، ومستثمر يحسب تكلفة الإنتاج ثم يقرر أن يضع أمواله في مكان آخر.

 

نتفهم حجم الدمار الذي أصاب القطاع خلال الحرب، من نهب للمحولات والكوابل وتخريب للمنشآت وخروج أجزاء من الشبكة عن الخدمة، ونقدر جهود العاملين الذين حافظوا على ما أمكن وأعادوا أجزاء منها في ظروف بالغة الصعوبة. لكن الاعتراف بحجم الدمار شيء، وتحويل الحرب إلى تبرير مفتوح بلا سقف زمني شيء آخر.

 

فالسؤال الآن ليس ماذا دمرت الحرب، وإنما: ماذا فعلت الحكومة لإصلاح ما دمرته الحرب؟

وأين خطة الطوارئ القومية لإعادة تأهيل الكهرباء؟ كم محولاً نحتاج؟ كم كيلومتراً من الكوابل يجب استبداله؟ ما تكلفة إعادة الشبكة؟ ماذا تم شراؤه وماذا وصل؟ وما الجدول الزمني لعودة الإمداد إلى مستوى مقبول؟ لا نريد تصريحات عامة، وإنما خطة بأرقام وتواريخ يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عليها.

 

والأغرب أننا، رغم حجم الاحتياجات، لا نرى عطاءات عامة وواسعة بالقدر الذي تفرضه الكارثة لشراء المحولات والكوابل والقواطع والمعدات وقطع الغيار، ولا نرى استنفاراً حقيقياً للشركات السودانية والقطاع الخاص للاستفادة من علاقاتهم بالمصانع والموردين والمؤسسات التمويلية في الخارج. وإذا كانت الدولة تعاني شح النقد الأجنبي، فهناك شركات تستطيع ترتيب التوريد والتمويل والتسهيلات التجارية. فلماذا لا تطرح الاحتياجات بشفافية ويتنافس الجميع على توفيرها؟

 

إعادة بناء شبكة كهرباء دولة خرجت من حرب لا يمكن أن تدار بعقلية الأبواب المغلقة. وإذا كان توريد احتياجات القطاع محصوراً عملياً في جهات محددة، فمن حقنا أن نسأل عن معيار النجاح. فإذا كانت النتيجة انقطاعاً يمتد لساعات طويلة ولا توجد رؤية واضحة لموعد انتهاء الأزمة، فما المبرر لعدم توسيع دائرة المشاركة والمنافسة؟

 

ثم هناك تناقض يصعب تجاهله. رئيس الوزراء يدعو السودانيين في الخارج إلى العودة إلى بلادهم، وهي دعوة نؤيدها، ولكن العودة ليست تذكرة طائرة وشعاراً وطنياً. المواطن الذي يعود يحتاج إلى منزل يمكن أن يعيش فيه، ومياه وكهرباء ومستشفى ومدرسة ومكان يعمل فيه. فكيف ندعو السودانيين للعودة إلى مدن تعيش انقطاعاً شبه مستمر للكهرباء، وهي خدمة كانت حتى وقت قريب مستقرة إلى درجة بعيدة؟

 

وكيف ندعو المستثمر للعودة، والمصنع لزيادة الإنتاج، والمزارع للتوسع، بينما لا يعرف أي منهم متى تأتي الكهرباء ومتى تنقطع؟ لا يمكن أن نتحدث عن العودة والإعمار والاستثمار والإنتاج، بينما أهم مدخل لكل ذلك غير مستقر.

 

والكهرباء في السودان ليست مشروعاً نبدأه من الصفر. كانت هناك شبكة ومحطات وخبرات ومؤسسات، وما دمرته الحرب يحتاج إلى حصر وإعادة بناء واستبدال سريع لما نُهب، بالتوازي مع زيادة الإنتاج لاستيعاب الطلب. وهذا يتطلب عطاءات مفتوحة وشفافة، ومشاركة حقيقية للقطاع الخاص، وتمويلاً مصرفياً، وشراكات مع المصنعين الدوليين، وفتح المجال للاستثمار الخاص في إنتاج الكهرباء وفق عقود وتشريعات واضحة. الدولة ليست مطالبة بأن تمول وتبني وتنتج كل ميغاواط بنفسها.

 

أما الطاقة الشمسية فهي جزء مهم من الحل، لكنها لا يمكن أن تصبح إجابة الدولة عن عجز الشبكة القومية. لا يمكن أن نقول للمصنع والمزارع والمستشفى والأسرة: اشتروا الألواح والبطاريات وحلوا المشكلة بأنفسكم؛ لأن هذه التكلفة ستنتقل في النهاية إلى أسعار الغذاء والدواء والسلع والخدمات ويدفعها المواطن.

 

الحكومة التي تريد إعادة بناء الاقتصاد يجب أن تضع الكهرباء في مقدمة أولوياتها. فالمصنع بلا كهرباء مبنى، والمشروع الزراعي بلا كهرباء أرض، والاستثمار بلا كهرباء مخاطرة، والعودة بلا خدمات لا يمكن أن تتحول إلى استقرار حقيقي.

 

نحن لا ننكر ما دمرته الحرب ولا نقلل من جهد العاملين في القطاع، لكن المواطن لم يعد يحتاج إلى شرح أسباب المشكلة بقدر حاجته إلى معرفة ما الحل ومتى يراه.

 

فإذا كانت الإمكانات الحكومية لا تكفي، افتحوا الباب للقطاع الخاص. وإذا كانت الجهات القائمة على الملف لا تستطيع وحدها تلبية الاحتياجات، فوسعوا دائرة المنافسة. وإذا كان التمويل غير متاح، فاطرحوا مشروعات التوليد للاستثمار واستفيدوا من رؤوس الأموال السودانية وعلاقات الشركات في الخارج.

 

أزمة الكهرباء اليوم لم تعد أزمة قطاع واحد، وإنما أصبحت معياراً لجدية الدولة كلها في الحديث عن التعافي وإعادة الإعمار.

 

الحرب تفسر لماذا دُمرت الكهرباء، لكنها لا يمكن أن تظل إلى الأبد تفسيراً لعدم إصلاحها.

 

لذلك لا تحدثونا كثيراً عن العودة والاستثمار والزراعة والصناعة قبل أن نرى خطة واضحة، معلنة، ممولة ومحددة الزمن لإعادة الكهرباء.

 

لأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالمؤتمرات والخطب والوعود؛ إعادة الإعمار تبدأ عندما نضغط المفتاح… فيضيء المصباح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى