رأي

حربٌ على حدودنا… فماذا أعددنا؟

عادل الرفاعي أبوالحسن

 

تتزايد المؤشرات والتصريحات التي تتحدث عن احتمال اندلاع مواجهات عسكرية بين إثيوبيا وإريتريا. وفي هذا السياق، نُسب إلى دبلوماسي إثيوبي، يُشار إليه باعتباره سفير إثيوبيا لدى كينيا، تصريحٌ تحدث فيه عن أن أي مواجهة بين البلدين قد تتجاوز حدود الصراع المحدود، وأنها قد تمتد إلى مدى لا يمكن التكهن به، بل أشار إلى احتمال أن تصل إلى حد زوال الحكومة الإريترية.

 

إن خطورة هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما في طبيعة السيناريو الذي يطرحه؛ فحديث مسؤول دبلوماسي عن حرب قد لا يُعرف مداها أو حدود امتدادها يجعل من الضروري دراسة كل الاحتمالات الإقليمية، خاصة أن السودان هو الأقرب جغرافياً إلى مسرح هذه التطورات.

 

ومن هنا فإن المطلوب من السودان هو التعامل مع هذه المؤشرات بمنهج الدولة التي تستبق الأحداث، وتستعد قبل أن تتحول الاحتمالات إلى واقع.. فهذا سيناريو يجب دراسته والاستعداد له، ما دامت تلوح في الأفق نُذُرُ حرب.

 

وهنا يأتي مبدأ الحيطة والحذر (Prudence Concept)؛ فالدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية تضع الخطط منذ ظهور المؤشرات الأولى، وتستعد لكل السيناريوهات، من أقلها تأثيراً إلى أصعبها.. والسودان اليوم لا يبدأ من فراغ؛ فالحرب الحالية قدمت دروساً عميقة حول طبيعة الصراعات الحديثة، وكيف أصبحت الحروب ترتبط بعوامل متعددة تتجاوز المواجهة التقليدية.

 

لقد كشفت الحرب الحالية أهمية التكنولوجيا في إدارة الصراع؛ فقد ظهرت قدرات تعتمد على الأقمار الاصطناعية، والاستطلاع والرصد المتقدم، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الاتصالات المشفرة، ووسائل التشويش، وأدوات الحرب الإلكترونية، وهي تقنيات أصبحت عاملاً مؤثراً في كشف التحركات، ومتابعة الميدان، وإدارة العمليات العسكرية.

 

وهنا يبرز درس استراتيجي مهم: إذا كانت هذه الميليشيا المتمردة قد استطاعت الوصول إلى هذا المستوى من القدرات التقنية المتقدمة، فكيف يكون الحال عندما يكون الطرف المقابل دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية وتقنية متطورة؟

 

وهذا يفرض على السودان إعادة قراءة مفهوم الأمن والدفاع في العصر الحديث؛ فالحروب لم تعد تعتمد فقط على السلاح والقوة البشرية، وإنما أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات، والتكنولوجيا، والقدرة على الرصد والتحليل وحماية الاتصالات.

 

فالدرس الأكبر من التجربة الحالية هو أن الأمن القومي يُدار بالاستعداد المسبق، والقراءة الصحيحة، والقدرة على قراءة المشهد والمسرح السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي في المنطقة والإقليم.

 

كما أن تجربة الحرب الحالية أظهرت أهمية وجود خطط أصلية وبديلة، لأن الصراعات الحديثة قد تمتد لفترات طويلة، وتتداخل فيها عوامل داخلية وإقليمية ودولية.

 

ولهذا يجب أن تكون أي تطورات محتملة في شرق السودان أو الإقليم جزءاً من تقدير استراتيجي شامل، يأخذ في الاعتبار كل الملفات المرتبطة بالأمن القومي، بما فيها القضايا الحدودية والتاريخية، ومن بينها ملف الفشقة باعتباره أحد الملفات المؤثرة في حسابات المنطقة.

 

ماذا أعددنا؟

 

السؤال الذي يطرح على الحكومة السودانية اليوم هو:

في ظل هذه المؤشرات والاحتمالات، ماذا أعددنا؟ وهل توجد خطط واضحة للتعامل مع مختلف السيناريوهات؟

 

هل هناك تصور متكامل للاستنفار يبدأ بالمناطق الحدودية وأبنائها، ثم المناطق المجاورة، ثم يتوسع وفق تطورات الموقف وحجم التهديد؟

هل حُددت الاحتياجات البشرية واللوجستية والمالية لكل مرحلة؟

وهل وضعت الدولة في حساباتها احتمال أزمة قصيرة، أو مواجهة طويلة قد تمتد لأشهر أو سنوات؟

 

إن التفكير الاستراتيجي يقتضي إعداد الخطط على أساس أسوأ السيناريوهات المحتملة؛ لأن الدولة الناجحة تستعد لما هو أصعب حتى تكون قادرة على التعامل مع ما هو أقل.

 

كما يجب أن تشمل الخطط الجانب الإنساني؛ فأي اضطراب واسع في دولة مجاورة قد يؤدي إلى موجات نزوح كبيرة تشكل ضغطاً على الخدمات والموارد، خصوصاً أن السودان يمر أصلاً بظروف حرب خلفت أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة.

 

ولهذا يجب أن تكون هناك ترتيبات مسبقة تشمل تحديد أماكن الإيواء، وتجهيزها، وتنظيم عمليات الدخول والتسجيل، وتوفير الخدمات الأساسية، والتنسيق المبكر مع المنظمات الدولية والإقليمية المختصة.

 

كما تحتاج إدارة أي موجة نزوح إلى تنظيم يحقق الجانب الإنساني ويحافظ في الوقت نفسه على أمن الدولة واستقرار المجتمعات المضيفة.

 

الاستعداد يبدأ الآن:

 

القاعدة في إدارة الأزمات واضحة: عندما تلوح في الأفق نُذُرُ حرب، فإن الدولة تتحرك مبكراً.. تضع خططها، وتحدد أولوياتها، وتبني جاهزيتها على مختلف الاحتمالات، ثم تتابع المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية وتراجع خططها وفقاً لتطور الأحداث.

 

فقد تتراجع احتمالات التصعيد، وقد تبقى الأزمة محدودة، وقد تتطور إلى مسار أكثر تعقيداً.. لكن الدولة التي تستعد مبكراً تكون أكثر قدرة على حماية أمنها ومصالحها.

 

نحن نريد أن نطمئن إلى أن الدولة تنظر إلى المستقبل بعين استراتيجية، وأن الاحتمالات مدروسة، وأن الخطط موجودة، وأن السودان مستعد لكل ما قد يطرأ.

 

وكما قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فالحيطة والحذر منهج دولة، والاستعداد مسؤولية وطنية.. ومن البديهي أن نسأل سؤالاً مشروعاً أمام هذه المؤشرات والتحديات:

ماذا أعددنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى