ثلاثية التنمية: الخريجون.. التمويل الأصغر.. والحركة التعاونية

فـؤاد قبـاني
آلاف الخريجين عادوا، وهم يسرحون الآن في شوارع المدن الكبيرة، يهيمون على وجوههم بعد سنوات من السهر والسفر والشتات. منهم من حمل السلاح ودافع عن العرض والأرض ولا يزال، ومنهم من أجبرته الظروف على حمل إخوته الصغار أو والديه الكبار، ونجا بهم من هدير المدافع وزخات الرصاص، ولاك الصبر على دراهم معدودة في عمل من أجل توفير كسرة خبز لأسرته في بلد نزوح لا يرحم أحدًا.
بدأت الدولة فكرة التمويل الأصغر قبل سنوات الحرب، ولكنه ظل مقيدًا بالضامن الغارم أو الرهن العقاري. ومعظم الشباب الهائمين على وجوههم في المدن لا يملكون ضامنًا غارمًا في عواصم المدن، ولكن شيخ الحلة أو العمدة يعرفه، ويمكن أن يضمنه ويضمن كل شباب القرية. لكنه إذا ذهب إلى البنك سيقال له: أنت لا تملك حسابًا في البنك ولا رقمًا تعريفيًا، فكيف تضمن؟ وهكذا يصبح، في نظر البنك، غير مؤهل للضمان.
أما الاتحاد التعاوني، فقد اجتهد أهله، وكانت ثمرة جهدهم التاكسي التعاوني، وبنك التعاون، وشركة التأمين التعاوني، ومطاحن الغلال، إضافة إلى مشاركته في عدد من المشروعات. لكنه لم يعد بالنشاط نفسه، ويحتاج إلى حراك قوي ليؤدي دوره القادم في إعمار السودان، بإذن الله.
هذا الثالوث الذي ذكرته، إذا نسقنا الحركة بين أطرافه، نستطيع أن ننهض بالسودان في حراك جاد لتفعيل نهضة تنموية تعتمد على الشباب وتنمية أرياف السودان.
هناك قيود تواجه هذه الجهات الثلاث، ويجب معالجتها. وأولها الجهة الممولة، وهي بنوك التمويل الأصغر بمسمياتها المختلفة. ويجب وضع رؤية واضحة لكيفية نقل التمويل الأصغر إلى الأرياف والفرقان، وكيف يمكن للدولة تقنين أراضي وزراعات البادية لضمان استثمار شباب القرية في قيام نهضة زراعية. ويمكن في ذلك إشراك المحليات والعمد والنظار وأمراء القبائل.
كما يجب وضع دراسة لتغيير قانون التعاون ليستوعب متطلبات الحاضر؛ فالعدد 50 عضوًا الذي يمثل الحد الأدنى لتكوين الجمعية التعاونية يجب أن ينخفض إلى 7 أفراد، مع وضع رؤية ودراسة تتيح لشركة التأمين التعاونية تقديم ضمان تأميني للتمويل، بضمان أرض القرية.
فلن يستقيم أمر السودان ما لم تتم تنمية الريف والاستفادة من أراضيه البور التي نحتاج إلى زراعتها، ومن سواعد شبابه الفتية المحتاجة إلى العمل واللقمة الحلال.
أما الشباب بتخصصاتهم المختلفة، فيمكنهم خلق كيانات قابلة للتمويل. فخريجو الهندسة، مثلًا، يمكنهم إنشاء ورش في الأرياف والمدن الصغيرة لخدمة المشروعات الزراعية. وخريجو الزراعة والبيطرة يمكنهم إنشاء مزارع مختلطة تجمع بين الزراعة وتربية الحيوان. وحتى الأطباء وأصحاب المهن الطبية يمكنهم تقديم خدماتهم من خلال إنشاء مستوصفات تخدم القرى والمدن الصغيرة.
الأمر واسع، وسعته كبيرة، ويمكن أن يستوعب الخريجين، وأن يكون سببًا في نهضة السودان. فقط علينا أن نبتكر، ونجتهد، ونصدق في القول والعمل.
فاستوووووا يرحمكم الله.



