قراءة في المقترح الأميركي بتعميم حظر السلاح على السودان

د. إيناس محمد أحمد
الحرب في السودان دخلت عامها الرابع ، وهي لم تعد مواجهة بين القوات المسلحة السودانية والمليشيا المتمردة فقط بل هي مواجهة سرشة من شبكات معقدة وأطراف متعددة تتقاطع مصالحها وتتضارب أجنداتها لكنها تتفق في استهداف السودان وثرواته وسيادته ، وسط هذه الأجواء يظهر على طاولة مجلس الأمن مقترح حظر توريد السلاح علي كامل الأراضي السودانية، والمعروف أن حظر توريد الأسلحة أداة من أدوات الفصل السابع لحفظ السلم والأمن الدوليين .
الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة هو إطار قانوني يمنح مجلس الامن سلطة اتخاذ إجراءات قسرية قد تكون عسكرية أو غير ذلك لحماية السلم والأمن الدوليين سواء كانت النزاعات داخلية أو دولية، ويبدأ تطبيق أحكام الفصل السابع حينما يحدد المجلس وفقا للمادة 39 وجود تهديد للسلم أو الاخلال به أو وقوع أعمال عدائية ، ولذلك حدد مجلس الأمن الأعمال العدائية والتهديدات التي تشكل تهديد لاستقرار السلم والأمن الدوليين وأهمها الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل أو الاتجار بالأسلحة غير المشروعة.
كذلك يخول الفصل السابع لمجلس الأمن اتخاذ التدابير (لمنع تفاقم الموقف) و هذه العبارة تعطي نطاقاً واسعاً لعدة أنواع من التدابير منها سحب القوات المسلحة والامتناع عن الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار وتهيئة الظروف الاستثنائية لإدخال المساعدات الإنسانية دون عراقيل وبسرعة.
و من أكثر تدابير مجلس الأمن التي يستخدمها لانفاذ مقرراته (الجزاءات) والتي يمكنه فرضها على الدول أو الجماعات أو الأفراد، وتشمل جزاءات اقتصادية أو تجارية أو حظر توريد الأسلحة أو حظر السفر أو القيود المالية أو التجارية أو الدبلوماسية ، ويمكنه أيضا اللجوء إلى البند42 من الفصل السابع الذي يعطي المجلس حق القيام بأي تحرك يراه مناسباً ولو كان عسكرياً كما حدث للعراق قبل غزوه في 2003م ، بالإضافة إلى حرب الخليج الثانية وكذلك ضد الكوريتين إبان الحرب الأهلية عام (1950_ 1953) .
قرارات مجلس الأمن بموجب الفصل السابع ملزمة لكل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وليست توصيات ، وهنا تكمن خطورة الفصل السابع .
في المقابل هذة القرارات يمكن إيقافها بحق الفيتو الذي تملكه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ، حيث يكفي صوت واحد فقط بالرفض لاسقاط القرار نهائيا بغض النظر عن موافقة بقية الأعضاء.
تاريخياً يذكر سجل القانون الدولي أن أول مرة يفرض فيها مجلس الأمن حظراً للأسلحة كان حظرا تطوعيا (غير الزامي) في أغسطس 1963م بموجب القرار رقم 181ضد دولة جنوب أفريقيا احتجاجا علي سياسات الفصل العنصري ، ثم جاء القرار رقم 232 للعام 1966م الصادر عن مجلس الأمن ردا علي إعلان حكومة الاقلية البيضاء في روديسيا الجنوبية (زيمبابوي حالياً) استقلالها من طرف واحد عن بريطانيا في العام 1965م وكان قراراً الزامياً يحظر توريد الاسلحة وعقوبات اقتصادية أخرى مثل المعدات العسكرية والسيارات والطائرات بالإضافة إلى حظر توريد النفط ، وتم رفع هذا الحظر في ديسمبر 1979م بعد استقلال زيمبابوي .
علي الصعيد الوطني فرض حظر الاسلحة من مجلس الأمن الدولي علي السودان تحديدا علي دارفور بموجب القرار رقم 1556الصادر في 30 يوليو 2004م والذي فرض أول حظر على توريد الأسلحة للكيانات غير الحكومية كـ(المليشيا مثلا) ثم تم توسيعه وتشديده بالقرار رقم 1591 الصادر في 29 مارس 2005م ، ليطبق الحظر على الأطراف التي تعرقل عملية السلام في دارفور ، وتم تكوين لجنة لتجميد الأصول وحظر السفر ، لكن الحظر كان قاصرا علي إقليم دارفور ويتم تجديده سنويا منذ ذلك الوقت .
في 25 أغسطس الجاري عقد مجلس الأمن في نيويورك جلسة استثنائية بدعوة من الدنمارك لمناقشة حماية المدنيين وإلقاء الضوء علي الوضع الانساني في السودان ، فكانت المطالبة بهدنة انسانية وتوسيع تفويض المحكمة الجنائية الدولية ليشمل كل السودان فجاء رد مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الافريقية والعربية ، بتقديم مقترح بتوسيع حظر تصدير الاسلحة المفروض علي دارفور ليعم كل البلاد ويشمل الحظر الطائرات المسيرة .
ومع أن المقترح الأميركي الذي يستند على قرار مجلس الأمن رقم 1591الصادر في 2005م المفروض علي إقليم دارفور فقط، لم يخضع للتصويت، فقد أيدته الدنمارك وبريطانيا وفرنسا، بينما لاقى معارضة من الصين وروسيا .
هذا المقترح الأميركي المعوج يمنع الجيش السوداني من حقه في التسليح وتطوير أسلحته للقيام بدوره الوطني والدستوري في حماية البلاد وهو جيش البلاد الشرعي ، ويساوي بينه وبين مليشيا متمردة إرهابية وهو أمر مخالف للقانون ولا يمكن قبوله ، في حين أن عملية حظر توريد السلاح لن تؤثر على المليشيا لأن السلاح يصلها بالتهريب وبطرق غير مشروعة وعبر دول تمول المليشيا لتستمر الحرب وأمريكا تعرف ذلك !!
يشمل المقترح الأميركي أيضا زيادة عدد أعضاء فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 لتعزيز القدرة علي تتبع ورصد الانتهاكات..
السؤال لماذا لم يكن مقترح الولايات المتحدة السعي لإنهاء الحرب بتدابير دولية معروفة تمنع تمول المليشيا بالسلاح والمرتزقة وتوقع عقوبات دولية على الدول أو الكيانات التي تقوم بمخالفة قرار مجلس الأمن نفسه الذي تريد توسيع نطاقه؟؟ لماذا تتغاضي أمريكا عن الضغوط الدولية التي تستهدف سيادة السودان وحماية أرضه لتعبر البلاد من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام والتنمية وإعادة الاعمار ؟؟
لكن أمريكا لن و لم تكن يوماً جادة في إنهاء الحرب في السودان ، لأنها لو كانت جادة لما قدمت مثل هذا المقترح الذي، يتجاهل المخالفة المستمرة لقرار مجلس الأمن رقم 1591 ويجعل المليشيا تلتقط أنفاسها من جديد لتستمر الحرب، بل لماذا لم ينص المقترح صراحة علي حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ؟؟
المقترح حتي ينفذ يتطلب تصويتاً من مجلس الأمن وأمريكا تعرف أن روسيا أو الصين بإمكانها استخدام حق الفيتو ضد القرار ، لكنها فقط تطيل أمد الحرب بطريقة أو بأخرى وتحاول تغيير مسار ملف الحرب في السودان من انتهاكات وجرائم ضد المدنيين و تصنيف المليشيا جماعة إرهابية، إلى ملف عقوبات دولية بموجب الفصل السابع تستهدف سيادة البلاد ومؤسساتها الوطنية.
يأتي المقترح الأميركي في توقيت خطير حيث تدرك أمريكا أن القوات المسلحة تحرز تقدماً في ميدان المعركة قد يقضي على المليشيا وهي بهذا المقترح الخبيث تعطيها فرصة للحياة مرة أخرى وهي علي مشارف الهلاك.. فقد أصبح من الثابت أنه كلما تقدمت القوات المسلحة وحققت انتصارات في ميدان المعركة كلما سعى داعمو المليشيا إلى إنتاج منتوج جديد يخفف سكرات الموت على المليشيا الإرهابية.
لن يأتي السلام إلا بإرادة سودانية وأيدي وطنية ، وعبر انتصارات القوات المسلحة السودانية وإنهاء التمرد بالكامل ، ودون تدخل خارجي أياً كان نوعه .



