دواجـن النيـل.. غنيـمة أم نمـوذج دولـة ؟

عادل الرفاعي أبوالحسن
حين نتحدث عن دواجن النيل، فإننا لا نتحدث عن مشروع قائم بذاته، وإنما عن ثمرة من ثمار تجربة أكبر هي هيئة تطوير الزراعة، التي قامت على عقلية مختلفة في إدارة الدولة والتفكير في المستقبل.
كانت وحدة تنفيذ السدود تعمل على مشروعات استراتيجية كبرى، وفي مقدمتها سد مروي وما ارتبط به من مشروعات المياه والتوليد الكهربائي والبنية التحتية. ومن هذه الرؤية جاءت فكرة هيئة تطوير الزراعة؛ فقد رأى القائمون على الوحدة، بعقلية رجال الدولة وأصحاب الهمم والنظرة المستقبلية، أن هذه البنيات يمكن أن تكون أساساً لمشروعات إنتاجية نموذجية تفتح الطريق أمام الاستثمار الزراعي.
ولذلك جاءت الهيئة كامتداد لهذه الرؤية، مستفيدة من الطرق والمياه والقنوات والأراضي والبنيات القائمة، لتقيم مشروعات نموذجية ناجحة، وتدخل محاصيل جديدة، وتطور إنسان المنطقة، ثم تعمم التجارب الناجحة على بقية السودان، بحيث تتحدث المشروعات عن نفسها وتصبح جاذبة للمستثمرين في الزراعة والتصنيع الزراعي والإنتاج الحيواني.
فالمستثمر يصعب إقناعه بالقدوم إلى منطقة لا توجد فيها تجربة عملية يستطيع أن يرى من خلالها الإمكانات والنتائج. أما المشروع القائم والناجح، فيصبح هو نفسه أفضل وسيلة لجذب المستثمر.. وهذه كانت جوهر الفكرة: أن تصنع النموذج أولاً، ثم تفتح الباب لتكراره وتوسيعه وجذب الاستثمار إليه.
امتلكت هيئة تطوير الزراعة، بحسب القانون الذي أنشئت بموجبه، مرونة في الحركة وسرعة في اتخاذ القرار، وحملت في طبيعتها خصائص تجمع بين القطاع العام والخاص، بما يتناسب مع الهدف الذي أُنشئت من أجله.
وكانت هذه المرونة، إلى جانب الكادر البشري المتميز، من أهم عناصر قوتها. فقد جُمعت فيها خبرات ومعارف متراكمة، إلى جانب شباب متوثبين وشغوفين بالإنجاز، أدركوا أن دورهم يتجاوز الوظيفة إلى المساهمة في نهضة السودان الزراعية.
كما كان دعم وحدة تنفيذ السدود ومتابعتها الدقيقة عاملاً أساسياً في النجاح؛ من خلال متابعة التفاصيل، وتذليل المعوقات، وسرعة معالجة التحديات، ودفع المشروعات من الدراسة إلى التنفيذ دون إبطاء.. وهكذا اجتمعت الرؤية الاستراتيجية والمرونة والخبرة والشباب والدعم والمتابعة، فتحولت الأفكار إلى مشروعات.
من النماذج اللافتة مشروع توطين تقاوي البطاطس، الذي أُقيم كمشروع متكامل لإنتاج تقاوي تلائم البيئة السودانية، وتقاوم الحرارة والآفات والجفاف، وتتميز بإنتاجية عالية ومواصفات عالمية، بما يجعلها مناسبة للسودان ولأسواق دول الجوار.
وكانت المعايير العالمية حاضرة منذ لحظة التصميم، في الزراعة والتخزين والتداول، لأن الهدف كان أن يكون المنتج مؤهلاً للتصدير منذ البداية.
وجرى التنسيق مع منظمة NAK الهولندية، التي وقفت ميدانياً على المشروع خلال مراحل الزراعة وفي منتصف الموسم وعند الحصاد، وتأكدت من الالتزام بالاشتراطات الزراعية وسلامة المحصول وخلوه من الأمراض.
وبعد ذلك طلبت الشركة الهولندية صاحبة التقاوي تصدير إنتاج المشروع إلى يوغندا وحددت الكمية المطلوبة، وهو ما كان شهادة عملية على جودة الإنتاج واستيفائه للاشتراطات التي تؤهله للأسواق الخارجية.. كما تميزت التقاوي بكونها كاسرة لطور السكون (Dormant Period) وجاهزة للإنبات، وهي ميزة مهمة في الأسواق الأفريقية التي تستورد التقاوي من هولندا.
ورافق إنتاج التقاوي إنشاء مخزن مبرد حديث بمواصفات عالمية، ليكتمل المشروع كمنظومة متكاملة للإنتاج والحفظ والتداول.. وكان المخزن من أحدث المخازن المبردة في العالم في ذلك الوقت، وصُمم وفق نموذج ياباني متقدم، ثم جرى تكييفه وتطويره بما يتناسب مع الظروف السودانية وطبيعة المنطقة.. وقامت فكرته على التعامل مع البطاطس باعتبارها كائناً حياً يتنفس؛ فيوفر لها الأكسجين ويسحب ثاني أكسيد الكربون، مع التحكم في الرطوبة، واستخدام أجهزة الترطيب وإزالة الرطوبة، كما روعي استخدام رافعات شوكية كهربائية لتجنب الغازات والانبعاثات.
وهكذا لم يكن المشروع مجرد إنتاج تقاوي، وإنما منظومة متكاملة للتوطين والإنتاج والتخزين وفق المعايير العالمية، مع وضع التصدير في صميم التصميم منذ البداية.. وقد أُنجز المشروع في زمن وجيز وبمهنية واحترافية عالية، ليصبح نموذجاً يُحتذى به ويستحق أن يُدرس.
ومن النماذج الأخرى مشروع العناية بالنخيل، حيث تم تدريب كوادر محلية في ولايتي الشمالية ونهر النيل على العناية بالنخيل ونظافته بصورة احترافية، وفي زمن قصير، إلى جانب التدريب على صناعة الأثاث من جريد النخل، بما يحقق الاستفادة من الموارد المحلية وخدمة المجتمعات.
دواجن النيل.. إحدى الثمار:
ومن بين المشروعات التي خرجت من هذه الرؤية دواجن النيل (مشروع متكامل)، وهو نموذج آخر يجسد فلسفة الهيئة في إقامة المشروعات الإنتاجية المتكاملة. فقد صُمم المشروع بعناية، وروعيت فيه متطلبات الإنتاج والتشغيل والاستدامة، ونُفذ بمهنية وحرفية عالية، مستفيداً من البنية التحتية القائمة، ليقدم نموذجاً عملياً لمشروع إنتاجي ناجح وقابل للتوسع وجذب الاستثمار.. وقد نجح المشروع وأنتج وتميز، وساهم في تغطية فجوة، ثم توسع وأثبت أن النموذج قابل للحياة والنمو.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يفرض نفسه.. فقد ظلت هناك، لفترة، أحاديث ونقاشات في المجالس والوسائط حول دواجن النيل، وتنازع بين جهات وولايات ووزارات بشأن توزيع المشروع بين الولاية الشمالية وولاية نهر النيل، مع جزء لهيئة تطوير الزراعة.
هنا يجب أن نتوقف.. دواجن النيل ليست غنيمة.. وليست مشروعاً ينبغي أن تتنافس الجهات على الاستحواذ عليه. إنها نموذج ناجح من نماذج الدولة، أنشأته رؤية وجهد مؤسسي متراكم، والأجدر أن نحافظ عليه ونطوره ونكرر تجربته.
فالسؤال الصحيح ليس: لمن تكون دواجن النيل؟ بل هو: كيف نصنع عشرات المشاريع مثل دواجن النيل؟
لقد رأى رجال وحدة تنفيذ السدود في البنية التحتية فرصة، وحولوها إلى مشروعات، ورأوا في المشروعات وسيلة لجذب الاستثمار، وفي الاستثمار طريقاً لتوسيع الإنتاج وخدمة المجتمع وبناء الاقتصاد.. وهذه هي سلسلة التفكير التي صنعت هيئة تطوير الزراعة ومشروعاتها.
واليوم، إذا أردنا أن نكون أوفياء لهذه الفكرة، فعلينا أن نحافظ على ما نجح، ونوسع ما أثبت جدواه، ونكرر التجربة في مناطق أخرى.. فالهيئة لديها مشروعات وتجارب رائدة أخرى سنتحدث عنها لاحقاً، وهي جزء من ذاكرة الدولة التنموية وتجارب تستحق أن تُبنى عليها مشروعات المستقبل.. والنجاح الذي صنعه السابقون ليس ملكاً لمن جاء بعدهم ليستحوذ عليه، وإنما رأس مال وطني يجب أن نحافظ عليه وننميه ونضيف إليه.
لهذا أرى أن السؤال الحقيقي حول دواجن النيل ليس: من يأخذها؟ وإنما: من سيصنع مثلها؟ من سيأتي بالمشروع التالي؟ من سيضيف محصولاً جديداً؟ من سيقيم صناعة زراعية جديدة؟
تلك هي الروح التي نحتاجها لبناء دولة تستثمر مواردها، وتوسع إنتاجها، وتصنع نماذجها الناجحة.
أما دواجن النيل، فينبغي أن تبقى درساً لنا في كيف تتحول الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى نموذج، والنموذج إلى نهضة.. فدواجن النيل ليست غنيمة يتنازعها أحد… دواجن النيل نموذج دولة ينبغي أن نصنع مثله عشرات المرات.



