الجنيه يتدحرج أمام الدولار … كيف نوقف كرة الثلج؟

مهند عوض محمود
بعيداً عن الزخم السياسي للحوار الوطني، الذي بدأ يبعث الأمل في نفوس الشعب السوداني، ومع تمنياتنا الصادقة بأن يقود إلى وفاق وطني شامل، فإن التحذير العاجل الآن يجب أن يتجه إلى الخطر الأكبر القادر على شل الدولة وتقويض مؤسساتها: الاقتصاد.
لقد وصل سعر الدولار إلى ثمانية آلاف جنيه، وتجاوز الدرهم ألفين ومئتي جنيه، بالتزامن مع أزمة وقود تتطلب مزيداً من النقد الأجنبي لسداد قيمة البواخر الراسية في ميناء بورتسودان. وإذا استمرت السياسات الحالية بالوتيرة نفسها، فإنه يصعب التنبؤ بالمدى الذي سيصل إليه سعر أتوقع أن يصل سعر الدولار.
إن القراءة الواضحة لمسار الأحداث توضح أن هناك تسارعاً مستمراً في انخفاض قيمة الجنيه، وتراجعاً في الصادرات والإنتاج، في وقت يزداد فيه الطلب على النقد الأجنبي لتمويل الوقود والدواء والاحتياجات الأساسية، بالتزامن مع استمرار استدانة الحكومة من الجهاز المصرفي.. وكل ارتفاع جديد في سعر الصرف يرفع تلقائياً تكلفة النقل والكهرباء والغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، ويدفع المواطن ثمنه مباشرة.
تحدثنا كثيراً عن كرة الثلج عندما كانت صغيرة، وحذرنا من السياسات والقرارات الخاطئة التي شلت الصادرات، وشجعت التهريب، وأضعفت الإنتاج، ووسعت السوق الموازي. لكن كرة الثلج تدحرجت وكبرت، وأصبحت معالجتها اليوم أكثر صعوبة وكلفة، بينما لا تزال بعض الجهات تطارد النتائج بدلاً من معالجة الأسباب.
مَن صَنـَع «الورّاقة»؟
اعتقال تجار الورق، أو ما يُعرفون بـ«الورّاقة»، لن يحل الأزمة. فالدولة تنفق الأموال والجهد في رصدهم ومتابعتهم واعتقالهم، بينما تستطيع بلوائح مصرفية وتجارية واضحة أن تفشل نشاطهم خلال أيام.
إن التطبيق الصارم لإجراءات «اعرف عميلك» (KYC)، والتحقق من المالك المستفيد، ومقر الشركة، وموظفيها، وحركة حساباتها، وقدرتها الفعلية على شراء السلع وتخزينها ونقلها وتصديرها، كفيل بكشف الشركات الورقية وإلغاء تراخيصها ومنعها من التعامل التجاري والمصرفي. وفي حالات كثيرة، قد تكون زيارة واحدة إلى عنوان الشركة المسجل كافية لكشف أنها لا تملك مكتباً ولا موظفين ولا نشاطاً حقيقياً.. ولكن قبل اعتقال «الورّاقة»، يجب أن نسأل: من الذي صنعهم وشجع المصدرين على اللجوء إليهم؟
منذ أن تجاوز سعر الدولار ألف جنيه، ظلت البنوك تطالب المصدرين بحصائل قديمة محسوبة على أساس دولار ما قبل الحرب، عندما كان في حدود خمسمئة جنيه. وبذلك أصبح المُصدر مطالباً بتغطية فروقات يستحيل تحملها اقتصادياً..
وإن كان بنك السودان قد سمح أخيراً، وفق ما سمعنا، باحتساب تلك الحصائل بسعر الشاشة اليوم، فإننا نقول: أن تأتي بعد ثلاثة أعوام ونصف خير من ألا تأتي.. لكن كم مصدّراً أوقف نشاطه خلال هذه الأعوام؟ وكم شركة تنازلت عن التعامل باسمها وتاريخها؟ وكم صاحب عمل اضطر إلى اللجوء إلى «الورّاقة» أو العمل بأسماء بديلة هرباً من مطالبات لا يستطيع الوفاء بها؟
قبل إلقاء المسؤولية كاملة على تجار الورق، يجب الاعتراف بأن القرارات الخاطئة هي التي شجعت نشاطهم، ودمرت شركات مصدرة، وأخرجت أصحاب الخبرة والسجل التجاري الحقيقي من السوق.
روشتة إنقاذ عاجلة:
أولاً: الإلغاء الفوري لجميع رسوم وجبايات الصادر.
يجب إلغاء جميع الرسوم والجبايات المفروضة على الصادر في المركز والولايات والمحليات لمدة عام على الأقل. فلا يمكن أن نطلب من المُصدر إدخال النقد الأجنبي، ثم نطارده بعشرات الرسوم والإيصالات حتى تصبح السلعة السودانية عاجزة عن المنافسة.
سيخفض هذا القرار تكلفة الصادر، ويشجع عودة المصدرين، ويزيد الحصائل، ويحسن الأسعار التي يحصل عليها المنتج بدلاً من استنزاف قيمة السلعة في الرسوم والجبايات.
ثانياً: إغلاق ملف حصائل الصادر السابقة للحرب.
يجب إغلاق هذا الملف بتسوية نهائية وعادلة ومحددة زمنياً، وإيقاف المطالبات القائمة على فروقات صنعتها السياسات القديمة. المطلوب إعادة المصدر الحقيقي إلى السوق، لا إبقاؤه متهماً إلى الأبد ودفعه مجدداً إلى العمل خلف أسماء وشركات بديلة.
ثالثاً: إلغاء ضرائب الأعوام من 2023 إلى 2026.
يجب إلغاء الضرائب والغرامات والمطالبات التقديرية عن الأعوام من 2023 إلى 2026 بالنسبة إلى الشركات والمنشآت المتضررة من الحرب.
فمن غير المنطقي أن تفكر شركة في العودة إلى السودان، فتجد ديوان الضرائب في انتظارها بمطالبات عن سنوات فقدت خلالها مقرها أو مخزونها، أو توقفت أعمالها قسرياً.
إذا كانت الدولة جادة في استعادة رأس المال الوطني، فعليها أن تستقبله بنافذة لإعادة التشغيل، لا بأوامر حجز ومطالبات وغرامات. فالسياسات الحالية لا تزال تجعل العودة إلى السودان أكثر خطورة من البقاء خارجه.
رابعاً: معالجة مديونيات المرابحات والمشاركات.
على بنك السودان أن يوجه البنوك التجارية لإجراء تسويات طويلة الأجل لمديونيات المرابحات المتأثرة بالحرب، قد تصل إلى عشر سنوات، مع فترة سماح حقيقية تتناسب مع حجم الدمار وتوقف النشاط.
أما عمليات المشاركات التي تطالب فيها البنوك عملاءها بسداد رأس المال كاملاً بحجة أن هذه أموال مودعين، فيجب معالجتها وفق طبيعة عقد المشاركة، الذي يقوم أساساً على تقاسم الربح والخسارة.
تطالب البنوك الشركات بحماية أموال المودعين، وهذا مفهوم، ولكن السؤال هو: من يحمي أموال الشركات وأصحاب الأعمال؟
هؤلاء أيضاً فقدوا مصانعهم ومخازنهم وبضائعهم ورؤوس أموالهم في حرب طاحنة، ثم تطالبهم البنوك اليوم بإعادة الأموال كاملة وكأن شيئاً لم يحدث.
لا يجوز أن يكون الربح مشتركاً عند النجاح، ثم تتحول الخسارة كلها إلى مسؤولية العميل عند الكارثة. المشاركة الحقيقية تعني تقاسم الربح والخسارة، وعلى بنك السودان أن يحسم هذه المسألة بعدالة ووضوح.
خامساً: الوقف الفوري لاستدانة الحكومة من الجهاز المصرفي .
لا يمكن السيطرة على سعر الصرف بينما تضخ الحكومة مزيداً من الجنيهات لملاحقة كمية محدودة من العملات الأجنبية والسلع. فكل جنيه يُضخ من دون إنتاج حقيقي يتحول إلى وقود جديد للتضخم وانخفاض قيمة العملة.
لذلك فإن وقف استدانة الحكومة من الجهاز المصرفي وتمويل العجز ليس خياراً نظرياً، بل شرط أساسي لأي برنامج جاد لإنقاذ الجنيه.
سادساً: التعامل مع الذهب باعتباره قضية أمن قومي
يجب إنشاء نوافذ شراء رسمية في مناطق الإنتاج تدفع سعراً منافساً وبإجراءات سريعة، مع تبسيط عمليات التوريد والتصدير، ومنح حوافز واضحة للمنتجين والتجار الذين يوردون الذهب عبر القنوات الرسمية.
كما يجب الوقف الفوري لاستخدام سيارات البيك أب (البكاسي) في نقل الركاب في ولايتي نهر النيل والشمالية، مع توفير وسائل نقل بديلة للمواطنين. فهذه السيارات لا تصلح لنقل الركاب، كما أصبحت من الوسائل المستخدمة في تهريب الذهب وإخفائه وسط حركة المسافرين.. ومن شأن هذا القرار أن يسهم سريعاً في تضييق مسارات التهريب وتعزيز الرقابة على حركة الذهب في أهم ولايات الإنتاج.
سابعاً: تشكيل غرفة طوارئ اقتصادية حقيقية .
يجب تشكيل غرفة طوارئ اقتصادية عليا محدودة العضوية، تضم بنك السودان ووزارات المالية والتجارة والطاقة والمعادن والزراعة، إلى جانب الجمارك والضرائب والغرفة التجارية وممثلين حقيقيين للمصدرين والمنتجين والمصارف.
المطلوب ليس لجنة جديدة تضاف إلى عشرات اللجان، بل غرفة تنفيذ يومية لها صلاحيات واضحة، ومواعيد محددة، ونتائج قابلة للقياس.. فالأزمة الحالية تكشف ضعف التنسيق بين أجهزة الدولة، والفجوة الكبيرة بينها وبين القطاع الخاص. والقطاع الخاص ليس جهة تُستدعى فقط لسداد الضرائب والرسوم، بل شريك يعرف أين يقع الخطأ، وأي القرارات تعطل الإنتاج والصادر، وما المعالجات القادرة على إعادة النشاط سريعاً.. لا يمكن للدولة إصلاح الاقتصاد من داخل المكاتب الحكومية وحدها.
ثامناً: توحيد الإيرادات الحكومية وتعزيز الشفافية.
يجب إخضاع جميع الإيرادات الحكومية لنظام مالي موحد، ومنع الاحتفاظ بأي إيرادات أو إنفاقها خارج القنوات الرسمية، مع إحكام ولاية وزارة المالية على المال العام ونشر تقارير دورية تعزز الشفافية والمساءلة.. فلا يمكن ضبط العجز أو تحديد الأولويات ما لم تعرف الدولة بدقة حجم الأموال التي تحصلها مؤسساتها وأوجه إنفاقها.
تاسعاً: برنامج عاجل لزيادة الصادرات خلال تسعين يوماً.
يجب إطلاق برنامج تنفيذي يركز على الذهب والصمغ العربي والسمسم والثروة الحيوانية والمحاصيل النقدية، ويحدد مشكلات كل سلعة، والجهة المسؤولة عن معالجتها، والقرار المطلوب، والموعد النهائي للتنفيذ.
لا نحتاج إلى مؤتمر جديد عن الصادرات، بل إلى قرارات أسبوعية تقاس نتائجها بحجم السلع التي خرجت بصورة رسمية، والدولارات التي دخلت إلى الجهاز المصرفي.
عاشراً: ترتيب أولويات استخدام النقد الأجنبي
يجب توجيه النقد الأجنبي المتاح نحو استيراد الوقود والدواء ومدخلات الزراعة والصناعة، مع تقييد استيراد السلع غير الضرورية التي تستنزف الموارد المحدودة ولا تضيف شيئاً إلى الإنتاج.
القرار الآن في ملعب قيادة الدولة:
المشكلة لم تعد في غياب التشخيص أو المقترحات، بل في بطء القرار، وتضارب السياسات، وضعف التنسيق والتنفيذ.. نحن لا نحتاج إلى اعتقال مزيد من التجار بقدر حاجتنا إلى سياسات تجعل التصدير الحقيقي أكثر ربحاً من التهريب، وإدخال الدولار إلى الجهاز المصرفي أكثر جاذبية من بيعه في السوق الموازي، وعودة المستثمر إلى السودان أكثر أمناً من بقائه خارجه.
هذه ليست مطالب لمصلحة رجال الأعمال وحدهم، بل إجراءات لإنقاذ الجنيه، وتوفير الوقود والدواء، وإعادة تشغيل المصانع، وخلق فرص العمل، وحماية ما تبقى من الطبقة الوسطى ومؤسسات الدولة.
لم يعد هناك وقت لمزيد من التجريب أو اللجان أو القرارات الجزئية. المطلوب حزمة اقتصادية استثنائية تصدر دفعة واحدة، بجدول زمني واضح، وقيادة موحدة، ومحاسبة مباشرة لكل جهة تعطل تنفيذها.
فالاقتصاد لا يُدار بالحملات الأمنية، ولا تُحمى العملة بالاعتقالات، ولا يعود رأس المال بالتهديد. الاقتصاد تحميه الثقة والإنتاج والصادرات والقرارات العادلة.
إن إنقاذ الاقتصاد اليوم يحتاج إلى قرار سياسي شجاع يوقف السياسات الخاطئة، ويعيد الثقة إلى المنتجين والمصدرين والمصارف. وكل يوم يمر من دون هذه الحزمة يجعل كلفة الإنقاذ أعلى ومساحة القرار أضيق.
الكرة الآن في ملعب قيادة الدولة: إما قرارات استثنائية بحجم الأزمة، وإما استمرار كرة الثلج في التدحرج حتى تتجاوز قدرة الجميع على إيقافها.



