رأي

إلى متى “علوق الشدّة” بدلاً من الاستدامة؟

 

عادل الرفاعي ابوالحسن

“علوق الشدّة” تعبير سوداني معروف، و هو العلف الذي يُقدَّم للدابة خلال دقائق تجهيزها قبل الانطلاق بالمشوار؛ علفٌ مؤقت لمرحلة قصيرة، و من هنا جاءت دلالته الشعبية على المعالجة المؤقتة لسد حاجة آنية..
هذه الصورة البسيطة تفتح باباً لقضية أكبر في إدارة الدولة: متى ننتقل من معالجة الظرف إلى بناء سياسة تستوعب الظروف ..

على مدار عقود، كلما ضاقت الموارد أو شحت العملات الأجنبية، اتجهنا إلى الحلول الأسرع: حظر بعض السلع، أو رفع الجمارك عليها، أو تصنيفها باعتبارها (كماليات) أو (استفزازية) بدلاً من بناء حلول تعالج أصل المشكلة و توسع مصادر الموارد.

فما تراه جهة كمالياً قد يكون ضرورياً لجهة أخرى، و ما تصفه جهة بأنه غير أساسي قد يكون جزءاً من نشاط اقتصادي أو إنتاجي مهم. لذلك من الأفضل الابتعاد عن هذه التسميات، و النظر إلى السلعة أو النشاط من خلال أثره في الإنتاج و التشغيل و القيمة المضافة و الصادرات و الاقتصاد ككل.

و نورد القطاع الاقتصادي هنا نموذجاً فقط؛ لأن القضية أوسع من الاقتصاد و المالية. إنها قضية منهج صناعة السياسات في الدولة كلها: التعليم، و الصحة، و الزراعة، و الصناعة، و المياه، و الطاقة و غيرها.

و السودان يزخر بالخبرات و المعرفة و الدراية و الرؤية، و يملك من أبنائه أصحاب الخبرات و الأفكار و الرؤى القادرين على صياغة سياسات وطنية راسخة و قابلة للتطوير. و السياسة المستدامة بطبيعتها يكون الثابت فيها هو الغالب، بينما تتحرك مساحة محدودة منها وفق المستجدات. تتغير الأسواق، و ينمو الاقتصاد أو يمر بالركود، و تتبدل الظروف؛ فتتطور الأدوات، بينما يبقى الاتجاه العام ثابتاً.. والتحدي هو تحويل هذه الخبرات المتراكمة إلى سياسات مستدامة، و جعل التغيير تطويراً للسياسة، لا تغييراً لها.

و تبرز السياسة الاقتصادية و المالية نموذجاً واضحاً. فبدلاً من الدوران حول شح العملات الأجنبية، ينبغي أن يكون الاتجاه نحو صناعة الوفرة.. و الطريق يبدأ من الإنتاج: بيئة أفضل للقطاع الخاص، و توسع في الزراعة و الإنتاج الحيواني، و صناعات تحويلية مرتبطة بهما، و بنية تحتية و سلاسل قيمة تفتح الطريق أمام التصدير.

فالزراعة لا تنتهي عند إنتاج المحصول؛ حولها التخزين و النقل و التصنيع و التعبئة و التمويل و التصدير. و الإنتاج الحيواني يمتد إلى اللحوم و الجلود و الأعلاف و الخدمات البيطرية و التبريد و التصنيع و التصدير. و هنا يتحول المورد إلى قيمة، و القيمة إلى صادرات، و الصادرات إلى عملات أجنبية، و النشاط الاقتصادي إلى موارد أوسع للدولة و فرص عمل و دخل أعلى للمواطن.

و لننظر إلى الدول التي صنعت نهضتها: وسعت الإنتاج، و خلقت مداخل جديدة للدولة و القطاع الخاص، و رفعت إنتاجية مواطنيها و دخولهم، و ربطت مواردها بالتصنيع و التصدير و القيمة المضافة.. و السودان يملك موارد متنوعة و مزايا نسبية واسعة، و يملك فوق ذلك رصيداً بشرياً و خبرة متراكمة. و لذلك تصبح القضية قضية اختيار و استراتيجية و تنفيذ و استمرارية.

و الحرب تجعل هذه اللحظة مختلفة. فقد كشفت مواطن الخلل، و أظهرت آثار التواكل و الحلول السريعة، و كشفت حدود الاعتماد المتكرر على المعالجات الآنية. لقد دفع السودان ثمناً باهظاً من الأرواح و الموارد و السنوات، و لذلك يجب أن تكون مرحلة ما بعد الحرب نقطة تحول في طريقة بناء الدولة.

كما علينا أن نحسن الاستفادة من الزخم الوطني الكبير الذي أظهره الشعب خلال الحرب؛ من الصبر على مآسيها و تكاليفها، و من التماسك و الوقوف خلف مؤسسات الدولة و القوات المسلحة، و من القدرة على تحمل أقسى الظروف. هذه طاقة وطنية هائلة يمكن تحويلها من طاقة صبر و مواجهة إلى طاقة بناء و إعمار و إصلاح.

قد تحتاج مرحلة الإصلاح إلى عامين أو ثلاثة، و ربما خمسة، من الصبر و التحمل. و الفارق أن يكون هذا التحمل جزءاً من طريق واضح يعرف المواطن غايته و مراحله، و يدرك أن كلفته الحالية تقود إلى وضع أفضل.

و كما أشرنا في مقال سابق، فإن تحويل المحنة إلى منحة يحتاج إلى مصارحة الشعب و إشراكه في الخيارات الكبرى. فالمواطن الذي يعرف الطريق و يفهم غايته يصبح شريكاً في الإصلاح، و القطاعات التي تشارك في صياغة سياساتها تصبح أكثر قدرة على تنفيذها و حمايتها و تطويرها.

و من أوجب واجبات الشعب السوداني اليوم أن يقف وقفة وطنية واحدة، و أن يحمل الدولة على وضع استراتيجية شاملة لنهضة السودان، واضحة الأهداف، محددة المراحل، و ملزمة لمؤسسات الدولة و حكوماتها المتعاقبة. آن أوان أن يصبح هذا مطلباً وطنياً جامعاً: أن نخرج من إدارة الدولة بالسياسات المؤقتة، و من معالجة أزمة بأزمة، إلى استراتيجية تنقل السودان إلى مسار الإنتاج و النمو و الازدهار.

و هذه من بديهيات بناء الدول و نهضتها؛ فالدول التي صنعت نهضتها قامت على استراتيجيات واضحة عكف المختصون على إعدادها، ثم التزمت بها مؤسسات الدولة و طورت أدواتها مع تغير الظروف.

و السودان اليوم يحتاج إلى استراتيجية وطنية تمتد من ثلاثين إلى خمسين عاماً، تعالج قضاياه الكبرى، و تحدد أولوياته، و تبني مؤسساته، و توجه موارده نحو الإنتاج و القيمة المضافة. ثلاثون أو خمسون عاماً لا تعني سياسات جامدة، بل تعني اتجاهاً وطنياً ثابتاً تتطور داخله السياسات و الأدوات وفق المتغيرات.
استراتيجية نرى عبرها نهضة حقيقية، و تماسكاً اجتماعياً، و ازدهاراً و رخاءً، و وطنًا قوياً بشعبه و مؤسساته و اقتصاده.

هذه هي الفرصة التاريخية التي يجب ألا نفوّتها: أن يتحول الصبر الذي أظهره الشعب خلال الحرب إلى إرادة بناء، و أن يتحول ما عرفناه خلالها إلى معرفة تقود الإصلاح، و أن يتحول الزخم الوطني إلى مشروع نهضة.

لقد آن الأوان أن نغادر (علوق الشدّة) إلى الاستدامة، و من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؛ و أن تكون للسودان استراتيجية نهضة واضحة، تلتزم بها الدولة، و يشارك الشعب في صناعتها و يحمي مسارها، و تعمل من أجلها الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى