تحقيقات

جامعة الخرطوم.. ظالمة أم مظلومة؟

المحقق – نشوة أحمد الطيب 

في أسبوع واحد من سبتمبر 2026، أصدرت جامعة الخرطوم نصّين رسميين في أمر واحد. الأول محضر مؤرخ في 11 سبتمبر 2026، وقّعه وكيل الجامعة وعميد كلية الطب ورئيس لجنة الأساتذة ومقررها، وفيه أن الجامعة ملتزمة بتأمين المستحقات المالية للأساتذة الذين بلغوا سن المعاش وتُجدَّد عقودهم لعام. والثاني مخرجات لمجلس عمداء الجامعة صدرت في 15 سبتمبر 2026، أي بعد أربعة أيام، وفيها أن التجديد يجب ألا يرتب على الجامعة أي أعباء أو التزامات مالية.

ولجامعة الخرطوم في الذاكرة السودانية مكانة تفوق كونها مؤسسة تعليمية. فهي من أعرق الصروح الأكاديمية في البلاد، وقد تخرّج فيها عبر عقود علماء ومفكرون وأطباء وقادة رأي حملوا أسماءهم إلى ميادين العلم والعمل في السودان وخارجه، وذاع صيتهم في الأوساط الأكاديمية والمهنية. وكلية الطب فيها من أقدم كلياتها وأكثرها حضوراً في هذه الذاكرة. ولذلك فإن ما يدور فيها اليوم أبعد من خلاف إداري محدود، إنه سؤال عن مستقبل مؤسسة ارتبط اسمها بتاريخ التعليم العالي في السودان.

وبين هذين النصّين تقف كلية تقول إنها لم تتوقف يوماً طوال الحرب، وخرّجت ثلاث دفعات من الأطباء. ويقول أساتذتها اليوم إن أغلبهم لم يعودوا في مواقعهم، وإن مجلس الكلية الذي لا تُجاز نتيجة بغيره فقد اكتماله، وإن دفعة من الخريجين تنتظر الامتحانات والتخرج، وإن مرتباتهم تصل متفاوتة أو لا تصل. وفي الجهة الأخرى جامعة لم يصل ردّها بعد، ولها وثائقها وقراراتها وظروف حرب تعمل فيها.

“المحقق” يتحصل على مستندات رسمية ويستمع إلى أساتذة كلية الطب

هذا التحقيق يعرض ما جرى كما ورد في الوثائق الرسمية التي حصل عليها موقع “المحقق “الإخباري من مصادر داخل الجامعة، وفي إفادات أساتذة تحدثوا إليه، وقد سعى المحقق إلى الحصول على إفادة مدير الجامعة ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، ولم يتلقَّ رداً من أيٍّ منهما حتى تاريخ نشر هذا التحقيق في 5 نوفمبر 2026 .

كلية لم تتوقف في الحرب

في روايات الأساتذة جميعاً جملة تتكرر: الكلية لم تتوقف. فقد استمر التدريس والامتحانات سنوات حرب السودان، وتخرجت ثلاث دفعات، وتقدّر الدكتورة سارة مصباح الصادق، رئيسة لجنة أساتذة الكلية ورئيسة قسم الطب الباطن السابقة، عدد الخريجين بنحو ستمئة وخمسين إلى سبعمئة. وجاء الإقرار بهذا من الجهة المقابلة نفسها، فمحضر لقاء 10 سبتمبر 2026 يفتتح بأن مدير الجامعة رحّب بالحضور وثمّن دور أساتذة الكلية في الحفاظ على العملية الأكاديمية طوال سنوات الحرب، وهو ما أثمر تخريج ثلاث دفعات بصورة مرضية.

بين محضر ومخرجات.. من يتحمل كلفة بقاء أساتذة كلية الطب؟

وتشرح الدكتورة هاجر الرشيد سعد، الأستاذة المساعدة ورئيسة قسم علم الأمراض السابقة ومديرة المعامل السابقة بمستشفى سوبا الجامعي في حديثها ل(المحقق) كيف تُدار الكلية في الظروف العادية. فهي، كما تصفها، تعمل بنظام مجالس وأقسام ولجان، والتقويم الدراسي ثابت لا يتغير إلا لظرف خارجي. ومجلس الكلية هو الجهة التي تجيز النتائج، ويضم الأساتذة من الدرجة العليا ورؤساء الأقسام وممثلين عنها والعميد ونائبيه والمسجل، إضافة إلى جهات اعتبارية مثل مديري المستشفيات الجامعية والمجلس الطبي ومجلس التخصصات الطبية وممثلين عن وزارة الصحة. وتقول إن النتيجة لا تصبح نهائية إلا بعد أن تمر بالأقسام ولجنة الممتحنين وتُجاز في هذا المجلس.

من هم أساتذة المشاهرة؟

في قلب الخلاف فئة تُعرف في الجامعات السودانية بأساتذة المشاهرة، وهم الأساتذة الذين يُستبقون بعقود شهرية بعد بلوغهم سن المعاش. وتقدّر الدكتورة سارة أن هؤلاء يمثلون نحو ثلثي كادر كلية الطب، وتصفهم بأنهم ذاكرة الكلية. فهم، بحسب ما تقول، من يتولون البحث العلمي ولجنة أخلاقيات البحث، ويحدّدون الممتحنين الخارجيين، ويصادقون على الامتحانات والنتائج بصفتهم الأغلبية في مجلس الكلية.

الجامعة والوزارة لم تردا على “المحقق” رغم استمرار المحاولات

وتقول الدكتورة هاجر إن لذلك أثراً مباشراً. فإذا لم تُجدَّد عقود هؤلاء لم يعودوا أعضاء في هيئة التدريس ولم يستطيعوا حضور المجلس ولا إجازة النتائج، فيتعطل قرار الكلية نفسه. وهذا ما تقول إنه دفع الأساتذة إلى الاجتماع.

كيف بدأ الخلاف

تعود البداية في رواية الدكتورة سارة، إلى يونيو 2026، حين رفض مدير الجامعة تجديد عقود المشاهرة. وتحكي الدكتورة هاجر لحظة أدق. فقد كانت تترأس قسمها وتزور السودان زيارة قصيرة لعيادة والدتها، فحضرت اجتماعاً مع رؤساء الأقسام وعميد الكلية. وكانت الإدارة قد طلبت من رؤساء الأقسام حصر من بلغوا سن المعاش وجمع مستنداتهم لتجديد عقودهم تلقائياً، وأنجزوا ذلك. ثم دعا المدير إلى اجتماع طارئ وطلب حصراً جديداً يفرّق بين من هم داخل السودان ومن هم خارجه. وتقول إن الحاضرين تحفظوا وانزعجوا، وإن المدير طمأنهم مباشرةً بأنه سيجدد للجميع وأن الأمر مجرد حصر. وتضيف أنها بعد عودتها من السفر بيومين أو ثلاثة فوجئت بقرار مجلس العمداء الذي اشترط الحضور الفعلي في الخرطوم لتجديد العقود.

أغسطس 2026: شرط الحضور وكشف التوقيع

وتتحدث الدكتورة هاجر عن مرتب أغسطس 2026 أنه نقطة تحول. فتقول إن مجلس العمداء قرر، وفق ما تسميه موجهات وزارة التعليم العالي، أن يتواجد جميع الأساتذة خلال الشهر، دون مراعاة لأوضاع الداخليات ولا لارتباطات الأساتذة بعقود خارجية تحتاج مهلة للإخطار. ولما سُئل عن طريقة حصر المتواجدين، اقترح وكيل الجامعة، بحسب روايتها، أن يوقّع الأساتذة على كشف المرتبات إثباتاً للحضور. وتقول إن الأساتذة سمعوا من مقرّبين من المدير، في تسجيلات صوتية، أن عدم التوقيع سيُعدّ غياباً كاملاً للشهر قد يقود إلى مجلس محاسبة ثم الفصل إن لم يُبرَّر. وتخلص إلى أن مرتب أغسطس أُوقف على هذا الأساس.

وتقدّم الدكتورة هاجر تفسيراً لما جرى بعد ذلك من صرف للمرتبات، ومنها مرتبات الأساتذة التي تقول إنها أُوقفت لعدم تجديد عقودهم ولعدم وجودهم في الخرطوم. ففي رأيها أن نتائج الكلية، ومنها نتيجة المستوى السادس، لا تُجاز إلا بمجلس كلية مكتمل النصاب، فإذا لم يكتمل بقيت النتيجة معلّقة ولم يتخرج الطلاب. وتخلص إلى أن الإدارة كانت بحاجة إلى إبقاء الأساتذة إلى أن يجيزوا النتيجة، وتذهب إلى أنها ستتخلص منهم بعد ذلك. وهذا تقدير شخصي من الدكتورة هاجر عن دوافع الإدارة، وقد سعت الوكالة إلى سماع ردّها عليه ولم تتلقَّه.

اجتماعات الأساتذة وتفويض لجنة الحكماء

بحسب تنوير الأساتذة، انعقد اجتماعهم الأول في 22 أغسطس 2026 بعد انتهاء عقود المشاهرة وربط المرتبات بالحضور وتحديد مهلة قصيرة للعودة. وقدّروا حينها أن الكلية قد تفقد ما يزيد على تسعين في المئة من كوادرها. وأكدوا أنهم لا يرفضون العودة، لكنهم يريدونها مرحلية ومدروسة، مع الحفاظ على أساتذة المشاهرة واستمرار التعليم بالوسائل المناسبة، وألا تُجرى الامتحانات إلا باكتمال متطلباتها وكادرها.

وفي أواخر أغسطس 2026 انعقد اجتماعهم الثاني بعد أن لم تثمر المذكرات والحوار، فطُرح خيار الاستقالات الجماعية والتصعيد المؤسسي، مع تأكيد أن غاية الجميع حماية الكلية لا تعطيلها. ثم اختاروا في 2 سبتمبر 2026 أن يعطوا الحوار فرصة، وفوّضوا لجنة من كبار أساتذة الكلية برئاسة البروفيسور محمد أحمد علي الشيخ، مدير الجامعة الأسبق، للقاء إدارة الجامعة والعودة بنتائج مكتوبة، وربطوا المضي النهائي في الامتحانات بحسم أوضاع الكادر وجاهزية الأقسام.

وتروي الدكتورة هاجر، وكانت عضواً في إحدى لجان الأساتذة، أن لجنة رفيعة المستوى التقت المدير بعد صدور قراره بعدم التجديد، وأنه تأخر في الاستجابة وسافر خارج السودان ثم التقاهم بعد عودته بأسبوع. وتقول إن اللجنة قدمت له مذكرة تؤيد قرار العودة بشرط أن تكون مدرّجة خلال سنة، فكان رده أن تغيير القرار (مستحيل) ثم جاءهم رد مكتوب لا علاقة له بالنقاط التي ناقشوها. 

الطلاب بين الجدول والإضراب

في هذه الأثناء كان الطلاب يواجهون مأزقهم الخاص. فقد صدر في 27 أغسطس 2026 جدول امتحانات المستوى السادس، وهي الامتحانات النهائية التي تسبق التخرج للدفعة 96. وجاء في بيان رابطة طلاب كلية الطب بتاريخ 8 سبتمبر 2026 أن مجلس أسرة الدفعة سأل رؤساء الأقسام عن إمكانية إجرائها في موعدها، فأجاب ثلاثة منهم من أصل أربعة بالنفي. وراسل الطلاب إدارة الكلية يسألون عن جاهزيتها فلم يتلقوا جواباً، ثم طلبوا من العميد تأجيل الموعد، لأن إجراءها في الخرطوم وحدها يكلّف نحو نصف الدفعة المتواجد في الولايات وخارج السودان جهداً ومالاً يصعب تدبيرهما.

المدير التنفيذي لمكتب “عرديب” رحب بالصحافة ثم احتجب عن الرد بعد إرسال أسئلة الوكالة

ووصف الطلاب أنفسهم بأنهم محاصَرون بين جدول معلن واحتمال إضراب الأساتذة. وجاء في البيان أن الانتظار السلبي، بعد اثني عشر يوماً فقط من موعد أولى الجلسات، يعني إهداراً صريحاً لحقوقهم واستقرارهم. والبيان، كما وصل إلينا، ينتهي عند هذه العبارة دون خاتمة أو توقيع.

لقاء العاشر من سبتمبر 2026

في مساء الخميس 10 سبتمبر 2026 عُقد لقاء عن بُعد جمع مدير الجامعة البروفيسور عماد الدين الأمين الطاهر عرديب ووكيل الجامعة الدكتور محمود علي أحمد محمد وعميد الكلية البروفيسور عبد السميع عبد الله محمد، بلجنة الأساتذة برئاسة البروفيسور محمد أحمد علي الشيخ. وتولى صياغة ما اتُّفق عليه الوكيل والعميد ومقرر اللجنة البروفيسور عمار الطاهر محمد، وجاء المحضر مؤرخاً في اليوم التالي، 11 سبتمبر 2026، وعليه توقيع رئيس اللجنة ومقررها ووكيل الجامعة وعميد الكلية. ولا يحمل المحضر توقيع المدير نفسه.

ونصّ المحضر على أن يواصل أساتذة المشاهرة أداء واجباتهم ويوافقوا إلكترونياً على العرض لمدة عام، على أن تلتزم إدارة الجامعة بتأمين مستحقاتهم المالية وفق إكمال إجراءاتهم التعاقدية. ونصّ على أن يستمر أساتذة المشاهرة ومن هم دون سن المعاش في صرف مرتباتهم مع أداء واجباتهم طوال العام الدراسي 2025–2026، وأن يوفّق الأساتذة دون السن المعاشية ممن هم على رأس العمل أوضاعهم بعد انتهاء العام الدراسي بما لا يتعارض مع قوانين العمل والخدمة المدنية. وأقرّ إجراء امتحانات المستوى السادس داخل السودان، وترك لإدارة الكلية ورؤساء الأقسام تحديد مدى التأجيل المناسب بما يمكّن الطلاب في الخارج من اللحاق بدورة الامتحانات القادمة، مع حفظ فرصة الامتحان لمن تعذّر حضورهم. وفي بند أخير، طلبت اللجنة إجراء الامتحانات في الرياض والقاهرة تخفيفاً على الأسر وعلى القلة من الأساتذة في العاصمة، فاعتذر المدير بأن هذا قرار الدولة بشأن جميع المراكز الخارجية.

وقبل الأساتذة هذه المخرجات رغم أنها دون مطالبهم كاملة، بحسب تنويرهم. ولا تبيّن الوثائق ما الذي طلبوه ولم يُمنحوا إياه.

نصّان في أسبوع واحد..

بعد أربعة أيام من تاريخ المحضر، أصدر مجلس عمداء الجامعة في 15 سبتمبر 2026 مخرجات اجتماعه. وجاء فيها أن على أعضاء هيئة التدريس دون سن المشاهرة أن يحدّدوا موقفهم بوضوح، إما بالعودة إلى السودان ومباشرة العمل وإما بتقديم اعتذار وفق اللوائح. وقرر المجلس تجديد المشاهرة لجميع الأساتذة الموجودين خارج السودان لمدة عام (شريطة ألا يترتب على ذلك أي أعباء أو التزامات مالية على الجامعة)، على أن يوفّق وضعهم عند عودتهم. وأكد أنه لن يكون هناك تدريس إسفيري، وأن الأعباء التدريسية ستُوزَّع على الأساتذة الموجودين داخل السودان. ولم تذكر المخرجات الأسباب التي قامت عليها هذه القرارات.

90% من الكادر على حافة المغادرة

الفرق بين الوثيقتين ظاهر. فالمحضر يتحدث عن التزام الجامعة بالمستحقات وعن مهلة حتى نهاية العام الدراسي، ومخرجات المجلس تشترط ألا يترتب التجديد التزام مالي وتطلب من الأساتذة تحديد مواقفهم الآن. وقد يكون لعبارة (بلا أعباء مالية) تفسير يوفّق بين النصّين، كأن تُموَّل المستحقات من مصدر غير موازنة الجامعة، لكن الوثائق لا تقول ذلك.

وتضيف رواية الدكتورة هاجر خيطاً لهذا اللغز. فهي تقول إن إدارة الموارد البشرية أصدرت، فور إعلان جدول الامتحانات، نماذج إلكترونية لتجديد العقود تشترط الانتظار حتى العودة إلى السودان لإكمال الإجراءات، مع إخلاء طرف الجامعة من أي التزام مالي قبل العودة. وإن كان الأمر كذلك فقد تدور نقطة الخلاف على عبارة (كمال إجراءاتهم التعاقدية) الواردة في المحضر: هل تُصرف المستحقات قبل إكمال الإجراءات أم بعدها؟

ما بعد الاتفاق: رواية الأساتذة

في 28 سبتمبر أصدر أساتذة كلية الطب بياناً قالوا فيه إنهم قبلوا مخرجات لجنة الحكماء رغم أنها دون مطالبهم، وإنهم أوفوا بالتزامهم فمضوا في التدريس والتحضير للامتحانات، بينما لم تنفّذ الإدارة أساس ما اتُّفق عليه. فعقود المشاهرة لم تُجدَّد لعام بمستحقاتها كما ينبغي، ومرتبات الأساتذة دون سن المعاش الموجودين خارج الخرطوم وخارج السودان ظلت منقطعة رغم أدائهم لواجباتهم. وحذّروا من أن المضي في ذلك قد يُفقد الجامعة نحو تسعين في المئة من كوادرها، ووصفوا الرجوع عن الاتفاقات وتعاقب القرارات المتعارضة باضطراب مؤسسي يضعف الثقة في الإدارة. وطالبوا بتنفيذ ما اتُّفق عليه، وتجديد عقود المشاهرة بمستحقاتها لعام، وصرف مستحقات من هم دون سن المعاش، ووقف القرارات المتعارضة. وأكدوا أنهم ماضون في الامتحانات لجميع المستويات، وأن ذلك لا يعني إسقاط حقوقهم.

وتقول الدكتورة سارة إن الاتفاق لم يُنفَّذ، وإن العقود التي قال المدير إنها ستُجدَّد لم تُجدَّد. وتصف نزول المرتبات في الأسابيع التالية بأنه جاء متفاوتاً بين شخص وآخر دون أن يعرف الأساتذة السبب، ولا تتهم أحداً صراحة بسوء التصرف المالي، لكنها تطالب بتفسير. وتقول الدكتورة هاجر إن مرتب أغسطس 2026 صُرف مع مرتب سبتمبر بصورة وصفتها بالعشوائية، فتسلّم بعضهم جزءاً من مرتبه وتسلّم آخرون مبالغ مختلفة، وتدعو إلى الشفافية ومراجعة ميزانية الجامعة وميزانية الإعمار خلال سنوات الحرب.

وفي اجتماع 7 أكتوبر 2026، قال التنوير إن مرتب سبتمبر نزل لبعضهم بصورة متفاوتة بين الفئات والدرجات ولم يصل إلى آخرين، وإن مرتب أغسطس لم يُصرف للفئات المعنية. وأشار كاتبه إلى أن توقيت هذه المعالجات يوحي بأنها استجابة لضغط امتحانات المستوى السادس. وتقول الدكتورة هاجر إن الاتفاق نُقض فور الإعلان عن الامتحانات، وإن الأساتذة مع ذلك قرروا المضي فيها حفاظاً على مستقبل الطلاب.

التعليم عن بُعد والمراكز الخارجية

يعدّ ملف التعليم الإسفيري والمراكز الخارجية من أبرز ما تختلف فيه الأستاذتان مع الإدارة. فمخرجات مجلس العمداء بتاريخ 15 سبتمبر نصّت كتابةً على أنه لن يكون هناك تدريس إسفيري. وتقول الدكتورة سارة إن وزارة التعليم العالي أجازت نسبة من التعليم عن بُعد بحدود ثلاثين في المئة مراعاةً لظروف الطلاب والأساتذة المشتتين، وإن المدير فضّل التدريس المباشر. وتقول الدكتورة هاجر إن للوزارة لائحة تتيح التعليم الإلكتروني والمدمج، وإن الكلية أقامت ورشة تدريبية على المنصات الرقمية، وإن المدير رفض التعليم الإلكتروني شفاهاً ولم يصدر قراراً مكتوباً بذلك. ولم تتلقَّ الوكالة من وزارة التعليم العالي إفادة بشأن اللائحة أو القرار. ولا يتفق وصف عدم الكتابة مع وجود مخرجات مجلس العمداء المكتوبة، ولعلها تقصد اجتماعاً لاحقاً.

أما المراكز الخارجية فقد كانت، بحسب الدكتورة هاجر، تعمل في السعودية وعطبرة والقاهرة للتدريب السريري، وتحمّل الطلاب كلفتها لا الجامعة. وقد أرجع المدير، في لقاء 10 سبتمبر، اعتذاره عن إجراء الامتحانات في الرياض والقاهرة إلى أن هذا قرار الدولة بشأن جميع المراكز الخارجية. وكانت الدكتورة سارة قد أقرّت بأن الإغلاق سياسة دولة، لكنها ترى أن الإدارة كان بوسعها أن تبذل جهداً أكبر لإبقاء هذه المراكز، وأن تُمكّن الأساتذة في الخارج من تدريس طلابهم بالتوازي مع من هم في الداخل.

وفي 26 أكتوبر 2026، أي بعد أكثر من ستة أسابيع من ذلك اللقاء، أعلن إعلام مجلس الوزراء أن رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس وجّه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي باستمرار مراكز التعليم العالي خارج السودان في عملها، إلى حين توفيق أوضاعها وفقاً للضوابط والاشتراطات المعتمدة. ولا يذكر التوجيه جامعة الخرطوم ولا كلية الطب بالاسم، ولا يبيّن إن كانت مراكز التدريب والامتحانات في السعودية ومصر تدخل فيما يقصده، ولا ما الضوابط والاشتراطات المشار إليها. لكنه يأتي بعد أن قدّم المدير المسألة بوصفها قرار دولة، من أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، ويقضي باستمرار هذا النوع من المراكز لا بإغلاقها. ولم تتلقَّ الوكالة إفادة من الوزارة أو من الجامعة عن مدى انطباقه على مراكز الجامعة وعمّا إذا كانت الجامعة قد أعادت النظر في موقفها في ضوئه.

انتقادات للإدارة والحوكمة

يمضي حديث الأستاذتين لـ “المحقق” إلى أبعد من التنفيذ، إلى طريقة إدارة الجامعة. فالدكتورة سارة تقول إن الجامعة تُدار بقرارات أحادية، وإن للمدير مجلس عمداء لكنه، بحسب علمها، بلا مجلس جامعة يسنده، وإن ولايته انتهت في مارس 2026 وإن وزارة التعليم العالي تعرف ذلك وتبحث عن بديل ولم تجده. وتنقل الدكتورة هاجر عمّن حضروا اجتماعات مجلس العمداء أن المدير يتحدث وحده ويقرر، وأن القرارات تصدر باسم المجلس، وأن العمداء الجدد قليلو الخبرة بعد أن حلّوا محل من كانوا خارج السودان. وقد سعت الوكالة إلى سماع ردّ الإدارة والوزارة على ذلك.

وتقول الدكتورة هاجر إن من عارضوا المدير من الأساتذة، ومنهم هي والدكتورة سارة والدكتورة هالة زكي، أُعفوا من رئاسة أقسامهم بحكم وجودهم خارج السودان، بقرار من المدير دون الرجوع إلى رؤساء الأقسام ومجالسها والعميد، وأن الإخطار لم يتجاوز إبلاغهم بأن رئيس القسم صار غيرهم. والإدارة وحدها قادرة على بيان سند هذه القرارات وتواريخها واللوائح التي صدرت بموجبها.

ما يطلبه الأساتذة

تلخّص الدكتورة سارة مطالبهم في إعادة أساتذة المشاهرة إلى العمل بتجديد عقودهم وصرف حقوقهم، وإعادة الهيئات التي تسند القرار الأكاديمي في الجامعة والكلية، واعتماد تدريس يجمع بين الحضور المباشر والإسفيري، وتهيئة سكن للأساتذة القادمين مؤقتاً وداخليات للطلاب وأجهزة حاسوب ومنصة إسفيرية. وتطالب بتغيير مدير الجامعة ليبدأ خلفه بمراجعة هيكل الكلية وحوكمتها. وتقول إنهم لا يرون جهة تضمن تنفيذ أي اتفاق، ولذلك لجأوا إلى التصعيد الإعلامي والقانوني، وفكروا في استقالات جماعية، وإن خطاباتهم وصلت إلى وزارة التعليم العالي ورئاسة مجلس الوزراء ومجلس السيادة.

وتشدد الدكتورة هاجر على أن الأساتذة رفضوا أي تمثيل نقابي أو سياسي، وأن قضيتهم مهنية صرفة هدفها إنقاذ الكلية. وتضيف أن الكلية لا تُعمَّر بجهود الجامعة بقدر ما تُعمَّر بجهود خريجيها، فتقدّر أن نحو خمسة وتسعين في المئة من إعادة إعمار مرافقها تمت بدعم صناديق الخريجين.

توجيه مجلس الوزراء والسياق الأوسع

وفي سياق أوسع صدر في 17 سبتمبر 2026 التوجيه رقم (108) عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ويوجب على منسوبي أجهزة الدولة التبليغ لمواقع عملهم خلال خمسة وأربعين يوماً، وهي مهلة انتهت في نحو الأول من نوفمبر إن حُسبت من تاريخ صدوره. وقدّم الدكتور خالد عبد المجيد زمراوي في 22 سبتمبر 2026 مذكرة تظلّم رفعها بواسطة وزير العدل باسم موظفين متضررين من الحرب، يطالب فيها بإلغاء المهلة واعتماد عودة على ثلاث مراحل. والمذكرة لا تخص أساتذة كلية الطب، ولا تبيّن الوثائق مدى انطباق التوجيه على الجامعة.

“المحقق” تسعى إلى الردود

سعى “المحقق”  إلى الحصول على إفادات الجهات المعنية بالقضية، وأتاح لهم حق الرد قبل النشر. فتواصل مع مدير جامعة الخرطوم البروفيسور عماد الدين الأمين الطاهر عرديب منذ يوم السبت 31 أكتوبر 2026، ولم تتلقَّ منه أي رد حتى تاريخ نشر هذا التحقيق. وتواصلت كذلك مع الدكتور أحمد بابكر، المدير التنفيذي لمكتب مدير الجامعة، منذ يوم الأحد 1 نوفمبر 2026، فأبدى ترحيبه بالصحافة التي وصفها بالسلطة الرابعة، ثم توقف عن الحديث بعد أن أرسلت “المحقق” تساؤلاتها.

وكانت الأسئلة تبدأ بمحضر 11 سبتمبر: هل اعتمدت الإدارة المحضر الموقَّع من وكيل الجامعة وعميد الكلية ولجنة الأساتذة؟ وما العلاقة بينه وبين مخرجات مجلس العمداء في 15 سبتمبر 2026، وأيّ النصّين هو المعتمد، ما دام المحضر يتحدث عن تأمين الجامعة المستحقات والمخرجات تشترط ألا يترتب أي التزام مالي عليها؟

وسأل عن العقود: هل جُدّدت عقود أساتذة المشاهرة لمدة عام؟ وكم عدد من جُدّدت عقودهم وكم عدد من لم تُجدَّد؟ وعن المرتبات: هل صُرفت مرتبات أغسطس وسبتمبر ٢٠٢٦م لجميع الأساتذة؟ ومن لم يتسلّمها فما السبب ومتى يتسلّمها؟ ومن أين تأتي أموالها؟

وسأل عن الأساتذة دون سن المعاش المقيمين خارج السودان: هل عليهم أن يعودوا الآن، أم يُمهَلون إلى نهاية العام الدراسي ٢٠٢٥–٢٠٢٦م؟ وماذا يحدث لمن لا يعود؟ وعن الامتحانات: ما موعد امتحانات المستوى السادس المعتمد الآن؟ وكيف سيمتحن الطلاب الموجودون خارج الخرطوم؟

وسأل عن الأزمة نفسها: هل يتوقع المدير مغادرة عدد كبير من أساتذة الكلية إن استمر الخلاف، وما تقديره لعددهم؟ وما الحلول التي تقترحها الجامعة ومتى ستُنفَّذ؟ وهل تحتاج إلى دعم من وزارة التعليم العالي أو الدولة، وما الذي طلبته منهما؟ 

أما وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فقد حاول “المحقق”  التواصل مع وزيرها البروفيسور أحمد مضوي موسى يوم الأحد 1 نوفمبر 2026، ولم يصلنا منه رد حتى تاريخ النشر. وسعى  كذلك إلى الوصول إلى وكيل الوزارة عبر المكتب الإعلامي، الذي وعد بالتحقق والرد، ثم أبلغنا لاحقاً بأنه لا توجد إفادة حتى تاريخ النشر. وكان “المحقق” يسعى إلى معرفة موقف الوزارة من قرار التعليم الإسفيري ومن (موجهات) حضور الأساتذة في أغسطس 2026، ومن الأموال التي قيل إنها خُصصت لإعادة الأساتذة، ومن وضع ولاية مدير الجامعة وقيام مجلس الجامعة، ومن الخلاف نفسه وسبل حله.

وتبقى أسئلة أخرى تنتظر جواب الإدارة حين ترد، وفي مقدمتها: هل طُلب من الأساتذة التوقيع على كشف المرتبات إثباتاً للحضور في أغسطس 2026 وما الغاية منه؟ وما نصّ النماذج الإلكترونية التي أصدرتها إدارة الموارد البشرية لتجديد العقود؟ وهل ترتبط معالجة المرتبات باكتمال مجلس الكلية لإجازة نتائج المستوى السادس، وما مصير عقود هؤلاء الأساتذة بعد إجازتها؟ وما سند إعفاء رؤساء أقسام من مناصبهم، ومتى؟ وهل هناك مجلس جامعة قائم؟ وما وضع ولاية المدير؟ وهل ينطبق توجيه رئيس الوزراء الصادر في 26 أكتوبر 2026 باستمرار مراكز التعليم العالي خارج السودان على مراكز جامعة الخرطوم، وماذا ستفعل الجامعة في ضوئه؟

و يؤكد “المحقق” أن باب الرد مفتوح أمام مدير الجامعة والوزارة وكل من وردت أسماؤهم، وأنها ستنشر ما يصلها منهم بنصّه.

ظالمة أم مظلومة؟

الوثائق وحدها لا تجيب عن السؤال الذي يحمله العنوان، ولا يصحّ أن يُجاب عنه قبل أن يُسمع الطرف الذي لم يتحدث. فمن جهة الأساتذة، وثيقة موقّعة من وكيل الجامعة وعميد الكلية تنص على التزام بالمستحقات، وتقابلها بعد أربعة أيام مخرجات لمجلس العمداء تشترط خلاف ذلك ظاهراً. وفي رواياتهم اتهامات كبيرة تتعلق بنقض الاتفاق وبإدارة الجامعة وبإعفاء رؤساء أقسام وبدوافع الإدارة، ولا بد أن تُسمع الإدارة عنها. ومن جهة الجامعة أنها تعمل في ظروف حرب لا تخفى قيودها، وأن المراكز الخارجية كانت، بحسب مديرها، قرار دولة، وإن صدر بعده توجيه لرئيس الوزراء باستمرار مراكز التعليم العالي خارج السودان، وأن الامتحانات ماضية، وأن مجلس العمداء جهة رسمية لها أن تقرر. أما الطلاب فهم أكثر المتضررين من الخلاف أياً كان وجه الحق فيه.

والذي تؤكده الوثائق أن النزاع يدور على سؤال محدد، هو من يتحمل كلفة إبقاء هؤلاء الأساتذة في الكلية، وأيّ النصّين هو المعتمد. وحين يُجاب عن هذا السؤال بنصّ واضح وكشوف صرف معلنة، يصبح الحكم على من ظلم ومن ظُلم أيسر على القارئ. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى