“صمود” والحوار داخل السودان: من يملك حق اختيار السودانيين؟

مهند عوض محمود
تُقدّم «صمود» نفسها بوصفها ممثلةً للمدنيين، لكنها تتحفظ على الحوار داخل السودان، حيث يعيش السودانيون الذين يُفترض أن يكون الحوار من أجلهم، وتوجد قوى سياسية ومجتمعية واسعة. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت «صمود» تمثل المدنيين، فلماذا تتحفظ على حوار يتيح لهم المشاركة والتعبير عن آرائهم في بلدهم؟
في تقديري، الحوار لا يعني تسليم السلطة إلى كتلة سياسية بموجب تسوية، ولا يعني تأييد حكومة قائمة أو دعمها سياسيًا. إنه تشاور حول كيفية حكم البلاد، وإدارة الفترة الانتقالية، وبناء مؤسسات الدولة، وتنظيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وصولًا إلى انتخابات حرة يختار فيها السودانيون حكامهم.
في أول موقف لها من الحوار داخل السودان، اشترطت «صمود» وقف الحرب أولًا قبل مشاركتها في أي حوار سياسي. لكن عقب الاجتماع المشترك للرباعية والخماسية في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2026، جاء بيان الاتحاد الأفريقي داعمًا للحوار السوداني–السوداني. وأكد البيان أن جهود وقف الأعمال العدائية والتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، والمسار الإنساني، وقيام حوار سوداني شامل يملكه ويقوده السودانيون، ينبغي أن تسير بالتوازي، بحيث لا ينتظر أي مسار اكتمال الآخر ولا يتعارض معه.
وجاء هذا الموقف مخالفًا لطرح «صمود»، فسارعت إلى تغيير موقفها وطرحت حصر الحوار في ثلاث كتل فقط (صمود، تأسيس، والكتلة الديمقراطية). وكان موقع «المحقق» الإخباري قد أورد في 15 أكتوبر 2026، نقلًا عن مصادر قريبة من اجتماعات الآلية الخماسية، أن «صمود» طالبت بحصر أطراف الحوار في هذه الكتل الثلاث. وكأن السودان بكل قواه السياسية ومكوناته المجتمعية يمكن اختصاره في ثلاثة مقاعد حول الطاولة!
وهنا يبرز السؤال: أين مكان بقية القوى التي لا تنضوي تحت هذه الكتل؟ فهناك أحزاب سياسية، وقوى مجتمعية، وإدارات أهلية، ونساء وشباب، ونازحون ولاجئون، ومبادرات محلية، لكل منهم مصلحة مباشرة في مستقبل البلاد. وحصر الحوار في مجموعات محددة يتعارض مع الدعوة إلى حوار سوداني شامل.
كما يثير هذا الموقف سؤالًا عن ادعاء «صمود» تمثيل المدنيين. فالتمثيل لا يثبت بمجرد مخاطبة المجتمع الدولي، بل يتطلب التواصل مع السودانيين والاستماع إلى تنوع آرائهم وقبول مشاركة من لا يتفقون مع التحالف. فكيف يمكن لتحالف يدّعي تمثيل المدنيين أن يثبت ذلك إذا استبعد قطاعات واسعة منهم من الحوار؟
وقد اتخذت الدولة خطوة لمعالجة جانب من المسائل القانونية؛ إذ أُعلن في سبتمبر عن القرار رقم 363 لسنة 2026، القاضي بشطب بلاغات الحق العام الجنائية بحق سودانيين مقيمين خارج البلاد إذا دخلوا السودان للمشاركة في الحوار، مع منحهم حصانة إجرائية مؤقتة خلاله. وهذه الخطوة تتيح للقوى المتحفظة أن تطرح مطالبها بشأن المشاركة بوضوح، وأن تناقشها في إطار عملي.
إن انعقاد الحوار داخل السودان، بمشاركة مختلف القوى السياسية والمجتمعية، يتيح للسودانيين المشاركة في نقاش مستقبل بلادهم. أما انعقاده في الخارج، فسيحصر المشاركة في بعض النخب السياسية ويُقصي قطاعات واسعة من السودانيين الذين يتحملون آثار الحرب الناجمة عن خلافات السياسيين، رغم أنهم أول من سيتأثر بمخرجات الحوار.
إذا كانت «صمود» تدعو إلى حوار شامل، فعليها أن تقبل بمشاركة القوى السياسية والمجتمعية، لا أن تحصر الحوار في كتل تختارها. ومن يدّعي تمثيل الناس، عليه أن يقبل بحوار مفتوح معهم، لا أن يختار وحده من يحق له الجلوس حول الطاولة.



