مشهد الانتظار أمام ديوان الزكاة: من الاستجابة للاحتياج إلى صناعة التعافي والتمكين الاقتصادي

د. محمد صلاح علي الفكي
في ساعات الصباح، يتوافد مواطنون إلى مكاتب ديوان الزكاة، ويجلس بعضهم على كراسي الانتظار، يحملون أوراقهم وطلبات المساعدة. بينهم أم تبحث عن دواء لأطفالها، وأب فقد مصدر رزقه، وأسرة فقدت مأواها، وأخرى دفعتها الحرب والنزوح إلى مغادرة منزلها ومكان عملها، بعد أن فقدت مقومات الحياة التي كانت تعتمد عليها.
لم يعد الاحتياج مقتصراً على الفئات التي اعتادت طلب المساعدة؛ فقد دفعت الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل والممتلكات شرائح واسعة من المجتمع إلى دائرة الفقر. وأصبح كثير من المواطنين الذين كانوا يعيلون أسرهم ويعتمدون على أعمالهم ومهنهم في حاجة إلى من يمد لهم يد العون.
وفي هذا المشهد، يبرز ديوان الزكاة بوصفه إحدى المؤسسات الأساسية للحماية والتكافل الاجتماعي. وتُحسب له الجهود التي يقدمها للمستحقين، بما في ذلك تهيئة أماكن الانتظار وتوفير المساعدات. لكن السؤال الأهم يظل قائماً: ماذا يحدث لهذه الأسر بعد حصولها على المساعدة؟ وهل تتغير ظروفها بما يقلل حاجتها إلى العودة مرة أخرى؟
إن توفير مقاعد الانتظار وتحسين إجراءات تقديم الخدمة أمر مهم، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. فالمطلوب ليس فقط تحسين ظروف انتظار المحتاجين، بل العمل على تقليل الأسباب التي تدفعهم إلى الانتظار، ومساعدتهم على استعادة مقومات الحياة والقدرة على الكسب والإنتاج.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير أداء دور الزكاة من الاستجابة للاحتياج اليومي وحده إلى الإسهام في برنامج وطني متكامل يجمع بين الحماية الاجتماعية والتعافي الأسري والتمكين الاقتصادي، مع الالتزام بالمصارف الشرعية وأحكامها.
تبدأ المعالجة بضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة للأسر المتضررة، من خلال دعم الأمن الغذائي والعلاج والأدوية والتعليم والإيواء، ورعاية الأيتام والأرامل وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وإعطاء النازحين والمتضررين من الحرب أولوية تتناسب مع حجم احتياجاتهم.
ولا ينبغي أن تتوقف المساعدة عند توفير الغذاء والاحتياجات اليومية، بل تمتد، بحسب الاستحقاق والموارد المتاحة، إلى مساندة الأسر في استعادة المأوى والأثاث ومستلزمات الحياة وأدوات العمل التي فقدتها بسبب الحرب، بما يساعدها على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار والقدرة على تدبير شؤونها.
إن الاحتياجات والقدرة على العمل تختلف من أسرة لأخرى ؛ فهناك أسر تحتاج إلى الحماية والرعاية المستمرة، وأخرى تستطيع استعادة استقلالها الاقتصادي إذا توفرت لها الأدوات والفرص المناسبة.
لذلك يتطلب التمكين الاقتصادي تصنيف المستفيدين بحسب مهنهم ومهاراتهم وأصولهم الإنتاجية التي فقدوها، وإعادة تأهيل أصحاب المهن والحرف، وتوفير أدوات الإنتاج والمدخلات لصغار المزارعين ومربي الماشية، ودعم الأسر المنتجة والمشروعات الصغيرة.
كما ينبغي ربط التدريب بفرص التشغيل الفعلية، وربط المنتجات بالأسواق ومنافذ البيع وسلاسل القيمة، من خلال شراكات مع القطاع الخاص ومؤسسات التدريب والتشغيل. ويجب أن يستند اختيار الأنشطة إلى دراسة جدواها والطلب الفعلي على منتجاتها، وتوافر مستلزمات الإنتاج، وفرص التسويق، والقدرة على الاستمرار؛ حتى لا تتحول المعدات والتدريبات إلى دعم مؤقت لا يحقق عائداً اقتصادياً مستداماً.
ويتطلب ذلك إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة للأسر المستحقة، تتضمن أوضاعها المعيشية والصحية والتعليمية، ومواقع وجودها، ومصادر دخلها، والأصول والمهن التي فقدتها، والقدرات التي يمكن إعادة تأهيلها.
ويُنشأ لكل أسرة ملف يحدد احتياجاتها ومسار التدخل المناسب لها، مع تطوير آليات استقبال الطلبات والتظلمات، وتوسيع نطاق تقديم الخدمات عبر الولايات والمحليات ومناطق تجمع النازحين والعائدين، بما يقلل مشقة انتقال المواطنين وانتظارهم.
كما ينبغي تحديد أولويات التدخل الجغرافي وفق كثافة الاحتياج وحجم الأضرار ومستوى الخدمات وتوافر فرص العمل والإنتاج، مع تحديث البيانات دورياً، وحماية خصوصية المستفيدين، وضمان عدالة الوصول إلى المساعدات.
لا يستطيع ديوان الزكاة وحده معالجة جميع آثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية. لذلك يتطلب نجاح البرنامج تكاملاً بينه وبين مؤسسات الدولة والولايات والمحليات والقطاع الخاص والمنظمات الإنسانية ومؤسسات التدريب والتشغيل والتمويل.
وتكتسب الشراكة بين ديوان الزكاة والمحليات أهمية خاصة؛ لقرب المحليات من المجتمعات المحلية ومعرفتها باحتياجات الأسر ومهنها ومواردها وفرص الإنتاج في مناطقها. ولا يقتصر دورها على حصر المستحقين وتحديد الأولويات، بل يمتد إلى حصر المشروعات والأنشطة الإنتاجية المتوقفة، وتحديد فرص إعادة تشغيلها، وتنسيق جهود تأهيل الورش والمشروعات الصغيرة، وربط الأسر بالمزارع والأسواق ومنافذ التسويق، وتيسير عودة أصحاب المهن والحرف إلى العمل.
ومن خلال هذه الشراكة، يمكن ربط الأسر القادرة على العمل بفرص إنتاج وتشغيل حقيقية، وتوصيل صغار المنتجين بالمشترين ومؤسسات التمويل والتدريب، وتشجيع المشروعات المحلية التي توفر فرص عمل وتعيد تنشيط الاقتصاد في المحليات. وبذلك تصبح المحلية شريكاً في التعافي والإنتاج، لا مجرد جهة لحصر المحتاجين وتوزيع المساعدات.
ويكون دور الزكاة موجهاً وفق مصارفها الشرعية، بينما تسهم الموارد العامة والتمويل التنموي والشراكات الاقتصادية في إعادة تأهيل البنية الإنتاجية والخدمات والأسواق، بما يضمن عدم تحميل أموال الزكاة مسؤوليات تتجاوز اختصاصها.
وهكذا تتحول المساعدة من تدخل منفصل إلى مسار متصل يبدأ بالحماية، ويمر باستعادة أدوات العمل ومقومات الإنتاج، وينتهي بإعادة دمج الأسر في النشاط الاقتصادي، وخلق مصادر دخل وفرص عمل أكثر استقراراً.
ولا ينبغي أن يقتصر تقييم الأداء على حجم الأموال المجموعة والمصروفة أو عدد المستفيدين، بل يمتد إلى قياس التحسن في حياة الأسر، واستعادة مصادر دخلها، وتحسن أمنها الغذائي، واستمرار أطفالها في التعليم، وقدرتها على الوصول إلى العلاج، واستمرارية المشروعات التي أُنشئت أو أُعيد تشغيلها.
ويتطلب ذلك تحديد خط أساس ومستهدفات زمنية ومؤشرات قابلة للقياس، ومراجعة ملفات الأسر بصورة دورية، مثلاً كل ثلاثة أشهر، لتقييم النتائج وتعديل مسار الدعم وفق تطور احتياجاتها، دون إيقاف الحماية تلقائياً قبل تحقق الاستقرار، أو حرمان الأسر غير القادرة على العمل من الرعاية المستحقة.
إن اختفاء مشهد الانتظار أمام ديوان الزكاة لا يتحقق بإغلاق أبوابه أو تقليل المساعدات، وإنما عندما تستعيد الأسر قدرتها على إعالة نفسها، ويجد القادرون على العمل فرصاً حقيقية للإنتاج، ويحصل غير القادرين على الحماية والرعاية التي يستحقونها.
فالغاية ليست أن يظل الإنسان متلقياً للمساعدة، بل أن يجد الحماية حين يحتاج إليها، والمأوى حين يفقده، والعلاج حين يمرض، وفرصة العمل حين يكون قادراً عليه، ومقومات الإنتاج حين تتوافر له القدرة والإمكانات.
إن النجاح الحقيقي للزكاة لا يُقاس فقط بما تقدمه للإنسان، بل بما تسهم في تغييره في حياته؛ من الاحتياج إلى الاستقرار، ومن فقدان القدرة إلى استعادتها، ومن تلقي العون إلى المشاركة في الإنتاج وتنمية المجتمع.
فالغاية ليست أن تختفي كراسي الانتظار من أمام ديوان الزكاة، بل أن تتراجع أسباب الاحتياج، وتتسع دائرة الأسر التي استعادت استقرارها وقدرتها على العمل والإنتاج، مع بقاء أبواب الحماية مفتوحة لكل مستحق.
إن الرسالة الأساسية من هذا التناول هي أننا لا نريد أن نُحسن إدارة الاحتياج فقط، بل نريد أن نبني شراكة مؤسسية تساعد الأسر على استعادة قدرتها على العمل والإنتاج، مع استمرار الحماية لكل من يحتاج إليها.



