تحقيقات

الفراخ والبيض.. نذر فجوة قادمة وهروب قسري من المائدة السودانية

هل يختفي الفراخ و البيض من مائدة الأسرة السودانية ؟ سؤال بات يطرح نفسه بقوة مع دخول قطاع الدواجن مرحلة جديدة من الضغوط، بعد أن كانت مؤشرات التعافي قد بدأت تلوح عقب تحرير الخرطوم. فبين ارتفاع خرافي لأسعار الأعلاف، وشح في الوقود والكهرباء، ونقص حاد في اللقاحات، يجد المنتج نفسه بين مطرقة التكاليف وسندان انكماش الطلب، فيما يدفع المستهلك الثمن.
“المحقق” تابع رحلة الدواجن في محاولات منتجيها للعودة إلى الإنتاج والسوق، و وقف على العقبات التي اعترضت طريق تلك العودة، وتحدث إلى منتجين ومسؤولين، وخرج بهذه الحصيلة التي يضعها بين أيدي القراء.

تحقيق – هالة حمزة

من التعافي إلى التوقف:

لم تكتمل رحلة تعافي قطاع الدواجن التي بدأت بعد تحرير الخرطوم. فبحسب طبيب بيطري يعمل في مجال الدواجن منذ أكثر من عشرين عاماً، هو الدكتور محمد أنور، ارتفعت مستويات الإنتاج في قطاع التسمين تدريجياً من نحو 20% إلى ما يقارب 50% من حجم الإنتاج قبل الحرب، في مؤشر بعث على التفاؤل. غير أن الأشهر الثلاثة الماضية جاءت بمرحلة جديدة من الضغوط، بدأت بارتفاع أسعار مدخلات الأعلاف، وتزامنت مع اضطرابات متكررة في الإمداد الكهربائي دفعت المزارع إلى الاعتماد المتزايد على الوقود مرتفع التكلفة.

ويقول أنور إن الزيادات في التكاليف استنزفت نحو 85% من الأرباح، قبل أن تقضي موجة الارتفاع الأخيرة في أسعار مكونات الأعلاف على ما تبقى من هوامش، لتتدحرج المَزارع الصغيرة أولاً إلى دائرة الخسائر والتوقف، ثم تمتد الأزمة إلى المزارع المتوسطة.
ويحذر دكتور أنور من انتقال الموجة إلى الشركات الكبرى خلال الفترة المقبلة، بما يحمله ذلك من تداعيات أشد خطورة على مستقبل الصناعة.

أرقام تتحدث عن أزمة:

الأرقام التي أوردها مدير مبيعات الصيصان (السواسيو) عمر يوم لاحم وبياض بشركة “أمات الدواجن”، الدكتور خالد الطيب، تكشف حجم المشكلة، فقد قفز سعر طن العلف من 3.5 مليون جنيه في بداية أغسطس إلى 10.2 مليون جنيه اليوم، فيما ارتفع أردب الذرة من 500 ألف إلى 1.4 مليون جنيه. والعلف وحده يمثل 70% من تكلفة الإنتاج، ما يفسر ارتفاع سعر بيع الدجاج للمستهلك إلى 28–30 ألف جنيه للكيلو.

ويؤكد الطيب توقف الإنتاج بشكل شبه كامل، إذ لم تعد هناك طلبيات جديدة للصيصان، ما اضطر الشركة لإيقاف إيداع البيض المخصب في المفاقس لتقليل الخسائر، بتكلفة تبلغ نحو 30 ألف دولار يومياً من الدجاج اللاحم و100 ألف دولار من البياض. ويكشف أن خسائر الشركة جراء الحرب تجاوزت 20 مليون دولار، لكن الخسائر الآنية بسبب عدم توفر مدخلات الإنتاج وارتفاع أسعارها تفوق خسائر الحرب نفسها.

ذبح القطعان… نذر فجوة قادمة:

في محاولة لتقليل الخسائر، لجأ كثير من المربين إلى ذبح القطعان اللاحم والبياض في زمن واحد، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في المعروض من الفراخ.
لكن المنتج طارق عبيد الله يحذر من أن هذه الوفرة الظاهرة تخفي وراءها أزمة مقبلة، إذ إن خروج منتجين كثيرين من دائرة الإنتاج وذبح قطعانهم يهدد بحدوث ندرة في المدى البعيد.

ويشير عبيد الله إلى أن عدم توفر الذرة الرفيعة، أحد المكونات الأساسية للأعلاف، إلى جانب ارتفاع أسعار الأمباز ومدخلات الإنتاج الأخرى، أسهم في زيادة تكلفة التربية. أما أزمة الوقود فقد ألقت بظلالها على عمليات ترحيل الأعلاف والمدخلات، نتيجة شح الجازولين وارتفاع سعره في السوق الموازي، ما ضاعف الأعباء التشغيلية.

البيض.. إختفاء قسري:

على مستوى منتجي الدواجن البياض، يحذر المنتج بأم درمان، ميرغني علي، من أن بيع الدجاج البياض كلحم لا يعني فقط خسارة للمنتجين، بل يعني أيضاً تراجع الطاقة الإنتاجية للبيض، ما قد يؤدي لاحقاً إلى انخفاض المعروض وارتفاع الأسعار. ويضطر المستهلك حينها إما إلى شراء اللحوم الحمراء التي بلغ سعر كيلو العجالي منها 40 ألف جنيه والضأن 60 ألف جنيه، وإما إلى اللجوء للاستيراد لسد الفجوة.

وتزداد الصورة قتامة مع توقف الفقاسات الكبيرة في الخرطوم عن الإنتاج خلال الحرب، ما ضاعف سعر الكتكوت الوارد من الولايات أو من الخارج ثلاثة إلى أربعة أضعاف، إلى جانب ارتفاع نسبة النفوق أثناء الترحيل وتكلفته. أما الأدوية واللقاحات، التي تُستجلَب أغلبها من الخارج بدولار مرتفع، فتشهد نقصاً حاداً أدى إلى انتشار أمراض كالنيوكاسل والجمبورو، والتي تسببت في نفوق قطعان كاملة.

الطاقة.. البحث عن شريان للحياة:

لا يتحمل قطاع الدواجن انقطاع كهرباء ولو ليوم واحد، كما تؤكد الخبيرة البيطرية الدكتورة نوال عبدالله، إذ يؤدي توقف أنظمة التهوية والتبريد والتدفئة في ظل درجات الحرارة المرتفعة إلى تعريض القطعان للنفوق وتهديد الاستثمارات. ويضاف إلى ذلك حاجة المولدات للجازولين، وتأثر القطاع بهجرة ونزوح العمالة والعاملين، ما تسبب في انهيار إنتاج الخرطوم من البيض واللحوم البيضاء.

تجاهل رسمي:

وسط هذا المشهد، تتكرر مطالب المنتجين دون استجابة تُذكر. فقد علم “المحقق” من مصادر موثوقة أن غرفة الدواجن خاطبت وزارة المالية منذ نحو شهرين بشأن إعفاء الذرة الشامية المستوردة من الرسوم، دون أن تتلقى إجابة حتى اللحظة. وتتساءل الدكتورة نوال عبدالله عن تباطؤ الاستجابة وعن دور وزارة الثروة الحيوانية في تبني قضايا القطاع.

وتشدد على أن إعفاء الذرة الشامية وتوفير الجازولين ومعالجة أزمة الكهرباء ليست مطالب تجارية لفئة من المستثمرين، بل إجراءات ضرورية لحماية الإنتاج الوطني وتوفير البروتين الحيواني والمحافظة على فرص العمل. وتخلص إلى جملة تختصر الموقف كله: “إنقاذ صناعة الدواجن اليوم أقل تكلفة من إعادة بنائها غداً”.

وكيل وزارة الثروة الحيوانية د. عمار الشيخ

جاهزية تفاوضية:

وكيل وزارة الثروة الحيوانية د.عمار الشيخ ذكر لـ”المحقق” إن الحرب لم تؤثر على الدواجن فقط وإنما قطاع الالبان خاصة بولاية الخرطوم والتي فقدت 80% من الأبقار المنتجة للألبان.
وأكد الوكيل انسحاب تداعيات الحرب على قطاع الدواجن والابقار والأسماك وكافة القطاع الأخرى، نتيجة إرتفاع مدخلات الإنتاج
وشح الوقود وإرتفاع اسعاره للظروف العالمية بسبب الحرب الراهنة بين إيران وأمريكا.
وأشار لتأثر قطاع الدواجن كثيراً بإرتفاع أسعار الأعلاف ما يتطلب ضرورة البحث عن حلول.
ولفت الشيح لجلوس وزارة الثروة الحيوانية مع غرفة الدواجن منذ أن كانت تمارس مهامها بالعاصمة الإدارية ببورتسودان لحل مشاكلهم.
وأشار لجاهزيتها للإستمرار في التباحث والوصول لحلول مستقبلية ناجعة ليتمكن القطاع من شق طريقه كما كان في الماضي في تغطية الطلب المحلي .
وأعرب الوكيل عن أمله في حل كل مشاكل مدخلات الإنتاج وخاصة الاعلاف.
والتي قطع بحاجتها لجلوس وتنسيق مشترك بين الجهات الرسمية وغير الرسمية كغرفة الدواجن، ووزارات المالية والثروة الحيوانية والزراعة للإتفاق على حل جذري ينهي المشكلة ويؤدي لتعافي القطاع وإستعادة نشاطه.

صندوق لدرء المخاطر:

من جانبها، تقترح نهلة، المسؤولة بإدارة التمويل والمخاطر والتأمين الزراعي بوزارة الزراعة، إنشاء صندوق لضمان واستقرار قطاع الدواجن، بشراكة بين الدولة والبنوك وشركات التأمين والقطاع الخاص، إلى جانب دعم مخاطر الإنتاج وضمان استمرار المربين. وتدعو إلى تطوير قاعدة بيانات جغرافية للمزارع والمخاطر، وإنشاء مخزون استراتيجي أو آلية شراء جماعي للخامات الأساسية، وتشجيع التصنيع المحلي للأعلاف، ودعم حلول الطاقة البديلة، وتشجيع التعاونيات على الشراء بالجملة.

من المحرر:

قطاع الدواجن في السودان ليس مجرد مزارع ومصانع وأرقام إنتاج، بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة ترتبط بها آلاف الأسر، وتعمل في خدمتها كفاءات بيطرية ومهندسون وفنيون وعمال وتجار وناقلون. وكل مزرعة تتوقف تعني فرص عمل تتراجع، ودخولاً أسرية تتأثر، وطلباً ينكمش على الأعلاف والصيصان والخدمات، لتنتقل الخسائر من حلقة إلى أخرى.

فهل يختفي البيض والفراخ من المائدة السودانية؟ المؤشرات تقول إن الطريق إلى ذلك بات ممهداً ما لم تتدخل قرارات عاجلة، قبل أن تمتد تداعيات الأزمة إلى الشركات الكبرى وقطاع الأمات وإنتاج الصيصان، وعندها لن يكون السؤال عن البيض وحده، بل عن قدرة البلاد على استعادة قطاع كامل من الإنتاج الغذائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى