الحوار الذي يحتاج إليه السودان!

الدكثور الخضر هارون
والحوار الذي ظل قطاع كبير من السودانيين يطالب به ويتطلع إليه منذ عقود، هو حوار غايته أن يفضي إلي توافق علي الكيفية التي يدار بها الوطن بما يرضي كل مكوناته ويشعرهم بالمساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب المعتقد أو اللون أو الإقليم ويساهم في معالجة التشوهات الموروثة عن المستعمر وتلك الناتجة عن أخطاء وخطايا لاحقة أورثت تباينات في مستويات التنمية وخلفت مشاعر من الغبن والشعور بالظلم تطورت لمحاولات السعي لعلاجها بقوة السلاح.
وتجزئة الحوارات لأقل من تلك الغاية غير مجدي ويعد كوضع ضمادات علي جروح غائرة في الجسد الأمر الذي قد يفضي إلي البتر والإعاقة الدائمة. ولعل التمادي في انتهاج الحوارات الجزئية غير المصوبة لحلول ناجعة وشاملة هي التي أدت للوضع الذي يعيشه السودان حاليا والذي يوشك أن يعصف بوجوده كدولة. ذلك يتطلب أن يكون الحوار شاملا لا يستثني أحدا متحسبا لعدم ترك ثغرة تدفع قطاعاً جديداً من الناس لحمل السلاح في طلب العدل والإنصاف، أري أن تكون محاوره شاملة ما يلي من قضايا:
-الجيوبوليتيكا : الوضع الدولي والاقليمي اليوم
-حال السودان قبل انفصال الجنوب
-بحث أسباب الانفصال الموضوعية الداخلية دون التطرق للدور الخارجي.
وهل تنطبق تلك الأسباب علي أجزاء أخري قد تفضي لذات النتيجة أم أنها أخف وتحتاج فقط لمعالجات.
-تكوين السودان الحالي
دور الاستعمار في ذلك
عناصر قوة الرباط القومي وعناصر الضعف
لابد لمبتدأ الحوار أن يشمل ذلك كله.
•لو تم الاتفاق بين الفرقاء أجمعين أن ما يعانيه السودان اليوم ليس سوي اختلالات وإخفاقات صاحبت قيام الدولة المستقلة منذ العام 1956 بعضها موروث وبعضها نواقص وأخطاء فشل السودانيون في معالجتها حتي استفحلت وتعذر علاجها. إذا اتفقنا علي ذلك لزم النظر في ذلك كله لتحسس مواطن الخلل ولجعل الحوار نهائياً وناجعاً يفتح فصلاً جديداً في تاريخ السودان يتسم بالاستقرار والديمومة، فالحوار الذي لا يستوعب ذلك ولا يناقشه بشجاعة ووضوح يضيف للإخفاقات القديمة اخفاقا جديدا يزيد من الاحباط ويفقد مصطلح الحوار معناه ويجعل الدعوة إليه مستقبلاً صرخة في واد سحيق لا يسمعها أحد.
والفضلاء الذين اقترحوا علي السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي ابتدار هذا الحوار إن جعلوا نقطة البداية فيه هي أبريل 2019 يكونوا قد اختزلوا التاريخ اختزالاً مخلا وأصابوا غاية الحوار المرجوة وهي الديمومة والاستقرار كقواعد للتنمية ورفاهية المواطن السوداني والمواطنة، في مقتل قبل أن يبدأ لأن الإصلاح المطلوب يشمل تناول جملة المظالم المصاحبة لقيام الدولة المستقلة والتداول حول طرق مخاطبتها زمن ثم كيفية معالجتها. فالمدى الطويل الممتد منذ الاستقلال في أول يناير 1956 شارك فيه الجميع بلا استثناء في حكم البلاد . الحزبان الكبيران، الأمة والاتحادي، القوميون العرب والبعثيون والشيوعيون والإخوان المسلمون وقوى الحرية والتغيير بعد 11 أبريل 2019 وكذلك الحركة الشعبية شمال وقيادات الجيش وحركات دكتور جبريل إبراهيم والسيد مني أركو مناي وينطبق هنا قول السيد المسيح “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر” . لا تتميز جهة علي أخري بشيء ومقتضى الحال أن لا مزية لأحد على أحد فليكن الحوار مراجعة عامة وتلاوم جماعي لا يقصي أحدا ولتطرح فيه كل القضايا لتجاوز عثرات الماضي جميعا ويقيني لن يترتب خير على حصر الأمر في 2019 بالرجوع لمرجعيات عصفت بها حرب ابريل 2023 وأشبعتها موتاً كالوثيقة الدستورية والتلاؤم بالحديث عن من خرقها وعبث بها والبناء علي ذلك الجدار المنهار لحقبة جديدة يكون سعياً خائبا كالتماس جني العنب من شجيرات الشوك. والأزمة الحالية هي إحساس قطاعات واسعة من السودانيين تشعر بأنها خارج مضمار الفعل في السودان ولا تملك الإحساس العميق بالانتماء إليه وكأن إدارة المشهد حكراً على فئات بعينها.
كان لهذا الإحساس أسبابه في السابق وقبل دخول السودان حقبة الدولة الأمة العصرية التي يسمى الانتماء إليها بالمواطنة لا بعرق أو جهة أو معتقد .
في السابق كانت الدولة دولة جهة أو جهات أو قبيلة أو مجموعة قبائل قبل أن يترسخ لاحقا مفهوم الدولة الوطنية الجامعة : السودان. ولا بد هنا من الإشارة إلي أن حواضن الحكم القائم قد طافت بأنحاء السودان المختلفة وراء عشيرة الحاكمين ففي دولة الفونج التي استمرت لأكثر من ثلاثة قرون كانت العاصمة سنار ومناطق النيل الأزرق هي حواضن الدولة كما كانت الحلفاية وقري هي مناطق الحظوة لدي عشيرة العبداللاب وكان للتعايشة في أم درمان مثل ذلك أيام خليفة المهدي عبد الله محمد تورشين. وهكذا يقول التاريخ لم يكن الأمر تاريخياً حكراً علي أهل البحر ولم يستفردوا وحدهم بأبهة الحكم وثماره كما ترسخ في الأذهان.
وبعد الاستقلال ووفق مفهوم ( الدولة – الأمة) تكرس مفهوم الهوية في عبارة “أنا سوداني” لأغراض التوثيق والتعليم والسفر والظفر ببعض الحقوق لكن المفهوم لم يترسخ بالقدر الذي يحفظ كيان الدولة المتحدة. وانفجرت الحروب بقلة رسوخ ذلك الإحساس وظني اليوم ألا أحد يريد الانفصال حتي المنادين به، من هذا البلد الواسع العريض الغني بالثروات، لكنهم يرومون النصفة والحصول علي حقوقهم المشروعة في إدارة الشأن العام لبلدهم فثوار الأطراف عندما امتشقوا السلاح كانوا يرون أنهم سيحصلون علي حقوقهم إن أصبحوا هم الحكام أو شاركوا بمقدار ثورتهم في حكمه ولا أعني ولا ألمح إلي المليشيا التي تحارب الدولة اليوم فهي مخلب قط لعدوان شامل يستهدف كل السودان لكني أعني الحركات التي تسلحت من قبل تريد انتزاع الحقوق بعنف السلاح. وهكذا أصبحت الثورة بالسلاح وسيلة للحصول علي الحقوق. وهذا مأزق تاريخي للأسف يفضي للتشرذم وإن لم يكن هو الباعث علي الثورة أو التمرد. استثني من ذلك انفصال الجنوب فالجنوب منع بسياسات الاستعمار وتجارة الرقيق في التركية، منع من الاندماج في الثقافة التي سادت الشطر الشمالي من البلاد بقوانين المناطق المغلقة وبمنع ماكنزمات التثاقف الحر المتبادل حيث تأخذ كل ثقافة من الأخرى بحرية لا بمنطق الفرض و الهيمنة والإكراه وبأجور أقل فرضها الاستعمار لشاغلي نفس الوظائف التي يشغلها شماليون على الجنوبيين وبخطل سياسات الحكومات بعد الاستقلال .
والحلول الجزئية للتصدي للمظالم تحل مظلمة وتخلق أخريات كما هو الحال حالياً فسكان الوسط والشمال والشرق وحتي ولاية الخرطوم خارج منها الثلاث المكونة للعاصمة الوطنية، يشعرون بأنهم خارج دائرة الفعل السياسي ويطالب بعضهم بالانفصال لذلك لزم أن تطرح القضايا جميعا في فترة الانتقال هذه في كنف الوضوح والصراحة لبناء الدولة علي أسس متفق عليها تحظي برضا الجميع.
ولعل المؤتمر الوحيد الذي اتصف بالشمول والشفافية هو مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 للتداول لحل مشكلة الجنوب، شارك الجميع فيه وبضمانات للمعارضين الذين علقت إجراءات ملاحقتهم وتمكينهم من المغادرة بعد انتهاء المؤتمر ، أقري جادين ووليام دينق وسواهم. وقد نجح المؤتمر في التوصل لحكم إقليمي للجنوب قال عنه مولانا أبيل ألير أنه كان كافيا للإبقاء علي الجنوب ضمن السودان رغم أنه أقل من مطلب الفيدرالية. ومع ذلك لم يطبق وانشغل الساسة بانتخابات تقيم النظام الرئاسي عام 1970 طوح بحلمها نميري واليسار في مايو 1969 لكنها كانت قاعدة اتفاقية أديس أبابا التي منحت السودان عقدا كاملا من السلام وعند إلغائها في عام 1983 بدأت حرب أشد ضراوة أدت لانفصال الجنوب.
لكن يحدثنا التاريخ أن الدولة السودانية فيما تبقى من السودان بعد ذهاب الجنوب و قبل مجي التركية قامت على التراضي لا التغلب فسلطنة الفونج التي كانت حاضنتها الاجتماعية في النيل الأزرق وعاصمتها في سنار كونت ما يشبه الكونفدرالية مع سلطنة العبداللاب في الوسط والشمال ثم ضمت إليها المسبعات في كردفان والعباسية في جبال النوبة. أما سلطنة دار فور التي أسسها سليمان صولون ( 1590- 1637)فقد حفر السلطان المؤسس سليمان شريطا ممتدا من الغرب في دار فور إلي النيل في وسط السودان في تلال كأقا في الشرق لربط دارفور بالمشرق وجلب علماء من الشرق لتعليم الناس أصول الدين في مملكته. وأكد ذلك ماكمايكل الذي قال إنه لما زار تارا عاصمة السلطنة القديمة عام 1916 ومكان دفن موتاهم وجد مكاناً كان مخصصا للعلماء ووجد شيخا قال له إنه حفيد إدريس الذي كان قد جاء به سليمان صولون من جهة النهر قبل سبعة قرون . يقول القس جي .سبنسر ترميينقهام . لقد ربط سليمان صولون مملكته بالممالك الإسلامية في الشرق.
ودارفور بذاك الصنيع قد أضافت كثيرا للتواصل مع الشرق وجاء حفيده أحمد بوكور فزاد وتيرة ذلك التواصل مما عمق وأسرع بعملية الأسلمة في سائر أنحاء السودان .وأخذت سلطنة دار فور شكل الدولة المسلمة حتي زوالها في 1916 (حدث انقطاع عام 1874 عندما ضمها الزبير باشا لدولة محمد علي باشا في السودان وظلت جزءا من دولة المهدية حتي سقوط السودان عام 1898 في قبضة الحكم الاستعماري الذي ضمها مجددا عام 1916) .
واستقدم سلاطين الفونج والفور علماء الإسلام ومشايخ الصوفية من كل أنحاء العالم. وبشر عثمان دانفوديو في شمال نيجيريا بظهور المهدي في السودان قبل خمسين عاما من قيام الثورة المهدية فتوافدت أعداد من الفولاني والهوسا منذ ذلك الوقت إلي السودان في انتظار المهدي . ولعبت المملكات الإفريقية (وداي وبرنو) دورا في تعضيد الدين في السودان . كما أن طرق الحج إلي الأراضي المقدسة من غرب وشرق أفريقيا قد عمقت تأثير هذا العامل الديني ولا حاجة بنا إلي الإيغال في الماضي السحيق بالإشارة إلي أن السودان يضم أكثر عدداً من الأهرامات في العالم وهي ليست سوي مستودعات تكنز فيها المقتنيات لحياة بعد الموت تدل على الدور الذي يلعبه الدين في حياة السودان مذ كان السودان . وهذا قبل ظهور موضوع دولة المواطنة الحديثة في السودان إذ كانت الرابطة التي تربط المواطنين بالدولة هي الرابطة والمشروعية الدينية.
ثم جاء القرن التاسع عشر بطائفتي الختمية والأنصار اللتين تقاسمتا ولاء السودانيين و ارتقتا به درجة في سلم الولاء فوق الولاء القبلي. ولما فرض العصر الولاء للوطن في إطار (الدولة – الأمة )وضعف الولاء الطائفي برزت المطالبة بحق المواطنة وفق الفهم الجديد للولاء وطالبت المجموعات بحقها في الثروة والسلطة..
وقد التمسنا العذر آنفا مستبعدين العوامل الخارجية التي عمدت لفصل الجنوب، للجنوبي الذي لم يجد على العموم نفسه في سياق السودان المستقل فسعى للحصول علي حقوقه بالانفصال.
والسودان متجانس جداً اليوم بعد انفصال الجنوب من حيث الثقافة العامة والذوق الفني و الزي القومي وفي المطبخ وفي جملة عادات الأفراح والأتراح بدرجة لا ترقى لفض الشراكة وإلى تقسيمه لعدة دول لكن بقيت مخلفات تفرق بين جهاته فالشمال والوسط لا يذكران أيام خليفة المهدي بخير رغم أنه في بداية الثورة على يد المهدي عندما كانت دوافع الدين غالبة ولم تتحول شعارات الثورة الدينية إلى تكوين الدولة كان أعظم قواده هم ود النجومي ومحمد الخير من الشمال وعثمان دقنة من أقصي الشرق وكانوا في مصاف نظرائهم من قواده من غرب السودان كالخليفة عبد الله نفسه، وحينها لم يكن مفهوم السودان كوطن جامع قد أصبح معياراً للولاء فكان الولاء للدين .. لكن وفاة المهدي المبكرة أضعفت الإيمان بالمهدية وضعف سلطان الولاء الديني بعد أن تحولت المهدية إلي دولة على يد خليفته عبدالله محمد تورشين وحل الولاء القبلي والجهوي محل الولاء الديني ورأي أهل الشمال وأولهم أقرباء المهدي في دولة الخليفة دولة قبيلة وبقي من تلك الحقبة كمخلفات شنشنات :أولاد الغرب وأولاد البحر! رغم أنها بدأت في التلاشي وزادت وتيرة التزاوج والتآلف قبيل حرب أبريل 2023 التي لازالت تزهق الأرواح وتؤجج ما انطفأ من نيران العرقية والجهوية والكراهية وتعيدها قروناً عديدة إلي ما كانت عليها في عصورها المستقبحة.
في ضوء ما تقدم ، ما من قيادة حكيمة للدولة تغفل الروابط التي تشد أطراف وطنها أيا كانت فتعمد إلى تقطيعها ومنها في السودان هذا البعد الديني في تكوين السودان الحديث كيفما كانت معتقدات تلك القيادة وارتباطاتها الاقليمية والعالمية ولتقل القيادة للجميع (يا هو دا السودان) لم نصنعه نحن فهو هكذا منذ الأزل تشد أجزاؤه المعتقدات الدينية وكنا نقول ذلك فيقبل . وهذا يقودنا إلى ضرورة استصحاب الجيوبوليتيكا في محاولة استنقاذ الدولة من المستنقع الحالي دون الإذعان الكامل الذي ينزع خصائصنا المميزة لشعبنا إرضاء لأهوائهم . يتم تطمين دول شقيقة في المحيط بأن ما من أحد في السودان ستسمح له الدولة بزعزعة الاستقرار في محيطه وأن للسودان موقع وظروف وله خصائص جراء ذلك إن تخلى عنها انفرط العقد الذي يشد أطرافه وهو في التخوم مستهدف يسهل الانقضاض عليه بالتنازل والذي قد يبدو تشددا من سلوكه يماثل المعتاد في بلدانهم فهو يتشدد ليصل إلى ما هم عليه فهو يستدعي قواه الحية من أجل البقاء لا يملك رفاهية ما هم عليه من الأريحية . قال اللورد كرومر عندما منع التبشير المسيحي بين المسلمين في السودان للكنائس التي كانت معترضة علي قراره بالمنع، يبرر المنع (ترجمتنا لكتاب جون سبنسر ترمينقهام “النهج المسيحي لتنصير المسلمين في السودان” ، تحت الطبع) إن مصر قد بلغت قدراً من الحداثة والليبرالية بقدر يسمح للمواطن العادي التفريق بين ما تفعله الحكومة وما تفعله الهيئات الخاصة كالكنائس لكن السودانيين لم يبلغوا ذلك المرتقي وسينسبون عمل الكنائس إلي الحكومة ويعتبرونه عملاً حكومياً يستهدف دينهم فينفرط عقد النظام وتحدث الاضطرابات . لذلك خصصت عربات في القطارات للنساء مكتوب عليها “حريمات “. كانت هناك حتي بعد الاستقلال، ولم يكن الحال كذلك في المحروسة.
ومن تعريفات الجيوبوليتيكا أن تعرف أنت قدر نفسك: ما تملك من إمكانات وثروات ومواقع جغرافية تسوق بها بلدك في الميادين المختلفة وعلى ذلك تصوب سياساتك تجاه الخارج وتعلم في نفس الوقت ما قد يريده العالم منك وفق ثرواتك وموقعك الجغرافي لتعلم أن العالم والاقليم والجوار يحددان طريقة التعامل معك وفقاً لذلك ولتحرص ألا يكون ما عندك مطية لاستهدافك ذلك يقتضي تأسيس دولة قوية متماسكة راغبة في تبادل المنافع بالحسني وفق قاعدة الكل رابح win-win وليبدأ السودان بالجوار العربي والإفريقي وليحرص علي عدم إثارة شكوك الجوار ومخاوفه على أمنه واستقراره عبر شراكات لإقامة مشروعات ضخمة مشتركة مع مصر وإثيوبيا والسعودية وجنوب السودان ودول الخليج يجعلها جميعا حريصة علي استقراره ورفاهية شعبه وشعوب المنطقة بما يدرأ عنه الشرور والأطماع ولينأي بنفسه عن التطرف بالقول والفعل وليتخير في ظروف الانتقال هذه إسناد الأمور في إدارة الدولة للعناصر الوطنية المخلصة التي تضع ذلك كله نصب أعينها حتي تقيم نظاما بعد الانتقال يضع ذلك كله نصب أعينه كخطة للبقاء وركيزة للتنمية لا تثير الغيرة ولا الأطماع . وليعهد السودان بالتشاور عبر آليات الجامعة العربية والاتحاد الافريقي لبيوت خبرة متخصصة تدرس ذلك بجدية.
هذه قضايا من صميم الحوار لا تقوي أحزابنا المتشظية الضعيفة من تمثيل تلك الجهات والتعبير الصادق عنها. لذلك كنا نري دوما استفتاء المظاليم الجدد وأخذ مرئياتهم ومقترحاتهم عن كيف ترفع عنهم المظالم واقترحنا عبر كتابات عديدة الأطر العامة للحل: أقاليم خمسة أو ستة تتيح لكل اقليم حظوظ أبنائه عبر الوسائل الديمقراطية الاضطلاع بمسؤوليات الحكم وشؤون التعليم والتنمية وحفظ الأمن في اطار فيدرالية حقيقية بجيش فيدرالي واحد قوي وشرطة فيدرالية لمحاربة الجريمة العابرة والمخدرات والارهاب وسياسة خارجية وتعليم عال موحد.
ولضعف الأحزاب وللظروف الأمنية التي لا تسمح لها بتحشيد كوادرها، نري أن يبدأ تصعيد ممثلي المناطق من المحليات صعوداً عبر الولايات حتى المستوى الوطني بالتركيز على قطاع الشباب والشابات العاملين الذين تصدوا بشجاعة خلال هذه الحرب لخدمة مناطقهم وخدمة أهاليهم في الطبابة والتدريس والتمريض وغير ذلك دون لافتات حزبية تشهد عليهم أعمالهم وحدها، إلى المستوى القومي عوضا عن الانتظار المفتوح لتكوين مفوضية للانتخابات وإحصاء للسكان وتقسيم للدوائر الله وحده يعلم متى يكون ذلك وليكن ذلك ابتكاراً سودانياً لشيء ديمقراطي متفرد. وهو لن يكون مبرأ من شوائب القبلية والحزبية لكنه سيكون أفضل منهما معاً ليكون حجة على كل جهة في مقبل الأعوام بأنه نتاج استشارة شعبية مباشرة وليسبق ذلك التنبيه بأن هذه فرصة نادرة للمساهمة في كيف يكون الوطن.



