رأي

الورقة التحليلية الرابعة: الدولة والمناعة الوطنية… لماذا تصمد دول وتنهار أخرى؟

هشام يوسف عبد الرحمن

 

《تأتي هذه الورقة رابعةً في سلسلة «السودان في مرآة النظام الدولي»، بعد مقدمة وثلاث أوراق ناقشت تحولات الحرب في القرن الحادي والعشرين، وحروب الوكالة، واقتصاد الحرب. وتنتقل هذه الورقة إلى محور الدولة والمناعة الوطنية لفهم العوامل التي تجعل بعض الدول أكثر قدرة على الصمود من غيرها..》

إذا كانت الحروب الجديدة، وحروب الوكالة، واقتصاد الحرب، قد أعادت تشكيل البيئة التي تتحرك فيها الصراعات المعاصرة، فإنها لا تفسر وحدها اختلاف مآلات الدول التي تخوض تلك الصراعات. فالتاريخ الحديث يكشف أن دولاً تعرضت لضغوط خارجية متشابهة، لكنها انتهت إلى نتائج مختلفة. بعضها استطاع الحفاظ على تماسكه واستعادة مؤسساته، بينما انزلقت دول أخرى إلى دوامات طويلة من التفكك والعنف. وهذا يعني أن تفسير الصراع لا يكتمل بدراسة الخارج وحده، بل يتطلب فهماً لطبيعة الدولة نفسها، ولمستوى مناعتها الداخلية. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر عمقاً: لماذا تكون بعض الدول أكثر قابلية للاختراق من غيرها؟

لعل عبد الرحمن بن خلدون كان من أوائل من أدركوا أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من جيوش فحسب، وإنما بما تمتلكه من تماسك اجتماعي وسياسي. ففي “المقدمة”، يربط بن خلدون بين قيام الدولة ووجود رابطة جامعة قادرة على إنتاج الشرعية وحماية النظام العام. وعندما تبدأ هذه الرابطة في التآكل، لا يكون الانهيار نتيجة للهجوم الخارجي وحده، وإنما نتيجة لفقدان الدولة قدرتها على صيانة وحدتها الداخلية. فالخارج قد يعجل بالسقوط، لكنه نادراً ما يكون منشأه.

ويأتي مالك بن نبي ليقدم امتداداً حضارياً لهذه الفكرة من خلال مفهومه الشهير “القابلية للاستعمار”. ولم يكن يقصد بذلك تحميل الضحية مسؤولية ما يقع عليها، ولا تبرئة القوى الاستعمارية من أفعالها، وإنما أراد التنبيه إلى أن التدخل الخارجي ينجح حين يجد بيئة داخلية مهيأة لاستقباله. فكلما ضعفت المؤسسات، وتراجعت الفاعلية الحضارية، وانكمش المشروع الوطني الجامع، ازدادت قابلية المجتمع لأن يصبح مجالاً مفتوحاً لتأثير القوى الخارجية.
وبهذا المعنى، لا يبدأ الدفاع عن السيادة عند الحدود، وإنما يبدأ داخل الدولة نفسها؛ في المدرسة، والجامعة، ومؤسسات العدالة، والإدارة العامة، والاقتصاد، وفي قدرة المجتمع على إنتاج الثقة المتبادلة بين مكوناته.

ومن زاوية مختلفة، يقدم أنطونيو غرامشي مفهوماً لا يقل أهمية، هو مفهوم الهيمنة. فالسيطرة، في نظره، لا تتحقق بالقوة المسلحة وحدها، وإنما بالقدرة على تشكيل الوعي العام، وإنتاج القبول، والتأثير في النخب، والمؤسسات، والخطاب الثقافي والإعلامي. ولذلك، فإن معركة الدولة لا تُحسم في ميدان القتال وحده، بل تُخاض أيضاً في ميدان الأفكار، والتعليم، والإعلام، والرموز، والسرديات الوطنية.

وهنا تلتقي رؤية غرامشي مع تحليلات عبد الوهاب المسيري، الذي يرى أن الهيمنة الحديثة لم تعد تعتمد، في كثير من الأحيان، على الاحتلال المباشر، وإنما على إعادة تشكيل البيئات السياسية والاقتصادية والثقافية بما يجعل النفوذ أكثر رسوخاً وأقل ظهوراً. فالسيطرة في عصر العولمة لم تعد تمارس دائماً عبر الجندي، بل قد تمارس عبر الاقتصاد، والإعلام، والمعرفة، وإدارة شبكات النفوذ.

أما صامويل هنتنغتون، فيلفت الانتباه إلى أن أخطر ما يواجه الدول ليس وجود خصوم خارجيين، وإنما ضعف مؤسساتها السياسية. ففي كتابه “النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة”، يؤكد أن الاستقرار لا ينتج عن القوة العسكرية وحدها، بل عن قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف، وإنفاذ القانون، والحفاظ على الشرعية. وعندما تتآكل هذه القدرة، تصبح الدولة أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، لأن الفراغ المؤسسي لا يبقى فراغاً طويلاً؛ إذ سرعان ما تملؤه قوى أخرى.

ويتقاطع مع هذا الطرح فرانسيس فوكوياما، الذي يرى أن بناء الدولة ليس مجرد إنشاء أجهزة إدارية، وإنما تأسيس مؤسسات تتمتع بالكفاءة والشرعية والمساءلة. فالدولة القوية ليست تلك التي تتوسع في استخدام القوة، وإنما التي تنجح في أداء وظائفها الأساسية، وتكسب ثقة مواطنيها، وتحتكر الاستخدام المشروع للقوة في إطار القانون.

ويضيف تشارلز تيلي بعداً تاريخياً بالغ الأهمية؛ إذ يرى أن الدولة الحديثة لم تُبن بالقوة العسكرية وحدها، وإنما عبر قدرتها على تنظيم الموارد، وفرض القانون، وبناء علاقة متوازنة مع المجتمع. فشرعية الدولة لا تُستمد فقط من احتكارها للقوة، وإنما من قدرتها على تحويل تلك القوة إلى نظام مؤسسي يخدم الصالح العام ويحظى بالقبول الاجتماعي.

أما غونار ميردال، فيحذر من ظاهرة “الدولة الرخوة”؛ وهي الدولة التي تمتلك مؤسسات شكلية، لكنها تعجز عن تطبيق القانون بصورة متساوية، أو عن احتواء مراكز النفوذ المتعددة داخل إطار مؤسسي واحد. وفي مثل هذه البيئات، تصبح شبكات اقتصاد الحرب، والفاعلون غير الحكوميون، والتدخلات الخارجية، أكثر قدرة على التغلغل، ليس لأنها أقوى بالضرورة، وإنما لأن الدولة فقدت قدرتها على احتكار المجال العام.

وعند جمع هذه الإسهامات، تتشكل صورة متكاملة للدولة بوصفها منظومة مناعة وطنية. فالمناعة لا تعني القوة العسكرية وحدها، ولا الوفرة الاقتصادية وحدها، وإنما تعني تفاعل الشرعية، والمؤسسات، والهوية الوطنية، وسيادة القانون، وكفاءة الإدارة، والثقة المجتمعية، في إطار واحد. وكلما ازداد تماسك هذه العناصر، تراجعت قابلية الدولة للاختراق، مهما بلغت الضغوط الخارجية.

وفي ضوء هذا الإطار، يمكن النظر إلى الحرب السودانية بوصفها اختباراً مزدوجاً: فهي، من جهة، تكشف حجم الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها الدولة في بيئة إقليمية ودولية معقدة؛ ومن جهة أخرى، تكشف أن مستقبلها لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، وإنما بقدرتها على استعادة مؤسساتها، وتجديد شرعيتها، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتجفيف البيئة التي تسمح باقتصاد الحرب وبالنفوذ الخارجي أن يترسخ.
ومن هنا، فإن أي مشروع للخروج من الحرب لا يمكن أن يقتصر على وقف العمليات العسكرية، أو على التوصل إلى تسوية سياسية، مهما كانت أهميتهما. فالتجارب المقارنة تؤكد أن السلام المستدام يبدأ عندما تستعيد الدولة وظائفها الأساسية، وتستعيد المؤسسات قدرتها على العمل، ويستعيد المجتمع ثقته في الدولة بوصفها الإطار الجامع لمواطنيها.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأخير الذي تسعى هذه السلسلة إلى معالجته: كيف تساعد هذه الأطر النظرية، مجتمعة، على قراءة الحالة السودانية في سياق التحولات الإقليمية والدولية الراهنة؟ وهل يمكن، في ضوء ذلك، استشراف الاتجاهات العامة التي قد يتخذها الصراع خلال المرحلة المقبلة؟

يتبع ،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى