تقارير

“السوشيال ميديا” تُشعل الاحتقان.. من يقف وراء تصاعد خطاب الكراهية وزرع الفتنة بين المصريين والسودانيين؟

القاهرة- المحقق- صباح موسى

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير عن الرأي أو متابعة الأحداث، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ساحة لتبادل الإساءات وخطاب الكراهية بين بعض المصريين والسودانيين، في مشهد أثار مخاوف من انعكاساته على واحدة من أكثر العلاقات العربية والإفريقية رسوخًا، والتي تشكلت عبر التاريخ والجغرافيا وروابط الدم والمصير المشترك.

اثارة الفتنة
وخلال ساعات قليلة، امتلأت المنصات الإلكترونية بمقاطع فيديو ومنشورات وتعليقات حملت عبارات مسيئة وتحريضية من الجانبين، لتتجاوز حدود المنافسة الرياضية والاختلاف في وجهات النظر، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول الجهات التي تقف وراء تأجيج هذه الموجة، وما إذا كانت مجرد ردود أفعال فردية أم جزءًا من نشاط منظم يستثمر في صناعة الاحتقان وإثارة الفتنة بين الشعبين.

مقاطع مسيئة
وتصاعدت حدة هذا الخطاب عقب خروج المنتخب المصري من دور الـ16 لبطولة كأس العالم، إذ انتشرت عشرات المقاطع المسيئة لمصر من بعض المستخدمين السودانيين، قبل أن يقابلها محتوى مماثل من بعض المستخدمين المصريين استهدف السودانيين. وبين هذا وذاك، بدا المشهد وكأنه تجاوز حدود المنافسة الرياضية إلى حالة من الاستقطاب الإلكتروني، أثارت تساؤلات حول من المستفيد من تعميق الهوة بين الشعبين في هذا التوقيت.

مظاهر الشماتة
ورغم أن الاحتفالات التي شهدتها مدينة نيالا بجنوب دارفور بخروج المنتخب المصري قد يربطها البعض بخصوصية المشهد السياسي هناك، باعتبار المدينة إحدى المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع التي تعلن موقفًا عدائيًا تجاه مصر بسبب دعمها لمؤسسات الدولة السودانية، فإن امتداد مظاهر الشماتة إلى منصات أخرى، وظهور ردود فعل مماثلة من الجانب المصري، يطرح تساؤلات أوسع حول أسباب هذا الاحتقان، وما إذا كانت هناك أطراف تسعى إلى استغلال الأحداث العابرة لإضعاف الروابط التاريخية بين القاهرة والخرطوم.

وفي هذا التقرير، يستطلع “المحقق” آراء مسؤولين وخبراء وإعلاميين للوقوف على أسباب تصاعد خطاب الكراهية، والجهات التي قد تستفيد من تغذيته، ومدى تأثيره على العلاقات الشعبية بين البلدين، وما إذا كانت هذه الحملات تعكس واقعًا حقيقيًا أم أنها مجرد ضجيج رقمي تصنعه أقلية أكثر صخبًا من الأغلبية الصامتة.

تهديد للعلاقات
من جانبه حذر عضو مجلس السيادة السوداني عبد الله يحيى من تنامي خطاب الكراهية بين بعض المصريين والسودانيين على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن هذا الخطاب أصبح أحد العوامل التي تهدد علاقات التعايش السلمي وحسن الجوار بين الدول والشعوب، وبصفة خاصة العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين السوداني والمصري. وقال يحيى لـ”المحقق”، إن الحفاظ على متانة العلاقات المصرية السودانية يظل مرهونًا بحكمة القيادتين في البلدين، إلى جانب الدور الذي تضطلع به وسائل الإعلام، وقبل ذلك بوعي الشعبين وحرصهما على صون روابط الأخوة والتلاحم التاريخي والمصير المشترك الذي يجمع السودان ومصر.

تراجع وصعود
من جهتها رأت مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبيرة في الشؤون السودانية والإفريقية، الدكتورة أماني الطويل، أن تصاعد هذا الخطاب يعكس في جانب منه تراجعًا في مؤشرات التنمية البشرية بالبلدين. وقالت الطويل لـ”المحقق” إن ضعف الاهتمام بالتعليم والثقافة أفسح المجال أمام تنامي الاتجاهات الشعبوية، التي بات لها تأثير واضح في تشكيل المجال العام، وهو ما جعل المجتمعات أكثر قابلية للتأثر بخطابات التحريض والانفعال.

حملات تحريض
وأضافت الطويل أن بعض هذه التراشقات يتم تصنيعها عبر حملات تحريض تقودها صفحات على مواقع التواصل، من بينها صفحات إثيوبية مثل “إثيوبيا بالعربي”، إلى جانب فبركة الأخبار ونشر معلومات مضللة، فضلًا عن حالة عدم الرضا التي يبديها بعض السودانيين تجاه عدد من السياسات المصرية المتعلقة بحماية الحدود والموارد، معتبرة أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تغذية الخطاب الشعبوي المتصاعد بين الجانبين.

استغلال خارجي
وأشارت الطويل إلى أن الإجراءات المصرية الخاصة بضبط أوضاع المقيمين الذين لم يستكملوا أوراقهم القانونية أسهمت في خلق قدر من الاحتقان لدى بعض السودانيين، كما أن بعض التصرفات الفردية التي صدرت من سودانيين تجاه مواطنين مصريين، وفقًا لشهادات متداولة، أثرت سلبًا في الصورة الذهنية التي كانت سائدة عن السودانيين في المجتمع المصري قبل اندلاع الحرب، مؤكدة أن أطرافًا خارجية تسعى إلى العبث بالعلاقات المصرية السودانية والتأثير في الإدراك المتبادل بين الشعبين، لافتة إلى أن اختلاف أنماط الحياة، وطريقة تلقي السودانيين لبعض السياسات المصرية، يؤدي أحيانًا إلى تفسير تلك السياسات من منظور سوداني، وليس وفق دوافعها المصرية، وهو ما ينعكس باستمرار على طبيعة العلاقة بين البلدين.

تضخيم الواقع
وترى الطويل أن حجم هذه الظاهرة يبدو أكبر بكثير عندما ينعكس على منصات التواصل الاجتماعي، موضحة أن خطورتها لا تكمن فقط في تضخيم الواقع، وإنما في قدرتها على تغييره إذا تُركت حملات الكراهية دون مواجهة، وقالت إن ما حدث مع اللاجئين السودانيين في ليبيا سبقه أيضًا تصعيد واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، متسائلة عن الجهات التي تقف وراء مثل هذه الحملات، مضيفة إذا كنا نفهم في مصر أن بعض الحملات التي تستهدف العلاقة بين البلدين تقودها صفحات مثل (إثيوبيا بالعربي)، فمن الذي حرك الحملات في ليبيا؟ ولماذا؟.

دراسة أعمق
وشددت الطويل على ضرورة دراسة هذه الظاهرة بصورة أعمق، مرجحة أن تكون تداعيات الحرب السودانية، وتزايد أعداد السودانيين الراغبين في مغادرة بلادهم، وما ترتب على ذلك من ضغوط على الدول المستضيفة، من بين العوامل التي ساهمت في تصاعد الاحتقان، مؤكدة أن هذه القضية تحتاج إلى اهتمام من السلطات المصرية، وكذلك من الأطراف الفاعلة في السودان، لأن تسميم العلاقات المصرية السودانية لا يصب في مصلحة أي طرف، في ظل ما يجمع البلدين من جوار جغرافي ومصالح مشتركة وروابط تاريخية يصعب تجاوزها.

مكاسب مالية
في المقابل يرى رئيس تحرير صحيفة التيار، عثمان ميرغني، أن غالبية حالات خطاب الكراهية المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لا تقف وراءها أجندات سياسية بالضرورة، وإنما تستهدف في المقام الأول تحقيق مكاسب مالية من خلال زيادة معدلات المشاهدة والتفاعل. وقال ميرغني لـ”المحقق” إن السودانيين اعتادوا إظهار ردود أفعال قوية تجاه ما يستفزهم، وهو ما دفع بعض صناع المحتوى إلى استغلال هذه الطبيعة لتحقيق أعلى معدلات انتشار (Reach)، عبر نشر محتوى مستفز، فكلما كانت العبارات أكثر حدة وإثارة، زاد التفاعل معها وارتفع العائد المالي، مضيفا أن ذلك لا يقلل من خطورة الظاهرة، لأن نتائجها تتجاوز الفضاء الإلكتروني لتترك آثارًا مباشرة على العلاقات الشعبية بين المصريين والسودانيين.غرف إعلامية
ورغم ترجيحه أن تكون أغلب هذه الحالات فردية، لم يستبعد ميرغني وجود غرف إعلامية منظمة تستثمر في خطاب الكراهية لخدمة أجندات سياسية، معتبرًا أن خطورتها تكمن في أنها تعمل بصورة احترافية ومنهجية، بما يمكنها من تعظيم الضرر وتعميق مشاعر الاحتقان بين الشعبين، وقال إن أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الظاهرة يتمثل في غياب الدور الإعلامي الفاعل، موضحًا أن وسائل الإعلام تكتفي في كثير من الأحيان برصد الظاهرة دون أن تبادر إلى تصحيح الصورة أو مواجهة حملات التحريض، تاركة فراغًا تستغله الحسابات التي تروج للكراهية.

دور الإعلام
وأكد ميرغني أن الإعلام مطالب اليوم بأداء دور مركب يقوم على مسارين متوازيين؛ أولهما دور وقائي، يتمثل في سد الفراغ الإعلامي ومنع الأجندات الضارة من استغلاله، لأن أي فراغ في تناول العلاقات المصرية السودانية سرعان ما تملؤه الخطابات المحرضة على الكراهية. أما المسار الثاني، فيتمثل في صناعة أجندة إعلامية إيجابية تعزز المصالح المشتركة بين الشعبين، من خلال إدراك وسائل الإعلام لمسؤوليتها، ووضع استراتيجية إعلامية حصيفة قادرة على تحصين العلاقات المصرية السودانية من التأثر بالأزمات العابرة أو الحملات المنظمة، إلى جانب إبراز المشتركات التاريخية، وتشجيع التداخل الاقتصادي والاجتماعي، ودعم دور رجال الأعمال والقيادات المجتمعية والمؤسسات الثقافية في ترسيخ العلاقات بين البلدين.

معركة الوعي

ويبقى أنه رغم اختلاف الرؤى بشأن أسباب تصاعد خطاب الكراهية، بين من يربطه بتراجع الوعي وصعود الشعبوية، أو بالسعي وراء الأرباح على منصات التواصل، أو بوجود أطراف تستثمر في تأجيج الخلافات، فإن الآراء التي استطلعتها “المحقق” تلتقي عند حقيقة واحدة، وهي أن ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعكس بالضرورة طبيعة العلاقات الراسخة بين الشعبين المصري والسوداني، بقدر ما يعكس قدرة الفضاء الرقمي على تضخيم الأصوات الأكثر صخبًا، كما يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعبين، ودور الإعلام، وحكمة القيادتين في البلدين، للحفاظ على علاقة صنعتها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، ولا ينبغي أن تهزها منشورات عابرة أو حملات تحريض رقمية، أيًا كانت الجهات التي تقف وراءها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى