تأثير بجماليون: من أسطورة الآلهة إلى صناعة الأعداء الوهميين وتفتيت السودان

د. إسماعيل ساتي
تروي الأساطير اليونانية القديمة قصة النحات بجماليون الذي صنع تمثالاً لامرأة جميلة، واشتغل عليه بشغف وإتقان لخمس سنوات، حتى وصل به إلى الكمال الذي تخيله. ثم اشتد شغفه بالتمثال إلى درجة أنه وقع في حبه، فأطلق عليه اسم “فينوس” وعامله ككائن حي، بل وعبد هذا التمثال باعتباره تجسيداً للجمال المطلق، إلى أن استجابت الآلهة لشغفه اللامتناهي ونفخت في التمثال روحاً حية ليصبح واقعاً ملموساً ويصير فينوس – حسب الأسطورة – إلهة الجمال.
هذه القصة الخرافية تحولت إلى مفهوم نفسي اجتماعي مهم أُطلق عليه مصطلح “تأثير بجماليون”، يستخدمه علماء النفس الاجتماعي للإشارة إلى كيف أن توقعاتنا تجاه الآخرين تؤثر في سلوكهم وأدائهم، كما تفعل توقعات الآخرين فينا، فتتحول التوقعات إلى واقع معاش. لكن هذا التأثير له وجه آخر مظلم، خاصة عندما نصنع من الأعداء أو الخصوم أوثاناً نخافهم ونضخّم قوتهم.
تأثير بجماليون على مجتمعاتنا:
يقع تحت هذا التأثير مجموعة واسعة من الفاعلين في المجتمعات. ففي المجال السياسي، نرى القادة الذين يضخمون تهديدات خارجية لتحقيق أهداف داخلية، كخلق “فزاعة” خارجية لتبرير القمع الداخلي أو الفشل الاقتصادي. كما نرى الزعماء الذين يُصنعون كمنقذين أوحدين، حيث تُخلق لهم صورة أسطورية تتحول إلى عبادة سياسية. وفي العلاقات الدولية، تصور الدول بعضها البعض كتهديد وجودي دائم، كما في بعض الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، مما يخلق ديناميكية صراع تتحقق ذاتياً.
وفي المجال الاجتماعي، يظهر التأثير جلياً في قاعات الدراسة حيث تتشكل توقعات المعلمين عن الطلاب فتؤثر على أدائهم الفعلي، كما في دراسة روزنثال وجاكوبسون الشهيرة. كما يكرس الوسط الإعلامي الصور النمطية ويخلق نجومية وهمية، بينما يفرض المجتمع توقعات نمطية على الأفراد بناءً على جنسهم أو عمرهم أو خلفيتهم الاجتماعية، والأمثلة على ذلك كثيرة.
الأصنام الحديثة في السياق السوداني:
أما في السياق السوداني، فنرى أمثلة متعددة لهذا التأثير. فهناك صنم “تقسيم السودان إلى خمس دول”، وهي فكرة تروَّج في بعض الأوساط وتظهر كيف يمكن لسردية ما أن تتحول إلى حقيقة بمجرد تكرارها وتضخيمها. فبمرور الوقت، يصبح هذا التوقع السياسي كتمثال بجماليون: نعطيه اهتماماً نناقشه ونخافه، وربما نعمل (عن قصد أو غير قصد) على تحقيقه، سيما عندما يُستشهد بحدث تاريخي كانفصال الجنوب ليُقدَّم كدليل يؤكد صحة هذا التوقع ويقوي من جاذبيته. فهل التقسيم المستقبلي حتمية جغرافية أو سياسية، أم أنه نتيجة لتوقعات وسرديات صنعها لنا أعداؤنا وآمنا بها فحسب؟
وهناك صنم “العدو الخارجي”، حيث نظل نصنع أصناماً في مخيلتنا من دول إقليمية ودولية، إما أنها قوى شيطانية تتآمر علينا، أو أنها منقذة ستخلصنا من أزماتنا. في الحالتين، نعطيها قوة تفوق تأثيرها الفعلي، ونتصرف بناءً على هذه الصورة المتخيلة لا الواقع المعقد. ولا تقتصر هذه الظاهرة على السودان وحده بل نراها في صراعات عالمية عديدة، حيث تصوّر بعض الدول كتهديد دائم لتبرير سياسات معينة.
كما نرى صنم “الحتمية التاريخية”، حيث نصنع سرديات حتمية عن مصيرنا مثل: “السودان محكوم عليه بالتقسيم”، “الشعب السوداني لا يتفق أبداً”، “لا حل للأزمة إلا بتدخل خارجي”. هذه السرديات تصبح كتماثيل بجماليون: نقدسها فتصبح واقعاً. هنا نتذكر كيف أن النبوءات المحبطة في التعليم والعمل تؤدي إلى نتائج سلبية مماثلة.
وفي فترات الأزمات، تميل المجتمعات (ومنها المجتمع السوداني) إلى صناعة تماثيل لشخصيات سياسية تُقدَّم كحلول سحرية لمشاكل معقدة. هذا التجسيد للقائد كمنقذ أوحد يماثل تأثير بجماليون في المجال السياسي، حيث التوقعات العالية تُخلق ثم تُفرض على الواقع.
أمثلة عالمية معبرة:
ولا يقتصر تأثير بجماليون على السياق السوداني، بل نراه في أمثلة عالمية عديدة. في السياسة الدولية، يتم تصوير روسيا والصين وإيران كتهديد دائم للغرب أو العكس، مما يخلق ديناميكية صراع تتحقق ذاتياً.
وفي الاقتصاد، يؤدي توقع انهيار اقتصادات دول معينة (أو أسواق أسهم) إلى جذب مضاربات تحقق هذا التوقع. وفي الصحة، نرى تأثير الدواء الوهمي حيث يؤدي توقع الشفاء إلى تحسن حقيقي. وفي الرياضة، تحصل الفرق العريقة التي يُتوقع منها الفوز على دعم وتحفيز أكبر مما يجعل فوزها محققاً. وفي التعليم، يؤدي تصنيف الطلاب إلى (متفوقين) و(ضعفاء) إلى تحقيق النبوءة ذاتها. ولا يقتصر هذا الأثر على المدرسة، بل يتعداه إلى البيت، حيث يمكن لتوقعات الآباء المعلنة عن أطفالهم (سواء كانت إيجابية مفرطة أو سلبية محبطة) أن تشكل هويتهم وتحدد مسارهم، فيتحول الوصف العابر إلى واقع دائم. حين يصر الوالدان على وصف الابن بالكسلان أو العبقري، فإنهما لا يكتفيان بملاحظة سلوك عابر، بل يشرعان (دون قصد) في نحت تمثال لهذه الصفة في عقل الطفل، حتى يتبناها الطفل نفسه وتصبح جزءاً من شخصيته التي يتصرف وفقاً لها.
نحو تحطيم الأصنام الحديثة:
تحطيم أصنام بجماليون الحديثة يتطلب وعياً نقدياً نعترف فيه بأننا نصنع أوثاننا الفكرية بأنفسنا، سواء كانت لخصوم مبالغ في خطرهم أو لمنقذين مبالغ في قدراتهم. كما يتطلب إعادة قراءة الواقع بموضوعية، وتحليل التهديدات والتحديات بعيداً عن التضخيم الإعلامي أو التهويل السياسي.
علينا أيضاً استعادة الثقة بالقدرات الذاتية كشعب قادر على حل مشكلاته دون حاجة لأساطير المنقذ الخارجي أو الخوف المفرط من المتآمر. وهذا يستلزم تفكيك السرديات الجاهزة عن طريق البحث العلمي والحوار الموضوعي، ورفض الخطابات الحتمية التي تقدم المستقبل كمسلمات.
من الضروري بناء توقعات إيجابية واقعية عن مستقبل السودان موحداً قوياً، لأن التوقعات الإيجابية أيضاً تتحقق بتأثير بجماليون، كما نرى في تجارب تنموية ناجحة لأمم استطاعت تحويل التحديات إلى فرص. كما يجب تعزيز التماسك الاجتماعي ومقاومة المحاولات التي تهدف إلى تقسيم المجتمع إلى فئات متعارضة بناءً على صور نمطية مسبقة.
خاتمة: اختيارنا بين الأصنام والرؤى:
أسطورة بجماليون تعلمنا أن ما نؤمن به بقوة قد يتحول إلى واقع. الخيار بين أيدينا: إما أن نصنع أوثاناً للخوف والتقسيم والتبعية، أو نصنع رؤى للوحدة والقدرة الذاتية والتضامن الوطني.
ما جاء في هذا المقال لا ينفي وجود تهديدات حقيقية أو تحديات موضوعية، ولكنه يدعو إلى التمييز بين الخطر الحقيقي والتهويل المصطنع، وبين التعاون المفيد والتبعية المدمرة. الأعداء الحقيقيون لا يحتاجون إلى تضخيم، والتعامل معهم يتطلب واقعية واتزاناً، لا خوفاً يصل إلى درجة العجز المفرط.
السودان أكبر من أن يكون تمثالاً في أسطورة بجماليون، وشعبه أقدر من أن يكون مجرد نحات يخشى من تماثيل صنعها بيديه. تحطيم الأصنام الفكرية يبدأ بإدراك أننا نحن النحاتون، وأن بأيدينا القدرة على صناعة واقع جديد مبني على التوقعات الواقعية والإرادة الجماعية.



