أخبارسياسية

من الخرطوم سلام (الأخيرة) سلسلة مشاهدات وانطباعات ينقلها رئيس التحرير

 

بين فترتين:

حرصتُ وأنا في الخرطوم على المقارنات، ليس بين العيش في السودان أو خارجه، ولكن بين الحال الذي أراه الآن، وبين ما كان قبل أسابيع أو أشهر، ولذلك كان السؤال الافتتاحي في لقاءاتي لكل مَن ألقاه من الأصدقاء أو المعارف: متى وصلت إلى الخرطوم، وكيف كان الحال عندما وصلت ؟

أحد الأصدقاء أبلغني أنه وصل في الشهر الرابع بعد التحرير، وأنه أقام مع أحد أقربائه في الجريف غرب، وذات مرة قرر الذهاب بعد غروب الشمس لزيارة صديق يسكن غير بعيد من مقر شركة سكر كنانة على شارع عبيد ختم، وسلك شارع الستين متجهاً نحو الشمال الجغرافي إلى تقاطع شارع عبد الله الطيب عند مستشفى “جرش”، قبل أن يتجه غرباً .. قال لي عبارة لخصت المشهد في ذلك الوقت: (طوال هذا المشوار لم يكن هنالك إضاءة على الطريق بخلاف “نور عربيتي”) !!

جاري في الجريف غرب، الذي عاد إلى منزله في وقت قريب من ذلك، قال لي إنهم كانوا “يهاجرون” إلى أم درمان للإتيان بأغلب الاحتياجات، وأنك لا تكاد تجد مخبزاً أو صيدلية أو بقالة تعمل في منطقة شرق الخرطوم، وأنك حين تعبر أحد طرق الاسفلت الرئيسية في المنطقة راجلاً، لا تكترث أن تستكشف حركة السيارات، فمرور سيارة غير عسكرية من هناك هو حدث في حد ذاته !!

صديق آخر، أضطر منذ شهرين لملازمة إبنه الصغير في مستشفى “الراقي” الملاصق لمبنى الجامعة الوطنية جنوبي حي الراقي ، قال لي: عندما جئنا هنا كانت حركة السيارات الملاكي على هذا الشارع – وكان يشير إلى شارع الهوا – نادرة الحدوث، والآن أنظر كيف تبدل المشهد فعدد من محلات الخدمات تم افتتاحها وحركة السير أعادت نشاطها وارتفع الطلب على إيجار المحلات .. وأنا عائد من هناك بعد غروب الشمس عبر شارع الستين، لفت نظري تعدد محلات الأثاث بلافتاتها المضيئة ، والتي لا يكاد يفصل بينها ثلاثمائة متر

قد يلاحظ القارئ أنني ركزت في هذه المشاهدات على منطقة شرق الخرطوم، وهي ملاحظة صحيحة ومقصودة، والسبب هو أن هذه المنطقة، الممتدة من جاردن سيتي على ضفة النيل الأزرق جنوباً عبر البراري وامتداد ناصر والمنشية والرياض والطائف والمعمورة (غرب الستين وشرقه) حتى شارع مدني، هي المناطق التي ماتزال تعاني من قلة السكان مقارنة بكل مناطق محليات ولاية الخرطوم السبع، وتعاني كذلك من ضعف الخدمات، وهما قضيتان مثل البيضة والدجاجة ، كلاهما يأتي قبل الآخر، وبعده .. ومع هذا فإن الحياة بدأت تعود لهذه المنطقة والشوارع العرضية الرئيسية فيها تمت إضاءة أغلبها بالطاقة الشمسية، وكذلك الشوارع الطولية عدا شارع عبيد ختم الذي ربما ينتظر مبادرة من السيد رئيس الوزراء – مقلداً مَن سبقوه – ليصبح مثله مثل شارع أفريقيا غرب المطار أو شارع الستين، وحينها سيكون لـوجبة “الكوارع” في مطعم موناليزا بامتداد ناصر، والذي أعيد افتتاحه بحلة جديدة، أو لوجبة الفول والأقاشي عند “الشايقي” على الطريق الرابط بين محطتي البلابل في عبيد ختم ونبته على شارع الستين، طعم إضافي مختلف.

تحديات العودة والاستقرار:

تضافرت عدة أسباب، حملت أغلب سكان ولاية الخرطوم على مغادرة مساكنهم عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023 وكانت قضية فقدان “الأمن” والخشية من التعرض لمختلف أنواع المخاطر والانتهاكات، وقتها، هي القضية الأساسية التي برزت، لكن التدمير الممنهج للبنى التحتية والخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، هو ما جعل أعداداً كبيرة ممن غادروا يترددون في العودة بعد زوال الخطر الأمني و تحرير ولاية الخرطوم.

الآن، وقد مضى أكثر من عام على التحرير، يمكن للمرء القول أن ما يشبه المعجزة قد حدث، فمن تحت الركام بدأت الخرطوم تنهض، وتحسنت الأوضاع الأمنية بدرجة كبيرة، وعادت خدمات المياه، واستأنفت المدارس والجامعات نشاطها وتحركت الأسواق والمواصلات العامة، وأزيلت أغلب مظاهر الحرب من الطرقات .. ولا شك أن الفضل في ذلك يعود للجهد المميز الذي بذلته “لجنة الفريق إبراهيم جابر” وإلى التنسيق الذي تمّ بينها وبين سلطات ولاية الخرطوم .. بيد أن ذلك الجهد الذي لم نعد نسمع عنه، ما يزال بحاجة إلى استكمال وفق رؤية تركز على “تسهيل الحياة ” على المواطنين، حتى يستأنفوا حياتهم من جديد، ويدبروا أمور معيشتهم !!

الأنشطة الأكثر رواجاً:

سألت عدداً ممن بقوا في الخرطوم أو عادوا إليها منذ مدة: ما هو نوع الأعمال والأنشطة الأكثر رواجاً هذه الأيام ؟
وكانت الإجابة، بلا تردد: صيانة المنازل، والطاقة الشمسية، ومحلات الأثاث، ومحلات بيع الطعام .. وحين نظرت في هذه المجالات، وجدتها بالفعل تتصدر أولويات الناس الذين عادوا إلى الخرطوم أو يرغبون في العودة إليها، خاصة وأن خدمات الكهرباء، لم تعد تغطي كل المناطق التي كانت تصلها قبل الحرب، وهي تخضع لبرمجة تمتد لساعات في المناطق التي أمكن إعادة التيار الكهربائي إليها، كما أن المنازل التي هجرها أصحابها لنحو ثلاث سنوات، وتعرضت للنهب والشفشفة والإتلاف الجزئي، تبقى بحاجة إلى الصيانة والتأهيل لتكون صالحة للسكن مرة أخرى.

أين البنوك .. أين الإعلام ؟

من الطبيعي أن يفكر كل من قرر العودة إلى الخرطوم (الولاية) في قضية صيانة منزله، وفي استعادة بعض ما فقده من أثاث ومعدات كهربائية ضرورية، ريثما يستكمل ما تبقى، ولأن الغالبية العظمى من الناس فقدت وظائفها في القطاعين العام والخاص، تتضاعف حاجتهم إلى ممارسة أنشطة مدرة للدخل، وإلى تأمين الحد الأدنى من الاستقرار بصيانة منازلهم واقتناء الأجهزة الضرورية، وهنا يبرز الدور الذي كان مرجواً من البنوك، فهي برغم ما أصابها من تدمير ونهب، تبقى الطرف الذي يُعول عليه في توفير التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حتى يستقر الناس ويتحرك الاقتصاد.

ولعله من الصُدف الجيدة أني تحدثت ، وأنا في الخرطوم، إلى عدد من أصدقاء إبني ، كانوا قبل الحرب يديرون أعمالاً صغيرة تخصهم، أو تخص أسرهم، وقد تدمرت بعد الحرب، وعادوا للسودان لمحاولة إحيائها ..
حدثتهم أن بنك السودان وجه المصارف أن ترفع نسبة التمويل لأغراض الإعمار، وأن بعض الشركات التي تتبع لعدد من البنوك أعلنت أنها تتيح فرصاً للتمويل الأصغر، وأن عليهم أن يذهبوا لأي بنك لديهم فيه حساب لمعرفة المطلوب حتى يستفيدوا من الفرص المتاحة.
كانت المفاجأة بالنسبة لي أنهم قالوا بصوت واحد إنهم لم يسمعوا بهذا..

أحدهم قال لي أنه إتصل بمركز الخدمات في أحد البنوك للاستفسار عن خطوات تخص حسابه بالبنك، فوضوعوه في الانتظار لعشر دقائق، ثم أغلقوا الخط دون أن يجيبه أحد !!
قال الآخر، إنه ذهب إلى البنك لعمل إجراء يتعلق بحسابه، فاضطر للبقاء منتظراً 6 ساعات، من التاسعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً !!

أحسست بتقصير مزدوج، تقصير من البنوك التي لم تنجح في الترويج لمنتجاتها، فتصل رسالتها لمثل هؤلاء الشباب الراغبين في العمل والباحثين عن خيارات تمويل ميسرة ، وتقصير من الإعلام الذي لم ينجح في الوصول إلى هؤلاء، فأهل الإعلام في زماننا هذا ينبغي أن يحددوا سلفاً القطاعات المجتمعية التي يستهدفونها برسالتهم، ويختاروا الوسيلة الأنجع في إيصال الرسالة، ومن المؤكد أن غالبية أبناء الجيل الثلاثيني ومَن هم دونهم، يعتمدون في تلقي المعلومات على وسائل التواصل الإجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى