محاور للحوار مع السيِّد الدولار

محجوب فضل بدري
كانت ثقافة حبوبتي رحمها الله سماعية، شأنها في ذلك شأن أغلب الحبوبات – رحمهن الله ورحم ذلك الزمان- لذا فقد كان الراديو أهم مورد ثقافي لها، وكانت من معجبي أبوداؤود، وذات يوم كانت تستمع كُرهاً لوصف مباراة في كرة القدم وهي في انتظار نشرة (الميتين) قالت: بسم الله!! انتو (الشواطين) ألفي الرادي ديل شنو مع المغارب؟ فقد طرق سمعها تكرار اسم (شواطين) لاعب الهلال، ولم تفكر للحظة أنه اسم للاعب. وبالتالي لا يمكن مجادلتها، فهي تعتقد أن هذا مجرد لعب في لعب لا يجوز إهدار طاقة حجار البطارية في سماعه!!
تفكير حبوبتي اقتصادي لتوفير استهلاك حجارة البطارية في ما لا طائل من ورائه، له أسبابه المنطقية- من وجهة نظرها على الأقل- لهو أفضل بكثير من تفكير الحكومة/ الحكومات في لجم ارتفاع قيمة الدولار مقابل العملة الوطنية، مرات بالأساليب الأمنية، ومرة مرة بالأساليب الفنية الاقتصادية، ومرة بالأسلوب القهري كما حكى المرحوم بابكر ود الجبل أن الرئيس نميري استدعاه ذات يوم وقال له شوف لو الدولار ده مانزل بكرة بقطع رقبتك اتفضل أمشي!! والعهدة على الراوي، لكن الشاهد أن الدولار نزل فعلاً تاني يوم !! فى تلك الفترة كان مدير أحد البنوك التجارية يسلم تجار العملة مبالغ طائلة لمدة زمنية محددة ليشتروا الدولار وكانت عبارة (دولار ريال شيك سياحي) نغمة تتردد في شوارع السوق العربي والأفرنجي ومطار الخرطوم.
وكم شُكِّلت لجانٌ انبثقت منها لجانٌ ولجان، أشهرها لجنة الجنجويدي حميدتي الذي أعلن الحرب على الدولار بلغة متحدية خالية من أى وسيلة منطقية وقال (أنحنا نتصارع مع الدولار ده كِدَااا يا رَمَانا يا رَمِيناهُ) ..
وكنا سنسأل حبوبة عن نتيجة تلك المصارعة لولا أنها انتقلت لرحمة مولاها.
معرفة اللجان التي تتشكل وتُحَل قبل أن تَحِلْ مشكلة ارتفاع سعر الدولار لا تتعدى معرفة (حبوبة) بحركة ساندينيستا في نيكاراغوا،
وكيف أسقطت نظام سوموزا، ثم كيف تولى الحكم أورتيغا !!
تتهم الحكومة الاندومي مرة وتمنع استيراده، وتتهم المضاربين مرة وتلقى القبض على بعضهم، والدولار سادرٌ في غيِّه غير عابئ بالحكومة وهي تراه يبرطع راكضاً إلى العلالي، وكنتيجة حتمية لهذا التسارع فى الارتفاع انخفضت قيمة الجنية السوداني حتى بلغت الحضيض أو أسفل منه بقليل. ومن حكمت عليه ظروف الحرب أن يُقيم في مصر ويعتمد على تحويلات بالعملة السودانية لا يحتاج لمن يشرح له معنى ذلك!!
يكفى أنه يستلم مبلغ ألف جنيه مصرى فقط مقابل مائة ألف جنيه سودانى!! ليزيد ذلك من الكآبة على اللاجئ التي رسختها الحرب زيادة على البؤس والآلام المكتومة حتى صارت مثل الأشياء الطبيعية كأنها تَعاقُب الفصول.
كل طيرة في السماء أو راعي في الخلا تعلم ويعلم أن قيمة العملة الوطنية لن تتعافى إلا بالانتاج المستمر وزيادة الانتاجية والألتزام بالضوابط القانونية في الاستيراد والتصدير والاعتدال في الاستهلاك والابتعاد عن الكماليات قدر الامكان والتحلي بالوطنية الحقة في التجارة.
وإمعان النظر في أساليب العدو في حربه ضدنا، فليس بالسلاح وحده تحاربنا الدويلة ولكن أيضاً بالاعلام وبالاقتصاد على أيدى عملائها الذين هم من بني جلدتنا مع الأسف.
ولن نستمر فى ممارسة الوعظ فالوقت ليس في صالح الوطن والمواطن.
وياحليل حبوبة.



