رأي
التمويل الاصغر في السودان بعد الحرب…(٣) التمويل الأصغر الرقمي … بوابة السودان إلى اقتصاد أكثر شمولاً

د. مروة فؤاد قباني **
إذا كان التمويل الأصغر قد تطور عالمياً من مجرد منح قروض صغيرة إلى صناعة مالية متكاملة، فإن المرحلة المقبلة تفرض على السودان الانتقال إلى نموذج أكثر تطوراً يعرف باسم التمويل الأصغر الرقمي (Digital Microfinance)، وهو نموذج يعتمد على التكنولوجيا المالية لتقديم الخدمات المالية بكفاءة أعلى، وتكلفة أقل، ووصول أوسع.
إن الظروف التي فرضتها الحرب، وما نتج عنها من تراجع في البنية المصرفية التقليدية، تجعل من التحول الرقمي ضرورة استراتيجية، وليس خياراً تقنياً. فبدلاً من إعادة بناء النموذج التقليدي نفسه، يمتلك السودان فرصة لتأسيس منظومة حديثة تستفيد من التقنيات الرقمية منذ البداية.
ويتمثل جوهر هذا التحول في دمج مؤسسات التمويل الأصغر مع البنية التحتية الرقمية التي يعمل بنك السودان المركزي على تطويرها، بحيث تصبح الهوية الرقمية، والمحافظ الإلكترونية، والوكالة المصرفية، والمحول القومي للمدفوعات، والبنية التحتية للمفاتيح العامة (PKI)، جزءاً من دورة التمويل منذ تقديم الطلب وحتى سداد آخر قسط.
وبذلك يستطيع المواطن في أي ولاية، حتى في المناطق التي لا توجد بها فروع مصرفية، أن يفتح حساباً، ويتحقق من هويته، ويقدم طلب التمويل، ويوقع العقد إلكترونياً، ويتسلم التمويل عبر محفظته الرقمية، ثم يسدد الأقساط بالطريقة نفسها، بما يخفض التكلفة، ويزيد الشفافية، ويحسن كفاءة إدارة المخاطر.
ولا يقتصر دور التكنولوجيا على تقديم الخدمة، بل يمتد إلى بناء قواعد بيانات ائتمانية حديثة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الجدارة الائتمانية، والتنبؤ بمخاطر التعثر، وتطوير منتجات تمويلية تتناسب مع طبيعة كل نشاط اقتصادي.
خارطة طريق 2027–2030… برنامج وطني لإعادة بناء القطاع:
لكي تتحول الرؤية إلى واقع، فإن السودان بحاجة إلى برنامج وطني متكامل يقوم على عشرة محاور رئيسية:
أولاً: إنشاء صندوق وطني لإعادة تمويل مؤسسات التمويل الأصغر، يوفر السيولة طويلة الأجل ويستقطب مساهمات من الحكومة والمؤسسات التنموية والصناديق الإقليمية.
ثانياً: تحديث التشريعات واللوائح المنظمة للتمويل الأصغر بما يواكب التطورات في التكنولوجيا المالية والتمويل الرقمي.
ثالثاً: إنشاء منصة وطنية موحدة للتمويل الأصغر الرقمي تربط المصارف، ومؤسسات التمويل الأصغر، وشركات التقنية المالية، والمحول القومي للمدفوعات.
رابعاً: إنشاء سجل ائتماني رقمي موحد للمستفيدين يعتمد على البيانات المالية والسلوك الائتماني، بما يقلل من مخاطر التمويل.
خامساً: مراجعة سقوف التمويل بصورة دورية وربطها بمعدلات التضخم وتكاليف الإنتاج، مع تخصيص منتجات تمويلية تناسب احتياجات كل قطاع.
سادساً: التوسع في خدمات الوكالة المصرفية لتغطية المناطق الريفية والمتأثرة بالحرب، بما يضمن وصول الخدمات المالية إلى جميع المواطنين.
سابعاً: ربط التمويل بسلاسل القيمة الإنتاجية، بحيث يشمل التمويل مدخلات الإنتاج، والتدريب، والتسويق، والتأمين، وربط المنتجين بالأسواق.
ثامناً: الاستثمار في بناء القدرات المؤسسية، وتطوير الحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي داخل مؤسسات التمويل الأصغر.
تاسعاً: تعزيز الشراكات مع المؤسسات الدولية والإقليمية لتوفير التمويل الميسر، ونقل الخبرات، ودعم الابتكار المالي.
عاشراً: إنشاء منظومة وطنية لقياس الأثر التنموي تعتمد على مؤشرات أداء واضحة تشمل عدد المستفيدين، ونسبة النساء والشباب، ومعدلات التعثر، وحجم التمويل الرقمي، وعدد فرص العمل، ومساهمة التمويل الأصغر في الناتج المحلي الإجمالي.
البنك السوداني للتمويل الأصغر والتنمية المجتمعية… رؤية لمؤسسة المستقبل:
ورغم أهمية الإصلاحات التنظيمية والرقمية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب أيضاً التفكير في إنشاء مؤسسة وطنية متخصصة تقود التمويل التنموي بصورة أكثر تكاملاً.
ومن هذا المنطلق، أقترح إنشاء البنك السوداني للتمويل الأصغر والتنمية المجتمعية، ليكون مؤسسة تنموية تعمل بالتنسيق مع بنك السودان المركزي، دون أن ينافس المصارف التجارية، بل يتولى إدارة خطوط التمويل الدولية، وإعادة تمويل مؤسسات التمويل الأصغر، وتطوير المنتجات التمويلية، ودعم الابتكار المالي، وتمويل المشروعات ذات الأولوية الوطنية.
ويمكن لهذا البنك أن يصبح منصة وطنية تجمع بين التمويل، والتكنولوجيا، والتدريب، وبناء القدرات، وربط المنتجين بالأسواق، مع التركيز على الزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعات الصغيرة، والطاقة المتجددة، وريادة الأعمال، والمشروعات النسائية، والاقتصاد الرقمي.
كما يمكنه أن يقود الشراكات مع مؤسسات مثل البنك الإفريقي للتنمية، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والصناديق العربية، والوكالة الفرنسية للتنمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بما يسهم في استقطاب موارد مالية وخبرات فنية تدعم عملية إعادة الإعمار.
معايير النجاح:
لن يقاس نجاح هذه الرؤية بعدد الاتفاقيات التي تُوقع، أو بحجم الأموال التي تُعلن، بل بمدى انعكاسها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
ومن أهم المؤشرات التي ينبغي متابعتها:
•ارتفاع نسبة الشمول المالي.
•زيادة عدد المستفيدين من التمويل الأصغر.
•ارتفاع نسبة التمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية.
•نمو مساهمة المرأة والشباب في النشاط الاقتصادي.
•انخفاض معدلات التعثر.
•زيادة نسبة المعاملات الرقمية.
•نمو المشروعات الصغيرة واستمرارها.
•خلق فرص عمل جديدة.
•زيادة الإنتاج والصادرات.
•استعادة ثقة المؤسسات الدولية في القطاع المالي السوداني.
خاتمة:
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم التمويل الأصغر، بحيث ينتقل من كونه برنامجاً محدوداً لتقديم القروض إلى منظومة تنموية متكاملة تربط بين التمويل والإنتاج، وبين التكنولوجيا والشمول المالي، وبين التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار.
فالتحركات التي يقودها بنك السودان المركزي لبناء شراكات مع المؤسسات الدولية تمثل خطوة مهمة، لكنها يجب أن تكون بداية لمشروع وطني أشمل، يضع التمويل الأصغر في قلب استراتيجية التعافي الاقتصادي، ويستثمر في التحول الرقمي، ويطور البيئة التشريعية، ويعزز دور شركات التقنية المالية، ويربط التمويل بسلاسل القيمة والإنتاج.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الاقتصادات لا تنهض بالمساعدات وحدها، وإنما بالمؤسسات القادرة على تحويل التمويل إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى نمو اقتصادي مستدام.
ومن هنا، فإن نجاح السودان في بناء منظومة حديثة للتمويل الأصغر سيكون أحد أهم مؤشرات نجاح مرحلة إعادة الإعمار، ليس لأنه يوفر التمويل للفئات الأكثر احتياجاً فحسب، بل لأنه يعيد بناء الاقتصاد من قاعدته الإنتاجية، ويؤسس لاقتصاد أكثر شمولاً، وأكثر مرونة، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على استعادة ما كان قبل الحرب، بل على بناء نموذج جديد يجعل من التمويل الأصغر أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، ومن التحول الرقمي جسراً للتنمية، ومن الشراكات الدولية وسيلة لبناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وازدهاراً.
** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي



