رأي

سد النهضة الإثيوبي … المبادرة الأمريكية وحماية مصالح السودان

د. عمار أبكر عبد الله عبدالرحمن **

تصاعدت التحركات السياسية والدبلوماسية بشأن سد النهضة الإثيوبي في يناير 2026 بعد رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي تبناها إعلان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، على منصة “إكس” بتاريخ 17 يناير 2026، مرحبًا بالمبادرة وداعمًا لها بهدف حماية حقوق دول حوض النيل وضمان الأمن الإقليمي. وقد غرد البرهان قائلاً: “حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترامب حول مياه النيل وذلك لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم.” هذا الإعلان يمثل موقف السودان الرسمي ويؤكد حرص الخرطوم على الأمن المائي ومصالحها الوطنية، ويعكس التوافق مع الرؤية المصرية والأمريكية في استئناف الوساطة للوصول إلى حلول قانونية مستدامة.

في مقابلة مع الجزيرة مباشر – نافذة السودان يوم 24 يناير 2026، شدد السيد خالد الإعيسر، وزير الثقافة والإعلام، على أن السودان يحمي مصالحه كمصدر ومعبر ومصب لمياه النيل، ويعمل على معالجة التحفظات مع الجانب الإثيوبي بعيدًا عن فضاء الإعلام المفتوح. وأوضح الإعيسر أن المبادرة الأمريكية تقدم نقاطًا موضوعية واضحة، وتتيح استئناف الوساطة الأمريكية في ملف السد، بما يدعم الرؤية السودانية–المصرية القائمة. وأضاف أن الهدف الأساسي للسودان في الوقت الحالي هو التركيز على تشغيل السد وضمان سلامته، بالإضافة إلى الحاجة الملحة إلى اتفاقية قانونية دولية ملزمة تمنع أي تغوّل أو تجاوز من أي طرف، خصوصًا في ظل محدودية قدرة المؤسسات الإقليمية الأفريقية على اتخاذ قرارات مستقلة.

إلى جانب التحليل السياسي، تقدم الخبرة الفنية حلولًا عملية للقضايا العالقة في الملف. فقد تم تقديم ورقة علمية بعنوان “النهج التكيفي لإدارة الفيضانات في النيل الشرقي” خلال منتدى “تعزيز التنبؤ بالفيضانات والإنذار المبكر في النيل الشرقي” الذي انعقد في أديس أبابا في أغسطس 2018، وقد أعددت هذه الورقة وشاركت بها في المنتدى إلى جانب د. يوسف إبراهيم، المدير التنفيذي المكلف السابق للمكتب الفني للنيل الشرقي في أديس أبابا، إثيوبيا. وتناولت الورقة كيفية التعامل مع التقلبات الموسمية والسنوية العالية في نظام النيل الشرقي، والمخاطر المتزايدة الناتجة عن الظواهر المناخية المتطرفة مثل الفيضانات والجفاف، مع التركيز على إدارة البنى التحتية الكبيرة، بما في ذلك سد النهضة في إثيوبيا وسد الروصيرص في السودان، ضمن إطار تكاملي ومرن لإدارة الفيضانات والجفاف. وشملت المقترحات الفنية التنبؤ بالفيضانات في الوقت الحقيقي ونظم الإنذار المبكر، وتوظيف تقنيات دعم اتخاذ القرار الذكية والمؤتمتة، إلى جانب تنسيق الاتصال بين الخزانات من المنابع إلى المصب لتعزيز إدارة المياه على مستوى الحوض بأكمله.

سد النهضة، الذي بدأ بناؤه في عام 2011 بتكلفة تقدر بين 4 و5 مليارات دولار، يمثل أكبر مشروع للطاقة في إثيوبيا، وقد بلغ الخزان أقصى سعته في سبتمبر 2022 بعد اكتمال مراحل الملء الأولى. إلا أن غياب اتفاق قانوني دولي ملزم يجعل الملف حساسًا بالنسبة للأمن المائي في السودان ومصر على حد سواء، ما يجعل الوساطات الدولية والقوانين الملزمة ضرورة لضمان استدامة الحقوق المائية.

تجمع التحركات الأخيرة بين الدور السياسي والدبلوماسي والرؤية الفنية العملية، ما يمنح السودان فرصة لتعزيز مصالحه الوطنية. المبادرة الأمريكية توفر إطارًا للوساطة القانونية والدبلوماسية، بينما تعزز الرؤية الفنية المقترحة التنسيق التشغيلي والسلامة الهيكلية للسد، ويضمن دمج الخبرات الفنية والمختصين السودانيين إيجاد حلول مستدامة وآمنة لإدارة مياه الحوض. إن الجمع بين السياسة والفن الهندسي والمصلحة الوطنية يمثل حجر الزاوية لتحقيق الأمن المائي والاستقرار الإقليمي في حوض النيل الشرقي.

** باحث ومحلل في شؤون المياه العابره للحدود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى